عندما تمت الموافقة على تأسيس النقابات المهنية منذ ما يزيد على نصف قرن, لم يكن مفهوم تأسيس النقابات المهنية في ذلك الزمان هدفه تطوير المهنة كهدف اساس من أجل خدمة الصالح العام, بل كان الهدف الذي تعمل النقابات من اجله كأولوية هو تقديم الخدمات لاعضائها, ومنها المالية كالقروض الحسنة أو الصحية كالتأمين وهكذا, ولهذا مع مرور الزمن, أصبح هذا المفهوم يتضخم ويتجذر في العقل الباطن لمجالس النقابات المهنية وتوارثته الأجيال بما فيهم الاعضاء, وبالتالي كان ذلك على حساب شعار المهنة في خدمة الصالح العام الذي بدأ يتآكل رويداً رويداً, حتى وصلنا الى ما نحن عليه. فالاصل كان يجب ان يكون هدف اي نقابة هو تنظيم المهنة من أجل خدمة الصالح العام اولا واخيرا, ومن هنا ينطلق العمل على التطوير المهني المستمر للاعضاء, ويشمل ذلك تصنيف درجة العضوية حسب مسارات مهنية وبرامج معدة لهذا الغرض على اساس الدرجات العلمية والكفاءة والخبرة, والاختصاص وغيرها, وهذا كله يتوج بوجود ميثاق اخلاق للمهنة, يتم على اساسه محاسبة ومساءلة الاعضاء, فيما لو ارتكبت اخطاء مهنية اثناء تقديم الخدمة للمجتمع.

وفي ظل غياب هذه المنظومة من العمل المهني الرفيع المستوى في الفكر المؤسس أو حتى القائمة حاليا على إدارة النقابات المهنية, فقدت النقابات دورها الحقيقي المأمول به في بناء الدولة المدنية الحديثة, وكانت النتيجة انحراف مسار النقابات المهنية, حيث تغولت الأحزاب السياسية على النقابات, فكانت وما زالت الانتخابات تجري على أسس حزبية, وهذا لا يمكن ان يحدث في اي دولة متقدمة, واصبح هناك خلط في المفاهيم لدى الاجيال المتعاقبة من المهنيين, حيث باتت مصلحة عضو النقابة تأخذ الأولوية في كثير من المنعطفات على المفهوم الحقيقي لخدمة الصالح العام.

ومع مرور الزمن برزت عدة مشاكل وتحديات، والتي أصبحت حلولها صعبة مثلما نشاهد اليوم من إضرابات وتهديدات مستمرة للدولة الأردنية, ولعل الأمثلة كثيرة على ذلك, فخذ على سبيل المثال نقابة الأطباء التي قاومت وبشدة قانون المساءلة الطبية لسنوات طويلة, وهذا ينطبق بصورة أو بأخرى على باقي النقابات, فنقابة الممرضين رفضت لفترة من الوقت موضوع تصنيف مهنة الممرضين حسب المؤهلات العلمية والامتحانات المخصصة لهذا الغرض, وها هي نقابة المعلمين ايضا ترفض ربط الحوافز المادية بالمسار المهني وتصر على مطالبها المالية فقط, وتستخدم الطلاب كوسيلة ضغط من أجل تحقيق مكاسب مادية.

لا يوجد لدي أدنى شك بأن الوقت حان لمراجعة قوانين تأسيس النقابات المهنية, لتعديل مسارها, ليكون هدفها الأساس خدمة الصالح العام كما هو معمول به في المجتمعات المتقدمة التي نصبو أن نصل إلى ما وصلت إليه من مهنية عالية في تقديم الخدمة. وأما بالنسبة لإضراب نقابة المعلمين إذا استمر, فأعتقد أن على الحكومة تحويل القضية برمتها إلى القضاء للبت فيه بأسرع وقت ممكن.

waelsamain@gmail.com