أبواب -وليد سليمان

في أواخر سنة 2018 تم افتتاح بيت العلَّامة الأردني- الراحل وعميد الأدب الأردني روكس بن زائد العزيزي- للثقافة والفنون في وسط مدينة مادبا التاريخية والسياحية, وذلك بعد ترميم البيت من قِبل متطوعين شباب ينتسبون لجمعيتي «تجلي» و«مذراه» للثقافة والفنون, وذلك لتحويل المنزل الذي عاش فيه قديماً «العزيزي» الى منارة للعلم ورمزً للموروث الأردني الأصيل, وتكريماً لمبدع أردني أعطى الكثير وترك آثاراً أدبية وتراثية أردنية فريدة.

المُعلم العلَّامة العزيزي

وُلد روكس بن زائد بن سليمان العزيزي في مادبا عام 1903، ودرس المرحلة الابتدائية في مدرسة اللاتين في مادبا، وتوقف عن الدراسة عام 1914 حين أعلنت الحرب العالمية الأولى، وبعدها أحضر له والده معلماً للغة الفرنسية وآخر للإنجليزية.

بدأ حياته العملية معلماً للغة العربية في مدرسة اللاتين في مادبا عام 1918, ثم عمل أستاذاً للأدب العربي في كلية تراسانطه في القدس حتى عام 1948, ثم في عدة مناطق أردنية حتى العام 1974.

وانتخب عام 1976 رئيساً لرابطة الكُتَّاب الأردنيين، وكان ممثلاُ للرابطة الدولية لحقوق الإنسان في الأردن منذ عام 1956.

ونال العزيزي من التكريم ما لم ينله أديب أردني آخر تقديراً له على جهوده العظيمة في البحوث التراثية والدراسات.

وحصل على وسام التربية والتعليم, ووسام الصليب الأبيض الذي لا يُمنح إلا لخاصة الخاصة، ومُنح شهادة يوبيل جلالة الملك الحسين الفضي التكريمية في الأدب عام 1977، ونال وثيقة التقدير الذاتية على أعماله المتميزة عام 1982، وأخيراً وساماً رفيعاً من يد جلالة الملك عبد الله الثاني.

وسبق أن اختارت جوليا الربضي رسالتها في الماجستير في الجامعة اللبنانية حول موضوع: «روكس بن زائد العزيزي حياته وآثاره سنة 1993», وأعدَّ الدكتور عبد الله رشيد رسالة دكتوراة في الجامعة اليسوعية عن تراث العزيزي عام 1996.

توفي العزيزي في عمان بتاريخ 21/12/2004 عن عمر يناهز الـ 100 عام، ودفن في بلدته مادبا.

وصدر له نحو ثمانين كتاباً، كان من أبرزها: (قاموس اللهجات والأوابد الأردنية) و(معلمة للتراث الأردني) و(سلسلة المنهل في تاريخ الأدب العربي) و(سلسلة الزنابق) وغيرذلك من الكتب المدرسية والمسرحيات والمسلسلات الأردنية مثل » نمر بن عدوان».

كيَّال البيدر فلاح!

وفي كتابه الفريد حول التراث الاردني القديم «معلمة للتراث الأردني» يرصد ويؤرخ العزيزي العديد من مظاهر الحياة الشعبية الأردنية.

ومن موضوع «مؤونة البيت السنوية» يشير الباحث في كتابه المرجعي بأجزائه العديدة الى ان أرض الأردن كانت تضم:

1- البدو. 2- الريفيين. 3- الحضر.

ونستعرض هنا ما أشار اليه عن سكان الأرياف في الأردن قديماً وكيف كانت علاقتهم مع الأغذية والأطعمة وسلع الحياة.

«فقد كان الريفيون يقولون: (كيَّال البيدر فلاح)! أي إن الذي ليس له أرض يفلحها، يحتاج إلى شراء لوازم حياته في مواسمها، لأن أثمانها تكون معقولة ورخيصة, ومثل هذا قولهم: » شرَّاي الربيع غنَّام».

وكان الريفيون الذين لا يملكون أرضاً أو لا يملكون أغناماً، يبذلون جهدهم بتأمين ما تحتاج إليه عائلاتهم من :

الفريكة والقمح والعدس والزيت والزيتون والزبيب والقطين؛ والقَّطين كناية غير مستحبة في بعض البلاد العربيّة.

القمح

ومن القمح كانوا يصنعون:

أ. الجريشة لإعداد العيش، الذي هو مجروش القمح واللبن المخيض.

ب. والإمنمّشة وهي قمح يرطب بالماء، ثم يُؤخذ إلى صفاة، وتدار عليه حجر ملساء، إلى أن يُزال قشره، ولا يبقى إلا لُبَّه، فيطبخ بعد جرشه، وتدعى الأمنمّشة في (دير الزور) الفيشق.

ت. الشعيرية وتتخذ من الطحين الذي يعجن بطريقة خاصة.. ودُعيت قراضات العجين بهذا الاسم؛ لأنها تفتل بين الإبهام والسبابة فتلاً دقيقاً، يشبه الشُعيرات, وتُنشر في الشمس إلى أن تنشّف، ثم تحمَّص على الصاج، وتُطبخ ويُسكب عليها السمن الطبيعي والسكر، وتُقدم للضيوف.. وكانوا يقدمونها صبحة للعرسان مع الدجاج.. ولما كثر استعمال الأرز صاروا يطبخونها مع الأرز.

وكانت الجارات يتعاونَّ على صنعها بالتعاقب، وكلما كانت قطع الشعيرية أدق كانت صنعتها تُحمد.. وإذا غلظت عُد ذلك عيباً وسميت (بعابيل)... واشتهرت في (مأدبا) سيدة بعدم إتقان الشعيرية فكانوا يقولون: «بعابيل نجمة».

الجميد

أما الجميد فقد كان يُصنع من اللبن المخيض، بعد أن أخذ الزبدة منه، ويغلونه في قُدورعلى النار، إلى أن يتجمّد، فيسمّى عندئذ «الجبجب» وبعضهم يقول «الجرجب», ثم يوضع هذا في كيس من القماش المنصوري، ليتصفى مما فيه من المصالة، المعروفة بـِ (المصل).. والمصالة ما سال من (الإقط) إذا طُبخ ثم عُصِرَ.. ويسميه بعض البدو إضروس اللبن و«الزعاميط» والواحدة «زعمطة».

السمن

وعند صنعهم للسمن كانوا يُذيبون الزبدة، ويضعون عليها:

أ. الكركم المسحوق لإكسابه اللون الأصفر.

ب. والحندقوق لإكسابه الرائحة الطيبة، والكلمة نبطية معربة وهي نبتة ذات رائحة طيبة.

ت. أما الحِلبة فهذا الخليط يُسمى في الأردن (إحواجة السمن), حيث كانوا يغلون الزبدة في قدر، ويضعون فيها مجروش القمح، لتصفية الزبدة، ويسمى هذا الجريش بعد طبخه (القُشدة).. ومنهم من يسمي هذه (القشدة) الأقرينية.

ث. كان الأردنيون يمتنعون عن شرب الحليب، وأكل الرائب والزبدة، إلى أن يصنعوا هذه الأقرينة. ويقولون عن الحليب والرائب والزبدة «إسماطِ الخضر» ولا يرفعون هذا السماط، إلا في نهاية شهر نيسان! حيث يُذيبون ما تجمع عندهم من زبدة، لتصبح سمناً يبيعه بعضهم، وبعضهم كان يتحرج من بيعه لأنه للضيوف!.

وكانت العشائر التي تبيع السمن والجميد، ينظر إليها بشيء من الاحتقار! وعندما يصنعون (الأقرينة) يصبح شرب الحليب والرائب والزبدة مباحاً! لأنهم يبعثون إلــــى المعابد بشيء من السمن الذي هو (أسماط الخضر).

والعدس وهو من مزروعاتهم، والذي لا يزرعه يبادر إلى شرائه في موسمه، وقد كان رخيصاً جداً, إذ كان الصاع البلقاوي الذي يزن 6 كغم يُباع بقرشين من عملة الترك العثماني، أي بارة, وقد كانوا يستعملون العدس مجروشا وبلا جرش.

السكر والملح

الملح كان يُؤتی به على الجِمال وكان ضارباً إلى الحمرة! لما خالطه من التراب ويسمونه (ملح الحفير).. أما الملح النقي فكان يدعی «ملح اصدم» يأتون به من جوار البحر الميت.

والسكر وكان أول الأمر نادراً!، وكان يدعى سكر الراس، لأنه على شكل أسطواني، لكنه فيما بعد صار يجيء في صناديق قطعاً مربعة، وكانوا يسمونه سكر الديشان، وسكر الدی ان، ثم درج استعمال السكر الناعم.

والأرز كان نادراً أيضاً! يستعمله الخاصة, حتى ضُرب المثل بترف رجل اسمه (حمد) فقالوا: «وشْ على بَال حَمد يأكل مع الرز بصلة!! ثم شاع استعماله، فلم يعد يخلو منه بیت.

والعنبية وهي مربي العنب, الدبس دبس العنب, والمدقوقة حيث يأخذون الزبيب ويدقونه ويصنعون منه قوالب يحفظونها للشتاء.

وهناك الخبيصة وبعضهم يسميها (الملبن) وتُعرف في العراق بـِ (جلد الفرس), وعرفوا البصل ولم يكن أحد منهم يستعمل الثوم قبل الحرب العالمية الأولى سيما القريبون من البداوة.

الصابون والوقود

أما الصابون وقبل شيوعه في كل منزل فقد كانت النساء يغسلن الثياب على مجاري المياه، أو على الغدران، ويستعملن(الحرص) ويسمینه (الوشنان) وهو تحريف لكلمة (إشنان) من اليونانية.

وكان البدو يحملون هذا النبات إلى (نابلس) لمعامل الصابون، ثم صاروا يحرقونه، ويبيعونه ويسمونه القِلو وهي القِلي لصنع الصابون.

أما الوقود فقد كانوا يخزنونه وهو على أنواع:

روث البقر مخلوطا بالتبن ويدعى (الجلة)، وبعر الإبل يدعي الجلة أيضا، ويسمونه (الحرز) والواحدة حرزة, وسُمي بذلك لأنه بعر الحرائز من الإبل التي لا تُباع لنفاستها، ومفردها حريزة.