عمان - د. أماني الشوبكي



يرجع شباب وخبراء اقتصاديون «الفساد الاقتصادي» إلى قصور التدابير اللازمة لعلاجه وضعف التشريعات والقوانين الجنائية في الأردن والعالم الثالث وضعف آليات المساءلة والشفافية.

ويلفتون إلى أن الفساد الاقتصادي بات مشكلة خطيرة وظاهرة مستعصية خصوصا في البلدان النامية، بحيث صار طارداً للاستثمارات الأجنبية، واستحوذ على اهتمام الحكومات لانعكاساته السلبية على النشاط الاقتصادي والمجتمع ككل.

وعرّف علماء الاقتصاد «الفساد الاقتصادي» بأنه «جعل الجانب المادي الهدف الوحيد للنشاط الاقتصادي الذي يمارسه الانسان المعاصر دون مراعاة للقيود الشرعية التي تنظم أحكام المال أو الالتفات للجوانب الأخرى التي يكتمل بها البناء الاقتصادي كالقيم والمبادئ الأخلاقية الروحية».

وقد عرّفه البنك الدولي في تقرير التنمية الصادر عام 1997 على أنه: «سوء استغلال السلطة العامة من أجل الحصول على مكاسب شخصية».

وفي تعريف منظَّمة الشفافية الدولية: «إساءة استعمال السلطة لتحقيق منافع ومكاسب خاصة، وذلك باستغلال السلطة الممنوحة أكانت في القطاع العام أو الخاص لتحقيق مكاسب شخصية، ولا يُشترط فيها أن تكون لمصلحة الفاسد الخاصة؛ بل تكون لأحد أفراد عائلته أو لقريب أو صديق أو لمؤسَّسة أو جهة على حساب المصلحة العامة.

ويرى المستثمر أحمد النبر أن البلد الذي ينتشر فيه الفساد وبصورة كبيرة يعتبر بلداً منفّراً للاستثمار»؛ حيث «يهرب المستثمرون من اي مكان يشكل خطرا على اموالهم واستثماراتهم».

ويبيّن أن الفاسدين، الذين يعملون في أماكن تهمّ المستثمرين، يستغلون وظائفهم للتلاعب بالقوانين وتحويلها لصالح مستثمر بعينه لهم مصلحة معه ضد آخر وضد مصالح المساهمين، وكذلك تعطيل وتعقيد معاملات المستثمرين لتستغرق سنوات بدل أيام إذا لم يرضخوا لمطالبهم المادية.

ويؤكد النبر، الذي يستثمر في قطاع الأدوات الكهربائية، أن الأردن في الفترة الاخيرة اصبح اكثر مراقبة وتشديداً من قبل الهيئات المعنية بمكافحة الفساد.و أن هناك سلاسة أكثر في المعاملات ودقة ومصداقية.

الناشط الشبابي راكان الشوبكي يعرّف الفساد بأنه «استغلال الوظيفة للحصول على منفعة شخصية دون جهد وبطريقة غير قانونية، أو بالتهرب من تكلفة إلزامية كالضرائب والرسوم الحكومية.. وهو إساءة استعمال السلطة العامة أو الوظيفة العامة لتحقيق المصالح الخاصة».

ويؤكد ارتباطه بعلاقة عكسية مع النمو الاقتصادي؛ فكلما زاد الفساد قلّ الاستثمار وانخفضت كفاءة الإنفاق العام من خلال هدر المال العام وزيادة المديونية ما يؤدي الى انخفاض معدلات النمو.

ويذهب إلى أن الفساد هو المعيق الأول للأداء الحكومي الجيد مما ينعكس سلباً على التنمية المستدامة وعلى معالجة مشكلتي الفقر والبطالة، فانتشار الفساد يهدر الموارد ويضر بعدالة توزيع الثروة ويضعف الثقة بالقطاع الحكومي ويزيد الاستياء الشعبي، ويعيق عملية التنمية ويعدم تحقيق العدالة الاجتماعية.

ويشير الشوبكي إلى أن الفساد هو نوع من أنواع الإرهاب المدمر الذي يؤثر بشكل مباشر على مفاصل أي دولة.

ويعتقد الشوبكي أن الإصلاح الاقتصادي يتطلب تطبيق سياسات اقتصادية صائبة وبناءة مبنية على الشفافية والعلانية، والعمل على المساءلة القانونية للعامل في إدارة شؤون الدولة.

وهذا، برأيه، يتطلب اصلاحاً سياسياً حقيقياً للوقوف على محاربة الفاسدين من خلال الحكم الرشيد والديمقراطي الصحيح وتفعيل دور مجلس النواب الرقابي والتشريعي وإشراك المجتمع المدني في الحياة السياسية.

الشاب عبدالله الزبون يُرجِع الفساد إلى عدم المراقبة وعدم تغليظ العقوبات وفقر التشريعات لمحاربة الفساد بصورة كافية وواضحة.

ويلفت إلى أن «الشباب هم الأكثر تأثرا بإفرازات الفساد؛ من خلال «حرمانهم من المشاركة في صناعة القرار وتهميش دورهم في التنمية الاقتصادية وتراجع مستواهم المعيشي».

وهو لاحظ أن البيئة الاستثمارية في الأردن باتت «منفرة للمستثمرين» بسبب «صعوبة الاجراءات والتراخيص»، وهذا ما أشّر إليه جلالة الملك في لقائه الأخير برئاسة الوزراء، إذ أمر بتسهيل الاجراءات امام المستثمرين حتى يزيدوا فرص العمل للشباب من خلال الاستثمارات.

الخبير الاقتصادي الدكتور سامر الرجوب أجرى دراسة حول «تأثير مستوى الفساد في الأردن على حجم الاستثمار الأجنبي المباشر» من خلال دراسة أثر مؤشر مدركات الفساد الذي يصدر عن منظمة الشفافية الدولية للفترة من العام 1995 وحتى عام 2018 على أرقام الاستثمار الأجنبي المباشر.

ووفق الدراسة، وحسب النظرية الاقتصادية، فإن «ارتفاع مؤشر الفساد يؤثر سلبا على حجم الاستثمار الأجنبي» وذلك لأن الفساد يعتبر عاملاً طارداً للاستثمار ويؤثر سلباً على القرار الاستثماري للمستثمر الأجنبي الذي يجد فيه خطراً على سلامة استثماراته ومستوى العائد المتوقع، مع تباين في هذه النتائج بين دولة وأخرى اعتمادا على خصائص كل دولة على حدة.

ووصلت الدراسة، وفق الرجوب، إلى أن مستوى الفساد في الأردن يؤثر سلبيا على مستوى الاستثمار الاجنبي المباشر وأن ارتفاع مؤشر الفساد يخفض من حجم الاستثمار الاجنبي بمعدل 12%.

وعند تكرار الدراسة على دول مختلفة من العالم تَبين أن الفساد يؤثر سلبا على حجم الاستثمار في 43 دولة وخصوصا في دول آسيا وافريقيا التي يتعمق فيها تأثير الفساد.

الخبير الاقتصادي والاستثماري وجدي مخامرة بدوره يؤكد أن الفساد عامل في تعطيل التنمية ونكوص الاستثمار المحلي أو الأجنبي, وان تراجع مؤشر الفساد في دولة هو دلالة على التطور ومؤشر صحي لبيئة استثمارية جيدة.

ويلفت مخامرة إلى تراجع نسبة الاستثمارات المحلية والأجنبية في الأردن في السنوات الأخيرة بدلالة ما شهدناه من قضايا فساد في السنوات الأخيرة لدرجة أنه تولد انطباع لدى الجميع بانتشار الفساد والتخوف من هذه الظاهرة.

ويؤشر مخامرة إلى الآثار السلبية لموضوع الاجراءات والقوانين «التي تتغير بشكل مستمر وذلك له دور في تراجع نسبة الاستثمارات»، وكذلك الارتفاع المستمر للضرائب، وأحيانا المشاريع التي تكون ناجحة فيفرضون مبالغ مالية معينة عليها تسهم في جعل المستثمر يبحث عن مكان آخر أكثر ليونة وأكثر شفافية.

ويوضح أن «تراجع الاستثمار الذي شهدناه ساعد في زيادة نسبة البطالة التي بدورها رفعت نسبة الجريمة وأدت إلى اختلالات اجتماعية».

ويأمل مخامرة، من خلال منظومة مكافحة الفساد، التشديد على الجهات التي تستقطب المستثمرين التي تضع القوانين وتطبقها، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي نعاني منها ونعيدها كما كانت بيئة آمنة للاستثمار خصوصا أنها تمتاز بخاصية مناسبة جدا للاستثمار وهي«الأمن والأمان» الذي تفتقده الكثير من الدول المجاورة.