ابواب - زياد عساف

«اللي ربنا متمملها سعادتها.. يطلع جوزها في جنازتها» و «أعزب دهر ولا أرمل شهر «مقولات و حكم شعبية لا تخلو كالعادة من تحيز ذكوري واضح، وبعيدا عن الاتفاق أو الإختلاف حول ما تعكسه من مضامين، الا ان هذه العبارات الشائعة والمتداولة هي بحد ذاتها صدى لمستوى وطرق تفكير فئة كبيرة من الناس، السينما العربية أسهمت ومنذ عقود بتقديم شخصية (الأرملة) بمجموعة من الأعمال، ومع تباين الآراء حول مستوى وقيمة هذه الأفلام، يبقى السؤال حول مدى التغيير الذي احدثته من تعديل أو تطوير للقوانين واللوائح المتعلقة فيما بات يعرف بحقوق المر?ة المنقوصة، وفي مقدمتهن الأرامل من النساء.

امبراطورية ميم ..

أعباء جسام تقع على كاهل المرأة التي فقدت زوجها واصبحت بلا معيل يسندها بتحمل هموم والتزامات الأسرة، كثيرة هي القضايا التي تبنتها السينما فيما يتعلق بمعاناة وكفاح هذه النوعية من النساء، ولعل احدى ايجابيات السينما العربية التركيز على التباين الواضح لحالتين من النساء الأرامل، الأولى تنتمي للطبقة الميسورة ماديا وتتمتع بمستوى ثقافي جيد، أما الأخرى فهي التي نشأت من رحم الفقر، وما يترتب على ذلك من تراجع فرصها من الوعي والتعليم بطبيعة الحال، وما لذلك من اّثار سلبية تهدد مستقبل الأسرة فيما يعترضها من عقبات على صعيد ?لحياة الإجتماعية والعملية.

لعقود طويلة قادمة سيبقى فيلم (امبراطورية ميم) 1972 هو الأول على مستوى الأعمال التي قدمت للمشاهد واقع حال الأم الأرملة وبأسلوب مستنير، وقد تم تصنيفه بالمركز ال 89 ضمن افضل مئة فيلم بالسينما المصرية، رسخ هذا النجاح أداء سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة كنموذج للحالة الأولى ، أي المرأة المكتفية ماديا من خلال عملها كمديرة في وزارة التربية والتعليم، وتعول ستة من الأبناء الأيتام أغلبهم في سن المراهقة، في الوقت نفسه هي شخصية واعية ومثقفة وبالتالي الأقدر على ادارة امور ابنائها بشكل عقلاني ومتزن في أغلب الأحوال، وجاء?هذا الفيلم ليؤكد حقيقة مفادها أن الأرملة التي تعتمد على نفسها وثقافتها بتأمين متطلبات ابنائها الاجتماعية والمادية معا، تعزز مفهوم عزة النفس لديهم، فهي بذلك تجنبهم الشعور بالمذلة فيما لو تم اعتمادهم على مساعدات الأقارب والمعارف التي لا تخلو من المعايرة والتجريح أغلب الأحيان، والرسالة الهامة التي يحملها الفيلم جاءت في ارتباط الأم بعلاقة عاطفية مع رجل أعمال (احمد مظهر)، إلا أنها تؤجل مشروع الزواج ولأجل غير مسمى،متعالية على أحاسيسها ومشاعرها كامرأة من أجل ابنائها باعتبارهم الأولى بالرعاية بهذه الفترة الحرجة من?حياتهم.

بداية ونهاية ..

النموذج الثاني والمتمثل بالأرملة الفقيرة والبسيطة يمكن اختزاله بفيلم (بداية ونهاية) 1960، وجاء أيضا بالمركز السابع ضمن أفضل مئة فيلم، قام بدور الأم الفنانة القديرة امينة رزق التي يجبرها تراجع الحال بعد وفاة الزوج الى الانتقال لبيت متواضع بهدف توفير النقود لتأمين مصاريف الأبناء، وهم حسن (فريد شوقي) الشقيق الأكبر وينتهي به الأمر كبلطجي وتاجر مخدرات، وحسين (كمال حسين) الذي يكتفي بالشهادة المتوسطة ويلتحق للعمل بوظيفة لمساعدة شقيقه الأصغر حسنين (عمر الشريف) لاكمال دراسته بالكليه الحربية والتخرج برتبة ضابط، الا ?نه يتنكر للجميع عندما يصل لهذه المرتبة.

أما نفيسة (سناء جميل) فهي شقيقتهم (الخياطة) التي تفتقد لمقومات الجمال، ويصل بها الفقر لأن تبيع جسدها بالنهاية وباستثناء حسين الذي يوفق بالزواج من أسرة متوسطة، يؤول مصير باقي الأشقاء لنهاية مأساوية مايعني دمار الأسرة وذلك نتاج اسباب كثيرة ابرزها الفقر، والأم البسيطة غير المتعلمة وكل غايتها تأمين لقمة العيش، ولم تنتبه للمنزلق الذي اّل اليه الأبناء،خاصة نفيسة التي سارت بطريق الانحراف ودفعت ثمن غلطتها بالانتحار نهاية الفيلم.

ظروف ..

في السياق ذاته يحفل ارشيف السينما المصرية بمجموعة اعمال تحكي قصة أمهات أرامل أوصلهن الفقر والعوز للتضحية بالأبناء في بعض الحالات، فيلم (أرملة وثلاث بنات) المأخوذ عن مسرحية الغربان تأليف هنري بك وبطولة امينة رزق التي قامت بدور الأم ل لثلاث بنات: زيزيزي البدراوي ونوال ابو الفتوح ونادية النقراشي.

يعبر الفيلم عن واحدة من هذه الحالات والتي هي نتاج واقع اجتماعي متفش في البلاد العربية أيضا، ومع تراكم الديون لم يكن امام الأم لتأمين مصاريف علاج ابنتها جراء صدمة نفسية ألمت بها، سوى تزويج ابنتها الشابة من رجل كبير السن سبق واستولى على ثروة زوجها بحكم الشراكة بينهما، واعادته للمال أصبحت مشروطة بزواجه من الفتاة.

هذا الفيلم تم انتاجه عام 1965، وفي عام 1983 تكررت الرؤية الدرامية ذاتها، ولكن مع شادية هذه المرة وبمواقف مؤثرة بتأديتها لدور الأرملة التي تبيع ابنتها الطفلة لإمرأة عاقر مقابل المال بهدف تأمين احتياجات باقي الأبناء.

الأرملة الطروب ..

تبقى هناك عقبات أخرى يواجهها أغلب من فقدن أزواجهن تفرضها طبيعة البيئة الثقافية التي يعشن بها،و ما تمليه الظروف الخارجية المحيطة والقاسية، ونظرة المجتمعات الشرقية لها كأمرأة ضعيفة يسهل الاستيلاء على اموالها،أو الظفر بها لذاتها كفريسة سهلة.

وعودة أخرى للأمثال الشعبية التي تختصر هذه الحالة مثل: «تزوج الأرملة واضحك عليها.. خد من مالها واصرف عليها»، أو «كل من شافني ارملة.. كشَّف واجاني هرولة»، وأي وصف أقوى من ذلك يختزل نوعية من البشر يحركها الجشع وحب المال، السينما المصرية قدمت نماذج كثيرة من هؤلاء وسلطت الضوء على حقيقة نواياهم واطماعهم بالإستحواذ على أموال الأرامل، ففي عام 1956 كان العرض الأول لفيلم (الأرملة الطروب) بطولة ليلى فوزي وكمال الشناوي، ويحكي باختصار قصة امرأة توفي زوجها التركي الذي يكبرها بأربعين سنة،وترك لها ثروة هائلة مشترطا عليها ?دم الزواج بعده وإلا ستؤول الثروة لأهله، من هنا يبدأ اقارب الزوج بالسعي لخطة كي تتورط بالزواج لتصبح الثروة من حقهم حسب الوصية، في الوقت نفسه يحاول والدها (فركشة) زواجها من أي عريس كي لا تخسر ابنته الثروة التي يطمح اليها هو ايضا.

أطماع..

«مطلوب أرملة » فيلم اّخر تم انتاجه عام 1965، اشترك به كل من نادية لطفي وحسن يوسف ويوسف شعبان، ويتحدث أيضا عن شاب خلَّف له احد أقاربه ثروة طائلة شريطة زواجه من ارملة، وطمعا بالميراث يسرع الشاب لتزويج الفتاة التي يحبها من شاب يائس ينوي الانتحار للتخلص من الحياة، ويحاول (الوارث) كسب الوقت بانتهاز هذه الفرصة كي يحقق الهدفين معا.

على هذه الشاكلة قدمت السينما المصرية العديد من الأعمال والتي تدور حول الأطماع الدنيوية، فيكون الزواج من أرملة أو ادعاء الحب احدى هذه الوسائل،ومن هذه الأفلام: الفتوة 1957، الليلة الموعودة 1984، الأرملة والشيطان 1984، شادر السمك «1986 » والمرأة والساطور 1997.

أرملة مع سبق الاصرار..

من ضمن الشرائح التي قدمتها السينما وليست بعيدة عن الواقع، مايمكن ان يطلق عليه بـ (الترمل المصطنع)، كسعي المرأة وبقرار منها لتصبح أرملة بالتخلص من الزوج بهدف الاستحواذ على ثروته، وهذا ما يطرحه فيلم (الاستاذة فاطمة) 1952 لفاتن حمامة وكمال الشناوي، عندما تساهم الزوجة الشابة (لولا صدقي) وبمساعدة عشيقها بالتخلص من الزوج،وتلفيق التهمة للمحامي (كمال الشناوي) والهدف هنا هو الميراث، ونفس الفكرة تكررت بفيلم (من أجل امرأة) 1959، ويقوم العشيق (عمر الشريف) بقتل الزوج للحصول على بوليصة التأمين على حياته، وبالتنسيق مع ال?وجة الشابة (ليلى فوزي).

وعندما يكون الدافع لقرار الترمل قسوة الزوج وسوء معاشرته، يعود للذاكرة فيلم (موعد على العشاء) 1980 كمثال على ذلك، إذ تلجأ الزوجة (سعاد حسني) بدس السم بالطعام للزوج (حسين فهمي) للأسباب ذاتها، وعندما تكون مرارة الخيانة أقسى من لقب أرملة في مجتمع شرقي ، فهذا ما تؤول اليه أحداث فيلم (عفوا ايها القانون) 1985، إذ تقرر بطلة الفيلم (نجلاء فتحي) اطلاق النار على زوجها (محمود عبد العزيز) في اللحظة التي ضبطته مع أخرى في شقة الزوجية لتصبح في النهاية (الأرملة السجينة)، يبقى القاسم المشترك لهذه الأعمال ان الزوجة ليس لها ا?ناء على الأغلب، وهذا ما يسهل القيام بهذا النوع من الجرائم.

يبقى من الحالات الأخرى تدخل طرف ثالث للتخلص من الزوج اما طمعا بامواله كفيلم (أرملة في ليلة الزفاف) 1974، أو بهدف الحصول عليها كزوجة، وهذا ما تضمنه فيلم (ومن الحب ماقتل) لحسين فهمي ونجوى ابراهيم انتاج 1975.

أسماء..

في السنوات الأخيرة اصبح هناك ازدياد ملحوظ في عدد النساء الأرامل نتاج الحروب والأعمال الإرهابية في المنطقة العربية، أو بسبب الأمراض المتفشية ما يستدعي دق ناقوس الخطر، ولا يقل دور السينما عن غيرها من المؤسسات في معالجة تداعيات هذه الأحداث، وللأسف أصبح من النادر انتاج اعمال تتبنى هذا النوع من القضايا الاجتماعية والإنسانية باستثناء بعض الأفلام المتميزة التي يحظى بها المشاهدون بين فترة وأخرى ومن بينها: (يوم مر.. يوم حلو) 1988 لسيدة الشاشة العربية، ومن خلاله تعود في دور الأرملة ولكن الإنسانة البسيطة والفقيرة هذه?المرة، وفيلم (أسماء) 2011 تمثيل الفنانة هند صبري، وتؤدي دور الأرملة التي تعاني من مرض نقص المناعة المكتسبة، وتكافح لتربية ابنتها الوحيدة.

مستكة وريحان.. بطاقة حب

ولا بد من التوقف أيضا عند تجربة هامة تبعث على التفاؤل بعودة الروح للسينما العربية، أكدها العديد من النقاد والمشاهدون لفيلم (مستكة وريحان) انتاج عام 2017 لدينا عبد السلام مؤلفة ومخرجة الفيلم الذي صاغته بلمسة انسانية وفنية مؤثرة أهله للحصول على جائزة افضل فيلم اجنبي بمهرجان (ال.. دب) بولاية فلوريدا ، وتدور قصة الفيلم حول الأرملة العجوز (مستكة) وتقطن لوحدها في احدى البنايات بمدينة الاسكندرية، وفي الأعلى من شقتها يسكن الأرمل (ريحان) الذي يقاربها في السن والظروف ومنها انشغال الأبناء عنهما، وتجمعهما علاقة انساني? يتخللها الكثير من التفاصيل البسيطة فيحاولان من خلالها تبديد حالة الوحدة والعزلة التي يعيشانها.

الأداء السلس والممتع للفنانة عزيزة فاضل (مستكة)، كان أشبه ببطاقة حب لفنانات الزمن الجميل ممن سبقنها في هذا المجال، وقدمن دور الأرملة بأسلوب يمتاز بالذكاء الفطري والعفوي أيضا، وبخفة الدم المعهودة كعقيلة راتب في: عيلة زيزي 1963، وليلة الزفاف 1966، ومن ينسى الفنانة ماري منيب وهي تؤدي دور الحماة الأرملة في عدة أفلام مثل: حماتي ملاك 1959، وهي تقدم بعض النصائح (المفخخة) كتحريض لإبنتها على زوجها: مثل (طوبة على طوبة.. خلِّي العركة منصوبة)، أو وهي تتباهى بسيرتها الذاتية كونها (ترملت) مرتين: اسأليني أنا مدوباهم اتني? ..! .