إربد - أحمد الخطيب

في محاورها الشاملة التي ذهبت إلى تفكيك جملة من المؤثرات البنيوية لعلاقة المجتمع بالمنظومة الكلية للنهوض، أسهبت الحوارية الثقافية «الثقافة بين منظومة القيم وأدوات الشفافية»، التي نظمها ملتقى إربد الثقافي، مساء أول من أمس، وشارك في مفرداتها الباحثان د. أسامة عايش وعبد المجيد جرادات، بالوقوف على تحديد المفاهيم وتأصيلها، والمقاربات النظرية والعملية وتحديدها في سياق مزج مجموعة القيم بأدوات الشفافية التي تكشف عن صيرورتها في بناء الفرد والأمة.

لفت د. أسامة عايش في ورقته إلى أهمية الحوار في الشأن الثقافي والمرجعية القيمية لأدوات الشفافية، وأهمية تناول الثقافة من منظور الأيدولوجيا الفكرية بنية، والسوسيولوجيا الاجتماعية نسقاً.

كما تحدث عن محورية استنطاق الذات المثقفة أنسنة كآلية فكرية في المعطى الثقافي القيمي، وضرورة وعي الخطاب الثقافي كعمق تداولي نخبوي، وأفق اختلافي إيجابي، لافتاً النظر إلى أهمية تمازجية الثقافة في السياق التاريخي والرؤى الجغرافية المعولمة، الحداثة وما بعد الحداثة، وتمتين التساؤلات الثقافية التي تتطلب دقة التشخيص وجدية التحليل، إلى ذلك تحدث عن إشكالية العلاقة بين البعد الحضاري ومتطلبات الوجود التاريخي في ثنائية الحوار والصراع، هوية الأنا وخصوصية الآخر.

وأكد أن الثقافة القيمية تعني القدرة على تجسيد التجرد في غائية التقييم والتقويم، معتبرا أن المفهوم الثقافي القيمي في متون الشفافية لا يُبنى علمياً إلا ضمن مسارات واضحة الدلالة، يطغى عليها إعمال الحس النقدي، تحليلاً وليس تبريراً. وحول فلسفة القيم الثقافية، أوضح د. عايش أنها تعني في إحدى تجلياتها المنهجية، الخطاب مسؤولية، التخاطب سلوكاً، الفعل أخلاقاً، والتأمل ذوقاً، مشيراً إلى أن هناك عملية تقابل منهجي بين الثقافة والغائية العلمية المعرفية، وذلك كحوصلة تراكمية للتراث الفكري في الحضارة العربية الإسلامية بنزعت? الإنسانية الأخلاقية.

إلى ذلك تناول في ورقته محورية العقل الأخلاقي المعرفي التي تتطلب توقفاً وتعمقاً في المحتوى الثقافي النخبوي، وتجانسه الاجتماعي، محدداً جدلية التنميط التكراري الاجتراري كسمةٍ تقليدية للفعل الثقافي، أبان فوضوية الأدوار الوظيفية لسلطة الثقافة أمام ثقافة السلطة.

وخلص د. عايش إلى أن الوعي المفاهيمي والإدراك المصطلحي يؤديان إلى رتق ثغرات التساق التداخلي في المنظومة القيمية بأدواتها الشفافة.

من جهته استهل الباحث جرادات ورقته البحثية بسؤاله عن منظومة القيم، هل هي تتمثل بالمفاهيم والعادات التي توجه وتنظم السلوك، أم الأعراف والتقاليد التي تغرس بذور الترابط والود بين شرائح المجتمع، لافتا في سياق تحديده لهذه الإشكالية أن منظومة القيم هي مادة الحياة وقوامها.

وأضاف تبرز الحاجة لحالة من الدفاع المرن عن منظومة القيم التي ندرك أن أهم مقوماتها أن يحس الإنسان بذاته الفاعلة والتي تستمد منعتها من سياقها الحضاري ومنسوب القوة التي تدفع الجميع للوقوف بوجه ما يهدد مصيرها.

أكد الباحث جرادات أن الشفافية تعني العمل بأسلوب المكاشفة والمصارحة وبدون مطارحة، وعندما تكون هنالك أية مبادرة لرسم سياسات معينة، أو تبني خطط واعدة، فإن الحكمة تقتضي التوسع بالنقاش والتنبؤ بردود الفعل، وحين يتم التيقن من توفر الحدّ المطلوب من قناعات الأغلبية، فإن النتيجة تتمثل بوضوح الرؤية، وآنذاك يقتنع الجميع بصحة العمل ونضوج الفكرة.

وخلص الباحث جرادات إلى أن الثقافة تمثل الحصن الأخير للمحافظة على منظومة القيم التي تخدم المسيرة الحضارية للأمة.