استقر فقه القانون الإداري على تعريف الإضراب بأنه توقف جماعي للعاملين في مرفق عام دون أن يكون لديهم الرغبة في ترك العمل، وذلك بهدف الضغط على الإدارة لتحقيق مصالح شخصية خاصة بهم فالإضراب بهذه الصورة يعتبر شكلا من أشكال الحق في الاجتماع العام الذي كرسته المادة (16) من الدستور، ومظهرا من مظاهر حرية الرأي والتعبير المنصوص عليها في المادة (15) من الدستور.

ومن النتائج المترتبة على اعتبار الإضراب حقا للموظف العام ضرورة إخضاعه لشروط تنظيمية ترسم طريقة ممارسته وحدودها، والتي يجب أن تنطلق من قاعدة أساسية تتمثل بالموازنة بين تكريس ذلك الحق من جهة وبين مبدأ سير المرافق العامة بانتظام واطراد من جهة أخرى. فالموظف العام يعمل في مرفق عام، والمرفق العام هو مشروع تنشئه الدولة وتديره بنفسها أو بأسلوب المؤسسات العامة ضمن إطار قانوني محدد، وذلك بهدف تقديم خدمات عامة للأفراد ودون أن تستهدف تحقيق الربح. ومن الأمثلة على المرافق العامة المدارس والجامعات والمستشفيات الحكومية.

ومن الدلائل على أن الحق في الإضراب يخضع للتنظيم القانوني كباقي الحقوق الدستورية، ما أوردته المادة (8/د) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالقول تتعهد الدول الأطراف بكفالة حق الإضراب شريطة ممارسته وفقا للقوانين الوطنية لكل دولة. فالحق في الإضراب وفقا للقانون الدولي لحقوق الإنسان ليس مطلقا، وإنما يخضع للتنظيم القانوني من المشرع الوطني لكل دولة، شريطة أن لا يتعارض مع جوهر ذلك الحق وأساسياته.

إن هذا النهج التنظيمي تبناه المشرع الأردني في قانون العمل بأن فرض قيودا وإجراءات مسبقة يتعين على العاملين في القطاع الخاص اتباعها قبل تقرير الإضراب، أهمها حظر اللجوء إلى الإضراب إذا كان النزاع محالا على مندوب التوفيق أو مجلس التوفيق أو المحكمة العمالية.

مثل هذا الموقف التشريعي من فرض قيود تنظيمية على الحق في الإضراب، وتحريمه في حالات معينة، يجب تضمينه نظام الخدمة المدنية باعتباره القانون الأساسي الذي يحكم الوظيفة العامة في الأردن. فاللجوء إلى الإضراب في القطاع العام يجب أن يكون في أضيق الحدود، وبعد فشل حل أي نزاع بين موظفي القطاع العام وإداراتهم الحكومية، وذلك للحيلولة دون استخدام الإضراب كوسيلة لتعطيل سير المرافق العامة بشكل سيلحق ضررا جسيما بالمواطنين الذين يعتمدون على هذه المرافق في الحصول على الخدمات العامة.

أما خلال مرحلة التفاوض لحل أي خلاف بين الموظفين العموميين ونقاباتهم من جهة والإدارة الحكومية من جهة أخرى فيجب حظر ممارسة الإضراب، وذلك بهدف إتاحة المجال أمام طرفي النزاع لحله بشكل ودي ومن خلال الطرق السلمية، وذلك أسوة بأحكام إضراب الموظفين في القطاع الخاص.

laith@lawyer.com

* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية