على وَقع مُتغيرات ميدانية مُدويّة، تلتئم اليوم في أنقرة قمة ثُلاثي مسار استانا، الأمر الذي يعكِسه جدول الأعمال حيث برَزَت «مسألة» إدلب في مقدمته, على نحو بدت تركيا أنها أصرّت مُناقشتها أولاً, كونها الخاسِرة الوحيدة في وقائع يوميات المُحافَظَة, التي أُوُكِلَ إليها مُهمة «ترتيب» أوضاعها كمنطقة «خفض تصعيد», وبخاصة بعد اتفاق سوتشي الذي تم قبل عام (17 أيلول 2018)، واظَبَت خلاله أنقرة تجاهل الدعوات الروسية (والإيرانية) لتنفيذ بنوده, وأهمها إخراج وسحب سلاح المجموعات الإرهابية مِن المنطقة «منزوعة السلاح»، التي سُمِحَ للجيش التركي فيها إقامة نقاط مراقبة، لكن ما تم خلال ذلك العام «المهدور»، كشَفَ تنسيقاً كاملاً يجري بين تلك المجموعات الإرهابية والجيش التركي, الذي دخل إلى المنطقة بحماية ومُرافَقة تلك الجماعات.

سيطرة الجيش السوري على مناطق شاسعة وخصوصاً استراتيجية في أرياف حماة وإدلب, وبخاصة تحرير خان شيخون ومُحاصَرة نقطة المُراقبة التركيّة رقم «9» في بلدة مورك، هذه السيطرة المحمولة على مُتغيّرات ذات أبعاد استراتيجية, تشي بتقلّص هوامش مناورة الجيش التركي واضطراره للتعامل مع الأمر الواقِع تحت طائلة استئناف العمليات العسكرية السورية - الروسية، تدفع للاعتقاد ان اردوغان الذي راهن طويلاً وكثيراً على تنسيقِه «المتذبذب» مع حليفه الأميركي/ الأطلسي لإقامة منطقة آمنة, بات على قناعة بأن الأميركيين يُمارسون اللعبة ذاتها التي اعتمدها منذ انطلاق مسار استانا، وهي ما تجلّى - ضِمن أمور أخرى - في التصريحات الغاضبة والمُشكّكة التي أطلقها الرئيس التركي, كذلك وزير خارجيته بأنّ واشنطن تلجأ للمراوغة وأنها غير جادّة في التقدّم خطوة أخرى على الخطوة الخجولة (في نظرِ أنقرة) تمثّلَت بتسيير دوريات مُشترَكة أميركية/تركية, ولم تتوقّف بعدها تصريحات الغضَب التركية المُهدِّدة بإقامة المنطقة الآمنة مُنفرِدة. وهو أمر تدرك أنقرة أنها غير قادرة على إقامتها مهما زعمَت وحشدَت عسكرياً، لأن المُحتلّ الآخر/الأميركي, ما يزال يُراهِن على مرتزقته في قوات قسد, وهو ارسل قبل اربع وعشرين ساعة من انطلاق قمة أنقرة الثُلاثِية, رسالة حاسِمة لأنقرة جاءت على لسان قائد القيادة المركزية الجنرال ماكينزي, نفى فيها بِشدّة أن تكون بلاده قرّرت زيادة عديد قواتها على الأراضي السورية لتنفيذ دوريات مشتركة مع تركيا، ما عنى (في قراءة أُخرى) أن على أردوغان عدم الاعتماد على واشنطن في إنشاء المنطقة الآمنة التي يَحلُم بها الرئيس التركي.

وفي السطر الأخير ليس ضرورياً الركون للبيان المُشترَك الذي سيصدر عن قمة أنقرة اليوم بطابَعه وصياغته الدبلوماسية المعروفة. إذ بات مطلوباً روسِيّاً وإيرانيّاً وخصوصاً سوريّاً حسم مسألة إدلب وعدم العودة لمربع المراوِغة التركي لإعادة «تفعيل» اتفاق سوتشي. وتعويل أردوغان على لقائه المُحتمَل مع ترمب في نيويورك, لن يكون كافياً للاطمئنان بأن شريكَي استانا (اضف إلى ذلك دمشق) مَعنيان بمنحه المزيد من الهدايا المَجانية, للمضي قدماً في تلويحه إقامة المنطقة الآمنة المَزعومة. حتى في ظل الحديث المفاجئ عن «حَلّ» عُقدَة... اللجنة الدُستورِيّة.

kharroub@jpf.com.jo