لا أتحدث عن فساد بالمفهوم المتعارف عليه، ولا أتهم أحدا، لكنني أحاول رصد بعض المحطات التي يجمع الشارع على أن التحوط فيها من أساسيات الإدارة. وهي محطات تتعلق بأداء مسؤولين يتعاملون بالمال العام وبالقرارات المتعلقة به بصلاحيات مطلقة، ودون أية ضمانات باستثناء » اليمين القانونية» لبعضهم.

فالوزير ـ على سبيل المثال ـ معني بتقدير موازنة وزارته، وبإنفاق تلك الموازنة التي قد تصل إلى مئات الملايين من الدنانير، ويمتلك هامشا لتقرير أوجه الانفاق من مخصصات الوزارة، وفي تحويل مخصصات من باب إلى آخر.

وهناك وزراء ـ كوزير المالية ـ لديه صلاحيات واسعة جدا في التعامل مع إيرادات الدولة، قبضا وإنفاقا، وفي تحديد إطار الموازنة العامة قبل إرسالها إلى «النواب» وأثناء المناقشة، وفي مرحلة ما بعد إقرارها.

وهناك مديرو دوائر لهم مثل صلاحيات الوزراء في ما يخص دوائرهم، وبعضهم يخالف تحفظات ديوان المحاسبة، ويصر على موقفه من بعض أوجه الصرف.

والأخطر من ذلك أن بعض المسؤولين يمتلكون هوامش واسعة لاتخاذ قرارات بالصرف، وفي توقيع اتفاقات ترتب على الحكومة مبالغ مالية بشكل مباشر أو غير مباشر. فما زلنا نعاني من اتفاقية الغاز المصري التي لا ترتب على الطرف الآخر أية تبعات مادية في حال توقفت عملية التزويد. وكذلك اتفاقية الغاز مع الكيان الصهيوني التي تضع غرامة تزيد على المليار دولار في حال إيقافها. واتفاقية «الكهرباء الوطنية» مع شركات التوليد التي تنص على شراء كامل انتاج تلك الشركات والذي يزيد كثيرا عن الحاجة بسعر محدد ولأكثر من عشرين سنة، وتزويد تلك الشركات بالوقود بسعر ثابت أيضا. والكثير الكثير من اتفاقيات الخصخصة.

بالطبع هناك أمثلة كثيرة جدا قد لا يكون المجال متاحا لاستعراضها، وما يلفت النظر أن المعنيين بها لا يحاسبون إن أخطأوا في أي قرار «اجتهادي» مهما بلغ حجم الضرر الذي تسبب به. وهناك ملاحظة أخرى تتمثل بأن المسؤولين عن المال العام غير مطالبين بتقديم أية كفالات أو ضمانات يمكن استغلالها في حال أسيء التصرف قصدا أو بغير قصد. مع أن أي محاسب أو جاب، أو أمين صندوق، أو أمين مستودع في دوائر الدولة يكون مطالبا بكفالة عدلية، تصل إلى حد رهن بيته، وبيوت اقاربه. مرة أخرى، لا أتحدث عن اتهامات، أو غير ذلك من أمور تتعلق بالفساد، لكنني أرى أن إدارة المال العام في الدولة تعاني من ثغرات يمكن استغلالها أو النفاذ من خلالها. وأن هذا الملف بحاجة إلى معالجة جذرية.

هنا أعلم أنه لا يمكن لوزير أن يقدم كفالة بقيمة موازنة الدولة.. لكنه يمكن للسلطتين التشريعية والتنفيذية وضع قانون يحدد ضمانات الحفاظ على المال العام بصيغة واقعية وأكثر إلزاما.

Ahmad.h.alhusban@gmail.com