ملك يوسف التل

هناك من ضللني عمداً في محاولة اغتيال خالد مشعل

ظروف اغتيال كنيدي خلقت لدي شكّاً بوجود دور لإسرائيل في العملية


عندما يجري توثيق المسيرة الإعلامية الأردنية في السنوات الخمسين الماضية، فإن من سيقوم بتلك المهمة سيجد لدى الدكتور سمير مطاوع من التفاصيل ما يكفي، ليس فقط للتوثيق من موقع المشاركة وإنما أيضا لتقييم الأداء ولتفسير حالة عدم الرضا التي يشعر بها د. مطاوع وآخرون كثر من ذوي الاختصاص.

ملاحظات وزير الإعلام الأسبق، على التلفزيون الأردني والقنوات الجديدة، فيها قسوة الذي عاصر النشوء والارتقاء وليس مضطرا للمجاملة، والذي اعتذر في مرحلة ما عن تسلم إدارة هذه المؤسسة لأنه يرى للإصلاح شروطا مهنية أساسية غير متوفرة لهذه الصناعة الثقيلة.

لدى الدكتور مطاوع رواية ربما لم يسمعها الكثيرون عن الفخ الذي وقع فيه يوم محاولة إسرائيل اغتيال خالد مشعل بالسم. أيامها كان أبو عبدالله ناطقا رسميا وأعطى عن محاولة الاغتيال توصيفا لم يصمد ساعات حتى تبين أنه غلطة بدرجة تردد ما زال الكثيرون يسمعونها أو يستذكرونها من باب المطاعن.

رواية الدكتور مطاوع عما جرى يومها تكشف عن تفصيلة صارخة في تاريخ علاقة الإعلام الأردني مع مراكز القوى.

ولد د.مطاوع في القدس بتصادف اجتماعي، لكن القدس احتلت في جهده الأكاديمي والإعلامي مركزا محوريا أصدر فيه أوراقا بحثية توزعت بين خمسة أو ستة كتب أصدرها باللغتين الإنجليزية والعربية.

لديكم بعض من نظريات المؤامرة تراكمت في سيرتكم الاعلامية الحافلة:

الأولى نظرية ان لإسرائيل دورا في اغتيال الرئيس الأميركي جون كينيدي

والثانية نظرية ان مديرا أسبق للمخابرات هو الذي تعمد أن يحرجكم كوزير للاعلام وناطق رسمي بما سمي في حينه فضيحة الإعلام الرسمي بموضوع محاولة اغتيال خالد مشعل:

في عام 1963 كنت أراسل مجلة الأسبوع العربي من مقري في أمستردام، عندما تم اغتيال كنيدي، طلب مني الذهاب إلى واشنطن، لإعداد تحقيق صحفي عن اغتياله، فأجريت العديد من المقابلات في واشنطن، مع صحفيين وسياسيين.. الخ.

تولد عندي شك أن إسرائيل لديها دور في عملية اغتيال كنيدي، لعدة أسباب منها: أن كنيدي الرئيس الأميركي الوحيد الذي طلب من إسرائيل أن تُخضع منشآتها النووية لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومقرها في فيينا، فرفض بن غوريون، وعاد كنيدي وكرر الطلب، فتولد لدي شك أن إسرائيل قررت ضرورة إزاحة كنيدي من الطريق لأنه الوحيد الذي أصر على اخضاع منشآت إسرائيل النووية للرقابة الدولية.

وزاد من شكوكي أن لي هارفي أزوالد الذي اغتال الرئيس كنيدي تعرض للاغتيال بعد بضعة أيام أثناء نقله إلى المحكمة على يد شخص يهودي يدعى جاك روبي مما أكد أن بعض المتآمرين في خطة اغتياله كانوا من اليهود فاغتالوه هو أيضا بطلقة من مسدس روبي منعا لنشر الحقائق.

هذا الشك دفعني للاستفسار، فتعرفت على الصحافية من مراسلي البيت الأبيض هيلين طوماس، من أصل لبناني. وأعطتني أسماء وعناوين وهواتف كثير من الشخصيات التي قابلتها، وعندما أخبرتها عن شكوكي حذّرتني وقالت: «احتفظ بأفكارك وشكوكك لحين مغادرتك الولايات المتحدة»، حتى لا أتعرض للضرر اذا ما أجهرت نواياي بالبحث، ما أكد لدي أن هناك مؤامرة. وفيما بعد عندما بدأت تظهر الحقائق، اتضح ان ثمة أعضاء في اللوبي اليهودي لهم دور في اغتيال كنيدي.

بالنسبة لخالد مشعل كيف سأعرف عن محاولة الاغتيال إذا لم أسأل الأجهزة الأمنية؟ قيل لي يومها إن هذه ليست محاولة اغتيال بل هي مشاجرة بين سائحين كنديين وبين سائق خالد مشعل، وقد تبين فيما بعد أنها محاولة اغتيال.

لقد اكتشفت الحقيقة مبكراً لكنني صمت من أجل أن لا أكشف ما يقوم به الملك الحسين وراء الستار، حين اتصل معي موظف من الديوان الملكي وأخبرني بأن جلالة الملك أمر بنقل خالد مشعل من المستشفى الإسلامي إلى مدينة الحسين الطبية.

لم يكن صعباً علي أن أتصور أن ثمة مؤامرة فعلا لاغتيال مشعل، ولم أدل بأي تصريح لأنني أدركت أن ثمة ما يقوم به الحسين لإنقاذ مشعل من وراء ستار من السرية، لكن بعض الصحافيين اتهموني بأنني لا أريد أن أصرح حتى أحمي معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية، وأنني من أنصار السلام ومن جماعة السلام مع الإسرائيليين.. إلخ، وبالتالي أدركت أن هناك من تعمد إعطائي تلك المعلومة عن المشاجرة لكي لا يتوجه اهتمام الصحافة نحوه فيتحول الأمر إلى تصريح كاذب من قبل وزير الإعلام وليس منه شخصيا بحكم منصبه الأمني.

لكن الملك الحسين أدرك بأنني تحملت أكثر مما يجب، في الوقت الذي كان يقوم بعمل اتصالات لأجل أن يحصل على الترياق لإنقاذ حياة خالد مشعل، والجميع يعلم أن جوازات سفر الذين سيغتالون خالد مشعل مزورة وهم من الموساد الإسرائيلي، وعندما حقق معهم أحد ضباط البحث الجنائي اكتشف حقيقتهم، فوضعهم بالسجن، وهدد الملك الحسين بإعدامهم ما لم ترسل إسرائيل ترياق خالد مشعل.

واستدعى الملك الحسين الصحافيين والكتاب والمراسلين إلى الديوان الملكي ليقول لهم إن وزير الإعلام أعطاكم المعلومة كما أعطيت له وأنه موضع ثقة.

لماذا رفضت تسلم منصب رئيس مجلس إدارة الإذاعة والتلفزيون في عام 2010؟

عرض عليّ المنصب، فاعتذرت واستغرب رئيس الوزراء، وقد أخبرت نائب الرئيس ووزير الإعلام بأن أجهزة هذه المؤسسة جاءت في الستينيات، والآن أصبحنا في عصر الأجهزة الرقمية، فيفترض أنه إذا أردت استلامها أن أعيد بناءها، وأقدر أننا بحاجة إلى 100 مليون دينار لإعادة بناء دورها على مستوى المنطقة، فهل ستوافق الحكومة على هذا المبلغ.

لقد رافقت محمد كمال منذ ان أسس التلفزيون الأردني وأعرف من هي الدول أو المؤسسات التي نحصل على دعم منها، لكن الآن في عصر الفساد ماذا سيقول الناس؟! سيقولون بأن سمير مطاوع أخذ نصف الأموال التي جمعها من الدول أو المؤسسات المانحة، وأخبرت رئيس الحكومة أنهم إذا أرادوا أن استلم الإذاعة والتلفزيون من أجل أن أحسن البرامج فقط فلا يوجد لدي أي مانع، لا يجوز ترك الإذاعة والتلفزيون على حالهما الآن، خصوصاً وأن مستوى التلفزيون هبط عما كان عليه في الماضي إذ كان في المرتبة الأولى في الشرق الأوسط،.. كنا مدرسة وكل التلفزيونات العربية أخذوا من شبابنا، لكن الآن أين نحن؟! والسبب أن الإذاعة والتلفزيون لا ينالان الموازنة التي يستحقانها أو يجب أن يحصلا عليها لشراء البرامج.

أيضاً التلفزيون أتخم بفضل الواسطة بمئات الموظفين الذين ليس بحاجة لهم، عندما أسسنا التلفزيون كان عددنا 101، وكنا نمزح مع محمد كمال ونقول له بأن نطرد الواحد حتى نصبح 100 وليس 101. عندما أصبحت وزيرا وجدت أن موظفي التلفزيون1700 شخص، لماذا كل هذا العدد؟! وعندما زرت التلفزيون وقتئذ وجدت أن معظم العاملين ينشغلون في مكاتبهم يشرب القهوة والشاي وأحاديث نقد الآخرين..الخ... لماذا تمويل أو المساهمة في إنشاء محطات تلفزيونية جديدة مع أن تلفزيون الوطن الأول يمكنه لو تم دعمه حسب الأصول أن ينافس كافة تلفزيونات المنطقة.

كتابكم «العلاقات العامة جسر الاتصال والنجاح».. ماهي العلاقة بين الدبلوماسية والإعلام والعلاقات الدولية؟

العلاقات العامة عامود الخيمة فهي الصورة الذهنية الإيجابية، فالأمر الأساسي المطلوب أن يفعله مدير برنامج للعلاقات العامة أن يخلق صورة إيجابية للشركة أو للسلعة أو للشخص أو الدولة، لدى الجمهور المستهدف الذي يتعامل معه. إذا استطعت أن تخلق الصورة الإيجابية في أذهان الزبائن أو الجمهور المستهدف فمعنى ذلك أنك نجحت في مهمتك.

الدبلوماسي وخصوصاً الذي يمارس دورا فاعلا مثل السفير أو نائبه وفي الدرجات العليا مثل القائم بالأعمال أو الوزير المفوض.. وظيفة هذه الفئة من الديبلوماسيين تقديم بلدهم للطرف الآخر، بصورة إيجابية. مثال على ذلك عندما كان عقل بلتاجي وزيرا للسياحة اتصل بي حين أسست السفارة الأردنية كأول سفير أردني في هولندا، وسألني ماذا أنت فاعل هناك؟ مضيفا بسرعة حتى لا أتصور أني ارتكبت خطأً أو أخطاء أن السياحة من هولندا للأردن زادت بنسبة 48 بالمئة في السنة، وارتفعت مقاعد الملكية الأردنية على خط أمستردام عمان إلى نسبة 65 بالمئة. لأنني نجحت في خلق صورة إيجابية للأردن في هولندا.

أيضاً عندما توفي الملك الحسين فتحنا سجل عزاء في السفارة، جاء اثنان من النواب ووقعا في السجل، واحد منهم قال لي إن الملك الحسين يستحق أكثر من مجرد سجل عزاء، اقترح علينا أن نقوم بشيء كمجلس نواب، أخبرته أن لدينا تقليدا في الأردن نسميه تأبين المتوفى، واقترحت أن يقوم البرلمان الهولندي بعمل حفل تأبين للملك الحسين.. وبعد يومين اتصل بي أحدهما وأخبرني بأنني مدعو غداً الساعة 2 إلى البرلمان الهولندي لحضور حفل تأبين الملك الحسين فذهبت وبرفقتي غالب الزعبي وزير الداخلية الذي كان في زيارة عمل لهولندا فذهبت وإذا بالحاضرين كامل أعضاء الوزارة وأعضاء مجلسي النواب، والشيوخ الهولندي والوزراء السابقين ورؤساء الأحزاب الممثلة في البرلمان، والسفراء.. الاحتفال دام 90 دقيقة والجميع وقوفاً احتراماً لذكرى الملك الحسين، هذا الذي أسميه الصورة الإيجابية، وهو الرابط ما بين العلاقات العامة والدبلوماسية والإعلام أيضاً لأنه هو الوسيلة بطبيعة الحال.

لو نستذكر معا ما لم يقال في تجاربكم الإذاعية مع إذاعتي هو لندن والبي بي سي:

جئت من لندن للعمل في التلفزيون الأردني براتب حدد مسبقا، لكن للأسف المدير المالي رفض إعطائي الراتب الذي جاء بي على أساسه محمد كمال من لندن مبررا رفضه أن الوزير يحصل على راتب 120 ديناراً وكان مقرراً لي راتب 100 دينار، لذلك وجد المدير المالي بأن هذا المبلغ كبير.

وفي أحد الأيام ذهبنا لتغطية مؤتمر قمة في الرباط فأعطوني السلفة. الطائرة التي كنا بها نزلت في الدار البيضاء بدلاً من الرباط بسبب هبوط طائرة الملك فيصل في الرباط في نفس الوقت، وحيث وصلنا الساعة 10.30 صباحاً والملك الحسين سيصل الساعة الرابعة بعد الظهر، استأجرنا سيارتين حتى نصل بسرعة لنغطي وصول جلالته، فخصم المدير المالي أجرة السيارتين من راتبي بحجة أنه يترتب علي أن أجبر إدارة المطار أن تدفع ما دام أنها أنزلتنا في ذلك المطار، فغضبت وقتها وقدمت استقالتي، لكن فوجئت بأن محمد كمال قبل الاستقالة.

سبق وعرض علي من شركة للعلاقات العامة في بيروت منصب مدير عام، فقبلت هذه الوظيفة وتركت الأردن، في تلك الأثناء جاءني صديق من الكويت وأخبرني أن مجموعة من رجال الأعمال الكويتيين حصلوا على امتياز لإصدار جريدة يومية، ويبحثون عن شخص لإنشائها وانه تم ترشيحي براتب 600 دينار كويتي، وهذا راتب خيالي فاستلمت مدير عام جريدة القبس. وبعد سنة واحدة قدمت استقالتي لعدم تفاهمي مع رئيس مجلس ادارتها، وعدت لـ BBC في لندن.

لاشك أن العمل في إذاعتين عالميتين قد أغنى تجربتي لأن العمل في المجال الدولي يفتح أمام المرء أبوابا لتجارب غير ممكن الحصول عليها في الإطار المحلي.