لا يدري المرء ما الفائدة من تسابق البعض، ساسة وإعلاميين بالدرجة الأولى، على إخبارنا بنوايا إسرائيل وأميركا ومخططاتهما، والتوقف عند هذا الحدّ.

«إسرائيل تنوي تقسيم الأقصى زمانياً ومكانياً»؛ «إسرائيل تسعى لإنهاء حلّ الدولتين»؛ «إسرائيل تُخطّط لضم المستوطنات في الضفة الغربية» والآن «غور الأردن»؛ «صفقة القرن تسعى لتصفية القضية الفلسطينية»؛ «جاريد كوشنر يعين صهيونياً آخر مساعداً له»؛ «السياسات الإسرائيلية تُمهد لوطن بديل»؛ إلخ.

من زاوية، يمكن القول بأنّ هذه المقولات، من باب الاستباق والاستشراف، تُحذّرنا من أطماع إسرائيل ومخططاتها، فالكيان الصهيوني كيان استيطاني استعماري، يُخطط دوماً لمزيد من الاحتلال والاستيطان بالقوة والغطرسة، ولا يحترم أية أعراف أو قوانين أو حتى تفاهمات واتفاقيات مع الأطراف المعنية.

كيان عنصري لاأخلاقي مغتصب غدّار.

لكن، ألا نعرف ذلك، وأكثر؟ أين السبق والاستشراف هنا؟

ألم تُلقّننا تجربة قرن كامل من الصراع مع هذا الكيان الشرير الدروس والعبر الكافية؟ وهل نحن بحاجة إلى مزيد من المعرفة بكنه هذا الكيان الواضح وضوح الشمس؟

هنالك إشكالان في تسارع السّاسة والكتّاب والإعلاميين إلى نقل مطامح إسرائيل ونواياها وتقاطع السياسات الأميركية معها:

الأول، ويتمثل في أن الناقل يصبح - لا شعورياً وعن غير قصد - مُروّجاً لتلك المطامح والمخططات، ومساهماً في انتشارها، ومُهيّئاً للناس لتقبلها كأمر طبيعي عادي يمكن أن يحدث بكل بساطة.

وهذا خطأ فادح، فالأصل أننا عندما نسمع بأيّ من تلك النوايا والمخططات أن نرفضه وندينه ونُجرّمه وأن نكيل الرفض تلو الرفض له، حتى لا تظنه إسرائيل وأمريكا أمراً «طبيعياً» و«عادياً»، فتفكر ملياً قبل أن تعرب عن شيء من هذا القبيل.

الثاني، ويتمثل في أن التوقف عند الإفصاح عن هذه النوايا، دون طرح الفعل المضاد أو الخطوة التي يجب أن تتخذ إزاءه، أمر سلبي وهدمي.

الأصل، كما أسلفنا أعلاه، أننا عندما نُبيّن النصف المتعلق بالمقاصد والخطط، أن ننتقل فوراً للحديث عن الخطوات العملية التي يتوجب علينا الأخذ بها من أجل مواجهة تلك المقاصد والخطط. أما أن نُبرزها ونتوقف عند ذلك، فكأننا نُعزز فكرة أن ليس لدينا ما نفعله حيالها، وأن لا حول لنا ولا قوة.

إننا نملك الكثير الكثير من خطوات سياسية وإعلامية وقانونية وشعبية، قبْليّة وبعديّة، تُمكّننا من جعل إسرائيل وأميركا تفكران ملياً قبل الإفصاح عن نواياهما التوسعية أو مخالفاتهما للحقوق الفلسطينية والعربية، ولإجبارهما على الاعتراف بتلك الحقوق واحترام الاتفاقيات التي أبرمتاها مع الأطراف الفلسطينية والعربية، بعد مفاوضات شاقة.

إن مئات الساسة الفلسطينيين والعرب، ومئات الإعلاميين والصحفيين، ومئات علماء السياسة والمختصين في معاهدنا وجامعاتنا، لقادرون على الإتيان بأفكار خلاقة وخطوات عملية تلجم إسرائيل وأميركا وتوقفانهما عند حدودهما وتجبرانهما على الالتزام باستحقاقات السلام الذي بذلنا الغالي والنفيس من أجله.

وبعد، فلنطرح نصف المسألة المتعلق بالمشكلة، لكن لا بد من طرح النصف الأهم، المتعلق بالإجراء الناجع والحلّ الفعال.