فخري الطوال

بدايةً، علينا الاتفاق على ان العمل السياسي الشبابي يندرج تحت شقّين؛ الشق الاول وجود برنامج شامل او رأي محدد لكل قضية بعينها، والثاني القدرة على الضغط باتجاه هذا البرنامج او الرأي.

باعتقادي، لا يواجه الشباب مشكلة في وجود منصات او مساحات يمكنهم من خلالها ايجاد او شرح او انضاج وجهة نظر معينة نحو قضية معينة او مجموعة قضايا مترابطة، فتحاول وزارة الشباب وبعض المنظمات الدولية ومؤسسات المجتمع المدني خلق هذه المساحات والتشجيع على البحث والانخراط في السياسة، ومع ان هذه المنصات والمساحات تحولت لمنصات للتلقين بدلاً من التمكين.

المشكلة الرئيسية التي تواجه الشباب تكمن في الشق الثاني، حيث ان هذه الآراء لا تبارح مكانها فور تشكلها، فلم تخلق صيرورة العمل السياسي في الاردن اي آليات او قنوات يمكن لهذه الطروحات العبور من خلالها نحو صناع القرار، فتبقى افكاراً مبعثرة في عقول الشباب.

لنُفكِّر في المعيقات، علينا مراجعة القنوات التي من الممكن ان تكون هي حلقة الوصل بين الشباب ومن هم في مواقع المسؤولية. في ظل غياب شبه تام للأحزاب السياسية في الاردن، تشكلت لدينا مشكلة لا يسهل حلها، وهي ان ممارسة السياسة اصبحت ترفاً بالاردن في ظل اوضاع اقتصادية صعبة وقاهرة، خصوصاً على الشباب الذين تؤرقهم ظاهرة البطالة، فالباحث عن وظيفة وعن لقمة عيش بحاجة لتأمين اساسيات الحياة والاستقرار قبل ممارسة السياسة وقبل التفكير بعملية مكلفة كالعمل السياسي. في الحالة الأمثل، يتولد اهتمام في السياسة لدى الشباب سعياً نحو التغيير، فيتوجهون نحو الاحزاب السياسية الاقرب الى ايديولوجياتهم وطروحاتهم، ويؤمّن لهم الحزب الكوادر اللازمة للعمل على هذه الافكار وصياغتها وتحويلها من افكار هلامية الى اوراق سياسات وبرامج مكتوبة منظّمة، والأهم من ذلك ان ذات الاحزاب توفر الغطاء المالي اللازم للحملات المطلوبة لتسويق هذه الطروحات وكسب التأييد وبالمحصّلة لفرض وجهات النظر التي تقدم بها الشباب.

في الاردن، لا يتوجه الشباب نحو الاحزاب، لقناعة راسخة بأن الاحزاب من جهة تعني التضييق على المتحزّبين (وهذا ارق اضافي في ظل عدم توافر وظيفة ثابتة بدخل محترم)، ومن جهة اخرى ان هذه الاحزاب مارست اعمالها لفترة طويلة دون اية نتيجة تُذكر، فالاحزاب الايديولوجية لم تكن قادرة على تقديم برامج واقعية مقبولة لدى الشريحة الاوسع وقابلة للتطبيق، والاحزاب البرامجية تفتقد لأهم اسس التحشيد والجذب نحوها، وهي الحشد الايديولوجي. في المحصلة في هذه الحالة، المعيق الاول هو عدم توافر الامكانيات اللازمة لممارسة السياسة في الاردن، فالشباب لا يملكون هذه الامكانيات، والاحزاب لا يملكون الشباب وغير قادرين على جذبهم.

بعد استثناء الممارسة الحزبية، يبقى لنا الحالة الثانية من الممارسة السياسية وهي الحالة المبعثرة، كالحراكات والتجمعات السلمية وما الى ذلك، وما يميّز هذه الحالة هو اعتمادها على النضال اكثر من اعتمادها على الموارد المالية، وهي حالة شبه مستحيلة ايضاً، لعدة أسباب، اوّلها ان التجمعات الشبابية تم تقسيمها لتجمعات محافظات او مناطق او اقاليم، فعملُ مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات الدولية والوزارات المعنيّة وحتى اللقاءات التي تجمع الشباب بالمسؤولين قائمة على اساس المحافظات والتمثيل، فهؤلاء شباب الكرك واولئك شباب المفرق وهذه جمعية شباب ذيبان وهذا ممثل شباب اربد في لقاء الشباب مع وزيرهم... الخ، ونقاشاتهم مقتصرة بأغلبها في جلساتهم على قضايا المنطقة او المحافظة بدلاً من التركيز على طرح قضايا سياسية على مستوى الوطن، ولهذا يصعب التقاؤهم على قضية سياسية او طرح سياسي شامل.

السبب الثاني لعدم وجود هذه الحالة من الحراك او التجمع السياسي الشبابي هو عدم وجود قيادات، فمن احدى استراتيجيات «ترويض» الشباب في الوقت الحالي هو تعريف جميع الناشطين والفاعلين على انهم قيادات، وهذا يعزز لديهم روح اللا-تراتبيّة في العمل والذي يؤدي الى الفردية، فمن شبه المستحيل ايجاد هيكلية معيّنة ترضي جميع من يريدون الخوض بالسياسة الاردنية كشباب، فلا يمكن اقناع من تم التعريف عنه بأنه قيادة شبابية أمام النخبة ان يقبل بوجود تراتبية وهيكلية لا يكون هو على رأسها، والمشكلة تكمن بأنهم جميعهم التقوا بنفس الاشخاص وتم التعريف عنهم بنفس الطريقة.

تكمن المشكلة الثالثة بأن الشباب انفسهم ليسوا متفقين على برنامج واحد او ايديولوجيا جامعة، ففي ظل غياب مشروع وطني، يُترك المجال للشباب بأن يجتهدوا في انتاج ما يرونه الافضل وفق رؤيتهم او ايديولوجيتهم، دون الحاجة الى موافقة ذلك مع اية اجندة وطنية، ببساطة لعدم وجودها من الاصل. المشكلة الرابعة انه وفي حال تم حل جميع العقبات السابقة بعصا سحرية، اي انه في حال استطعنا ان نؤمّن منصة موّحدة جامعة للشباب على مستوى الوطن، وفي حال نجحنا في تأمين نفقات مشاريعهم السياسية وطروحاتهم، وفي حال اتجه الشباب نحو الاحزاب، سيواجهون عقبة سن الترشح لعضوية مجلس النواب، فمجلس الامة هو البيت الحقيقي لممارسة السياسة، وليس مجالس المحافظات والمجالس البلدية والمحلية والنقابات، والشباب الآن اقدر على خوض الانتخابات اكثر من اي وقت مضى، خصوصاً وان معظم الشباب الذين يسعون لممارسة السياسة مارسوا العملية الانتخابية لعدة سنوات، فأغلبهم عمل على التحشيد ورسم السياسات والترشح لانتخابات مجالس الطلبة في جامعاتهم، وهنا نأتي للمشكلة الخامسة والاخيرة، وهي عدم وجود اتحاد طلبة عام لجميع طلبة المملكة، فاتحادات الطلبة مقتصرة على الجامعات التي ينتمي اليها الطلبة. بداية الاحتكاك والاختلاط يكمن في اتحاد عام يجمع المنتخَبين من جميع الجامعات ليشكلوا جهة ضاغطة حقيقية مدافعة عن القضايا الطلابية والحقوقية والمالية، ومن هناك يمكنهم ايضاً ممارسة السياسة عبر الكتل داخل هذا الاتحاد العام، فالكتل الطلابية الواسعة - ككتلة النشامى مثلاً - والكتل الايديولوجية كاليساريين والاسلاميين موجودون في جميع الجامعات وجميعهم يفرزون ممثلين عنهم في انتخابات الجامعات، وهذا يعني بطبيعة الحال وجود هذه الكتل في الاتحاد العام، واحتكاكهم داخل هذا الاتحاد، واتفاقهم على بعض القضايا والمواقف وتجافيهم في قضايا ومواقف اخرى سيشكّل بوابة ممتازة للعبور نحو مجالس اكبر واعقد وممارسة السياسة داخلها.

طالب علوم سياسية بالجامعة الأردنية