عمان - لؤي العبادي

تردد اسم فيتال بوركليمانز مدرب المنتخب الوطني لكرة القدم كثيراً في الأيام الأخيرة، ونال قسطاً وافراً من الحديث على الساحة الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي.

هذه المساحة التي خصصت لـ فيتال، لم تكن للمديح أو الثناء لدى الغالبية العظمى للأسف، إنما وضعت المدرب البلجيكي تحت سهام الانتقادات وتزامنت مع جملة من المطالبات بضرورة تصحيح المسارات وتدارك الخطر الذي قد يلوح في الأفق وبالتالي إحتمالية أن يجد المنتخب الوطني نفسه خلال التصفيات المؤهلة لكأس العالم وكأس آسيا في مأزق.

ما دار من حديث ولا يزال يدور عن «النشامى» ومدربه، هو نتاج عاطفي طبيعي لا بد من الاقتناع به شئنا أم أبينا، فلا يمكن كبح مشاعر الجماهير التي تشاهد تقلبات المنتخب بين مباراة وأخرى، وليس بمقدور شيء أن يمنعها من القلق على مصيره، فالقضية وطنية تتعلق بمنتخب يحمل آمالها وتطلعاتها وتنتظر منه أن يروي عطشها وشغفها.

أن يخسر المنتخب الوطني أمام الباراجواي بعدما كان متقدماً بهدفين نظيفين، وسط تراجع مخيف في الأداء، وقبل ذلك يظهر أمام ماليزيا والصين تايبيه بمستوى غير ثابت وغير ذلك من مشاهد سابقة خالفت تماماً ما ظهر عليه «النشامى» في كأس آسيا الأخيرة، يعد كافياً وكفيلاً بأن يدخل فيتال دائرة الانتقادات هذه، وعادي جداً أن تصل الأمور إلى المطالبات بإقالته، أو على الأقل اللجوء إلى تدخل سريع وعاجل لإنقاذ ما يمكن قبل فوات الأوان، لأن الشأن مصلحة عامة ولا تمس المدرب على الصعيد الشخصي أبداً.

وكما يجد فيتال نفسه ملاماً ومسؤولاً الآن، فلا مانع من تذكيره بالثناء الجماهيري الذي ناله بعد كأس آسيا عندما أطاح ببطل القارة المنتخب الأسترالي وتفوق على نظيره السوري وتعادل مع «الفدائي» الفلسطيني ليصل بالنشامى لأول مرة للدور الثاني كبطل لمجموعته، وهو ما تبعه ثقة رسمية حاز عليها من خلال تعاقد طويل الأمد جاء تقديراً من الاتحاد واستجابةً لمطالب جماهيرية وإعلامية حينها.

جردة حساب

ما قدمه فيتال حتى الآن، وما عمله الاتحاد لأجله مقابل ذلك، يسوقنا إلى «جردة حساب» للطرفين لمعرفة ما لهما وما عليهما ومن ثم التوصل إن أمكن إلى ما نفذه الجانبان من مهام وواجبات وإلى مدى نجاحهما في ذلك.

لدى الاتحاد، فلا يمكن إغفال جهوده مع فيتال على وجه التحديد والمنتخب بشكل عام، إذ سارع–الاتحاد- لمنح المدرب ثقة كبيرة وعقد طويل الأمد سعياً للحفاظ على الاستقرار الفني والإداري، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل عبر له عن تقديره من خلال مقابل مادي مجزي بغض النظر عن قيمته التي لم تعلن على الملأ، وأتبعه بسلسلة من التدعيمات على الأجهزة الفنية والطبية والإدارية، وجملة من المعسكرات الداخلية والخارجية وعدد وافر من المباريات الودية كي لا يتأثر المنتخب سلباً وخصوصاً في فترة التوقف الحالية لحين انطلاق الموسم الجديد شباط المقبل.

قد يرى البعض أن ما قدمه الاتحاد يعد روتينياً إذا ما أراد تجهيز متتخبه الأول جيداً لاستحقاق هام يتمثل بترجمة حلم الوصول إلى كأس العالم لأول مرة، ولكن كيف كان فيتال والمنتخب يردان على ذلك في تلك الأثناء؟

قبل الاجابة عن ذلك، لا بد من الإشارة أن مشوار فيتال مع المنتخب قاربت مدته إلى عام كامل، ومنذ أول لقاء له كمدرب أمام عمان في أيلول ٢٠١٨، لعب بالمجمل العام ٢٢ مباراة على الصعيدين الرسمي والودي، وفاز في ٧ منها وتعادل في ٧، مقابل التعرض للخسارة في ٨ مباريات، وسجل المنتخب في جميع هذه المباريات ٢٥ هدفاً وتلقت شباكه ٢٦ هدفاً.

وعند تقسيم عهد فيتال على فترتين، الأولى منذ توليه المهام حتى آخر مباراة في كأس آسيا، والثانية من بعد ذلك ولغاية الآن، يتبين أن المنتخب لعب تحت إشرافه في الفترة الأولى ١٢ مباراة منها ٨ وديات و٤ رسميات، وفاز في ٣ وتعادل في ٦ وخسر ٣ وسجل ٩ أهداف وبنفس العدد تلقى أهدافاً.

وأما الفترة الثانية التي يفترض أن يكون عهد فيتال الحقيقي بدأ معها وهو موعد تجديد الثقة به ومنحه كافة الصلاحيات، يتضح أنه قاد المنتخب منذ بداية العام الحالي في ١٠ مباريات، فاز في ٤ منها على أندونيسيا وماليزيا ودياً، وعلى السعودية في غرب آسيا الأخيرة، وعلى الصين تايبيه بالتصفيات، وتعادل مرة واحدة مع الكويت في غرب آسيا، والمقابل خسر خمس مواجهات أمام سلوفاكيا وباراجواي ودياً وأمام سوريا والعراق في بطولة الصداقة الدولية وأمام البحرين في غرب آسيا أيضاً.

وبالتزامن مع هذه المباريات جرّب فيتال نحو ٦٠ لاعباً ممن كانوا معه في كأس آسيا أو من استعان بهم من الأندية المحلية والمحترفين في الخارج ومن منتخبات الفئات العمرية الأدنى، واستطاع المنتخب في المباريات العشرة تلك تسجيل ١٦ هدفاً وتلقى مرماه ١٧ هدفاً.

واللافت في الأمر، ومع اختلاف عدد المباريات بين الفترتين الخاضعتين للمقارنة (١٢ مقابل ١٠)، تمكن المنتخب في الفترة الثانية من رفع نسبة تسجيل الأهداف إلى ١٦ هدفاً مقابل ٩ في الأولى، وهو ما يؤشر إلى ارتفاع المنسوب الهجومي، ولكن بالتزامن مع ذلك انخفض مقدار القوة الدفاعية حيث تلقى ٩ أهداف في «الأولى» مقابل ١٧، إضافة إلى ذلك يظهر أن عدد الخسارات التي تعرض لها المنتخب، أكبر من الانتصارات التي يرى بعض المتابعين أنها جاءت على منتخبات متفاوتة القوة وإما منقوصة أو مهزوزة ولم تقترن بالأداء المثالي، ولم تكن على منافسين ذي سوية فنية أو تاريخية عالية، باستثناء أستراليا وسوريا اللتين سبق وتجاوزهما «النشامى» في مناسبات عديدة سابقة.

كما يبرز عدد الأهداف التي قبلها المنتخب في الشوط الثاني بكافة المباريات، إذ تلقت شباكه ٢١ هدفاً من أصل ٢٥، ما يثير التساؤل حول سبب تراجع المنتخب على المستوى الدفاعي في الحصة الثانية من اللقاءات التي لعبها، ومسؤولية المدرب الفنية في ذلك المحور الذي بدأ ظهوره يكثر في المباريات الأخيرة.

مراجعة وتقييم

ما سبق من دلائل وأرقام من شأنه أن يكون مقياساً لتقييم المنتخب من المعنيين ومراجعة مشواره مع فيتال والخروج بقراءات عميقة وقرارات لاحقة ودقيقة.

فإما أن يبقى المدرب ويستمر باعتباره «رجل المرحلة» الذي اختاره الاتحاد والمتمكن فعلاً من إيصال الكرة الأردنية إلى المونديال القادم، والقادر على تحويل الحلم إلى حقيقة وواقع، ويكون عند الثقة التي حازها، أو ينتظر الاتحاد المزيد من الوقت ليثبت أن رهانه على فيتال كان في محله وقراراً صائباً، وبالتالي يكون عنصراً أساسياً في النجاح.

وعكس ذلك، قد يقوم الاتحاد بمناقشة التقارير الفنية بعد كل مرحلة على حدا، وحينها قد تتغير وجهات النظر ويتقرر شيء جديد؛ في حال وجد الاتحاد أن الحلول تكمن في غير فيتال، كما سبق وأنهى ارتباطه مع الإماراتي عبدالله المسفر وبعده جمال أبو عابد وغيرهم من المدربين، أو احتمال أن يصطدم الاتحاد بشيء ما يمنعه من التغيير في الوقت الراهن كشرط جزائي مثلاً كما يُقال، أو تفاصيل عالقة وغامضة بين العقود المبرمة أو صعوبات بالوصول إلى اتفاقات مرضية بين الأطراف المعنية، أو عقبات إيجاد البديل المناسب بسرعة، ليضطر الإبقاء على فيتال رغم التخوفات، ويضع نفسه بالتالي بسبب ذلك موقف الشريك بإخفاق المدرب مع المنتخب لاقدر الله.

فيتال دائماً بريء

أنهى المنتخب الوطني مؤخراً الجزء الأول من الفصل الحالي للتصفيات المزدوجة، ولكن لن يكون الحديث عن التفاصيل الفنية التي رافقت هذه الرحلة القصيرة ما بين تايبيه وعمان والتوقف الذي تخللها في ماليزيا، إنما عن جزئية لم تكن لافتة لدى الغالبية، وهي: تحمّل أو تحميل المسؤولية والتساؤل الذي يحيطها!

ما تسبب بهذا الطرح والتساؤل هي تصريحات فيتال بوركليمانز بعد المباراة التي خسرها المنتخب الوطني أمام باراجواي، والتي كشفت عن ردة فعل ليست في محلها -إن جاز التعبير- للمدرب البلجيكي، حينما جعل من نفسه على كرسي الاعتراف في المؤتمر الصحفي، بريئاً من أي تهمة ولم يتحمل مسؤولية الخسارة، بل وضعها على شماعة اللاعبين.

وبعد الخسارة أمام البحرين في بطولة غرب آسيا الأخيرة أشار إلى «افتقاد لاعبي المنتخب للتركيز بسبب نشاط وكلاء اللاعبين وإغرائهم بعقود خارجية، مستغلين عدم تسلمهم لرواتب منذ أشهر طويلة»، وبعد الخروج أمام فيتنام في كأس آسيا–الإمارات 2019، ألمح إلى وقوع اللاعبين بأخطاء غير منطقية، وقبل ذلك برر الخسارة أمام سلوفاكيا 1/5 بـ «جاء اللقاء مع نهاية شهر رمضان، وخوض المباريات خلاله وفي الأيام الأولى التي تليه، تكون صعبة للغاية.. وقدمنا المستوى المطلوب بالشوط الأول، لكن مع التراجع البدني وافتقاد التركيز، فان الخسارة كانت منطقية».

المتتبع لتصريحات فيتال منذ قدومه، يجد أنه في بداياته كان أول من يتصدى للدفاع عن اللاعبين عند الخسارة، والثناء عليهم عند الفوز، إلا أن المشاهد الأخيرة خالفت ذلك، رغم محاولات تجميل تصريحاته أو تخفيف حدتها عند ترجمتها أو نقلها وتعميمها، وهذه التصريحات الموثق منها، أو المسموعة بشكل مباشر قد تتسبب في شرخ في العلاقة بين المدرب واللاعبين، ومن شأنها خلخلة الثقة بين الطرفين، ولذا تستدعي المراجعة والتريث.