مريم شريف

(1)

طيلة تلك السنين

كنتُ أحاول أن أبتعد عن صوتي

أتركه في كلّ مكان

كي يمتزج بأصوات الكون

وأعودُ بروحٍ تنتظر جبالاً بعيدةً وسماوات

لكنّ صوتي كان يعود إليّ وحده

بهيئتهِ الناحلة ذاتها

وبصمتٍ

يُشبه الصمتَ الحبيس

في خزانةٍ قديمة.

(2)

كم أنتَ قريب

في كلّ مكان

ثمة شيءٌ منك

شيءٌ ثمين

وبالغُ الكثافة

يمكثُ طويلا

وأنتَ كما أنتَ هناك

لم تأتِ ولم تغادر

وهنا بهجتي أنا تعرفُ اكتمالَها

فليسَ من فراغٍ لديّ

يسقطُ عليه الضوءُ بضراوة

• • •

ليتَكَ تكون هنا

الأجنحةُ التي وهبَها الغيبُ لروحي

مخبأةٌ في ثنايا صوتك

ماذا لو تنطقُ اسمي في هذه اللحظة؟

هل نحنُ على ذلك البعد حتى لا أسمع؟

أنا هنا في هذا العالم

في ليلي الذي لا تعرفه

ربما نطقتَ اسمي

في هذه اللحظة

على الجدران الباردة من حولي

حُبيبات ماء دافئة

تقطّرت من أنفاسك

(3)

سأفكّرُ في ما بعد

إنْ كنتُ شيئاً آخر في زمنٍ ما

بالأمس فقط انتبهتُ

أنني أثرٌ للكلمة التي انكسرت

حين ارتطمتْ بزجاج النافذة

اليوم.. أنا أثرٌ لتكسّرها

أثرٌ لصوته

للشظايا التي تناثرتْ تحت الغيوم

أثرٌ لذلك التشظّي

أثرٌ للتناثُر

للغيوم التي تفرّقتْ واحدةً بعد الأخرى

أثرٌ للمكان الفارغ من وجودٍ مؤقت

أثرٌ لما يبقى

ولما يذهب

أثرٌ يمشي ويسمع ويتكلم

(4)

حين تمرّ من أمامي

أتذكّر صوتَ الأشجار

حين تعصفُ بها الريح

لا أعرفُ هل أنتَ الريح

أم إنّكَ الأشجار

ربما كنتَ الاثنين معاً

ما أعرفهُ بيقين

أنّ ذلك الصوت الهادر للريح

لا يسمعه قلبٌ آخر

مثلما يسمعهُ قلبي

(5)

مربّع في جوف النهار

ربما كان النظرة المصوبة نحوك

القتامة والبرودة

أسلاكٌ شائكة من الصمت

تتسلّقها أحياناً الرائحة القديمة للعبارات ذاتها

ذاتها

لماذا كان عليك أن تظلّ ساكناً

كأنما تتماثل مع قهوتك التي تندلق على الطاولة

تمسحها بارتباكٍ لا يعرفه أحدٌ غيرك

كم هو ثقيلٌ أن تبقى

كم يبدو ثقيلاً أن تنتزع جسدَك كلَّه وتنهض

لكنك حتماً ستنهض

وحتماً ستعود كل يوم

في ذلك المربّع في جوف النهار

أمامك ومن حولك الأشياء الأزلية ذاتها

ومن المكان الذي أراكَ خلاله

أرى بوضوح

الشمسَ التي تنطفئ حولك.