طارق قديـس

اليوم هو يوم الجمعة، الجو حارّ جدّاً، إنه نهارٌ صيفيّ بامتياز، بدأ الزائرون لسوق الأشغال اليدوية الأسبوعي يتوافدون مع دخول الساعة العاشرة. قعدت خلف طاولتي التي استأجرتها أرقب المارين، أقلّب النظر في مستحضرات التجميل المنصوبة على الطاولة، أتأكد أنّ ما من يدٍ خفيفة قد زارتني وانتشلت مني قارورة عطرٍ من هنا أو مرطّباً للبشرة من هناك، حتى اعتدت على مثل هذه الحوادث، وقد انحصرت شكوكي في ثلاثة أشخاص: عامل البوفيه، ومسؤولة الحراسة، وسيّدة اعتادت أن تمطرني بوابلٍ من الأسئلة عن فوائد أملاح البحر الميت وطرق استعماله، ?ون أن أنتفع منها بفلسٍ واحد.

وبينما أنا أجول بنظري في الممرّ الرئيسي للسوق، توقّفت بعينيّ عند المدخل، «أظنّها هي!» قلت في نفسي. تمسمرت في مكاني لأتأكّد من صحّة ما رأيت، وما هي إلا ثوانٍ حتى رأيتها تشقّ طريقها وسط الجموع. أخذت توزّع نظراتها على الطاولات المنتشرة على الميمنة والميسرة بشكلٍ عشوائي، ولكنّني على ثقةٍ من أنّ مستقرّها سيكون عندي ! ليس اعتداداً بالنّفس أو توقاً لي، وإنما لأنها اعتادت أن تمرّ بطاولتي على مدار خمسة أسابيع متتالية لتنتقي بعض مساجيق التجميل والدّهون.

في كلّ مرّة أراها تنتابني الأعراض نفسها، وكأنّي أشاهدها للمرّة الأولى: تعرّقٌ زائد في الجبين، جفافٌ في الحلق، تسارعٌ في خفقان القلب، رعشةٌ في اليدين، وخدرانٌ في عموم الجسد. لكن سرعان ما تضمحلّ فور دخولي في حوارٍ معها. شيءٌ ما فيها قد قلب موازيني، واستفزّ فيّ مشاعر لم تقوَ أيّ فتاةٍ على بثّ الحياة فيها طيلة السنوات الجامعيّة الأربع التي قضيتها في دراسة العلوم السياسية.

في ثوانٍ معدوداتٍ كانت تقف في مواجهتي تماماً وأنا أحاول إخفاء ارتباكي خلف ستار ابتسامةٍ قلقة رسمتها على وجهي. ألقت بالتحيّة عليّ بينما أنا أختزن صورتها في ذهني وهي تتهادى نحوي. جسدها الأبيض في ذلك الفستان الأزرق القصير مكشوف الكتفين والصدر لم يترك لي فرصةً للهروب من فخاخه الأنثوية. شيطانه يعلن عن حضوره بشكل صارخٍ ويدعوني للتأمل فيها أكثر، والكشف عن ملابسات الجاذبيّة التي تلبسها. ليس السّرّ في تجاعيد شعرها، أو استدارة وجهها، أو أنفها المدبّب، أو بروز شفتيها، أو انتصاب جذعها، أو الخلخال المشبوك في قدمها اليم?ى. ليس السّرّ في أيٍّ مما سبق، وإنما في ابتسامتها العجيبة، تلك التي لها تأثير المخدّر في الوريد.

كرّرت تحيّتها مرّة أخرى، فخرجت من حالة الشرود، وطفقت أتبادل معها الحديث. تحدّثنا كثيراً، حتى أتتني على مبتغاها. أشرعت راحة كفها اليمنى أمامي، تأمّلت تفاصيلها، سألتني عن وجود مثل الطّلاء الساكن فوق أظافرها. وجدتها فرصةً للتبحّر في ثنايا أصابعها. مدّت يدها نحوي أكثر بطريقة تدفعني للإمساك بها. أطبقت على يدها بحذرٍ، سرى تيّارٌ من الكهرباء في داخلي. تمنّيت حينها لو أني أتقن فنّ الملامسة لأستمتع بسكنى يدها في راحتي دون أن تشعر بشيء. تمالكت نفسي وقلت لها: «لونٌ قرمزيٍّ. موجود، لكن في المستودع. غداً بإمكاني أن أؤم?نه لك، فبيتي والمستودع قريبان بجانب السوق». فابتسمتْ، وطلبت مني أن أهاتفها عندما أحضر أربع قوارير. تنبّهت إلى أن يدها ما زالت مزروعةً في كفّي. سحبتْها بنعومةٍ. وبدأت بحفظ رقم هاتفها. تذّكرت أني حتى الآن لا أعرف اسمها، سألتها عنه، فسردته كاملاً، لكني لم ألتقط منه غير اسمها فقط «يافا»، باغتتني قائلةً: «وأنت؟»، أجبتها: «يسار»، وتلوت لها اسمي كاملاً كما فعلتْ. لفت اسمي انتباهها، فهو قليل الاستخدام. تابعتْ سؤالها في ما إذا كان لي من اسمي نصيب، رددت بالإيجاب، وأوضحت لها أن أبي -له الرحمة- يساريٌّ قديمٌ وصلبٌ، أف?ى زهرة شبابه في المعتقلات، حتى إنّه عندها أراد إتمام نصف دينه -كما درج في المثل الشّعبي- تزوّج في أواخر الخمسين من عمره، ولم يُرزق من الأبناء سواي. بقي ثابتاً على مبادئه، مات على فراشه فقيراً، لم يهادن أو يتراجع عن مواقفة لتحقيق كسبٍ فرديٍّ أو نفعٍ ماديٍّ تحت وطأة ضغوطات الحياة المهنيّة والعائليّة.

ابتسمتْ وقالت إن أباها يساريٌّ قديمٌ أيضاً، وقضى زمناً بين الزنازين هو الآخر، ولا بدّ أنّه يعرف والدي، طلبتُ أن تذكّرني باسمه مرّةً أخرى، ففعلتْ. اسمه مألوفٌ لي. أخرجتْ هاتفها من حقيبتها، نأت عني قليلاً، ثمّ عادت بزهوٍ كبيرٍ مؤكّدةً أن حدسها كان صائباً. والدي ووالدها رفيقا نضالٍ واحدٍ وحبسٍ واحد، لكنّهما افترقا في ما بعد، ويسرُّه أن أنزل ضيفاً عليه يوم غدٍ، حاولتُ التّملّص من الدّعوة. أقنعتْني بقبولها بعد تذكيري بوعده بإحضار قارورة الطّلاء، هي فرصةٌ لضرب ثلاثة عصافير بحجرٍ واحدٍ: التّعرّف إلى رفيقٍ من رائح? أبي العطرة، وتأمين ربحٍ وفير، والتّمتّع بوجهٍ بديعٍ لوقتٍ إضافي. أبديت قبولي. أكّدت جهوزيّتي في الخامسة مساءً. استفسرت عن مكان اللّقاء، ابتسمتْ وطلبت مني فقط أن أقف في الموعد المحدّد عند الدّوار الأوّل من الجهة المؤدّية إلى الدّوار الثاني، وستأتي سيّارةٌ لتحملني إلى حيث نلتقي.

فور وصولي إلى البيت في آخر الشارع، صعدت على الدّرج الجانبيّ بسرعة، فتحتُ الباب، تركته مشرعاً، جريت إلى غرفتي، أخذت أفتّش في أدراج مكتبتي الصغيرة، حتى عثرت على ما أريد، إنها يوميّات أبي، كتبها بعد نكبة حزيران عام 1967. «أنا متأكّدٌ أنّ اسمه موجود» قلت محدّثاً نفسي. أخذت أمسح الصّفحات طولاً وعرضاً حتى وقع نظري عليه وتنفّست الصّعداء. «ها هو اسمه مذكورٌ هنا» تابعت حديثي بنبرةٍ تغمرها السّعادة. لقد عثرتُ على اسم أبيها في قائمة الرّفاق المعتقلين مع أبي، وإلى جانبه وصفٌ مسهبٌ عن شخصه جعلني أضعه في قالبٍ معيّنٍ قب? رؤيته بعيداً عن أيّ مفاجآت: طويل القامة، أسمر البشرة، ممتلئ البدن، مقوّس الحاجبين، حاضر النّكتة، ثابت الرّأي، رصين الحديث، وفوق هذا كلّه وفيٌّ لرفاقه.

الساعة الخامسة مساءً بالتّمام، هكذا تشير ساعتي. وقفت أنتظر كما في الموعد المحدّد وصول رسالة (جيب) سوداء حيث أقف، كما بعثتْ لي في رسالتها مساء أمس. لم يطل انتظاري فقد وصلت السيارة وأقلّتني إلى خارج المدينة. بدت الطّريقٌ طويلةً. خمسةٌ وأربعون دقيقةً حتى وصلنا إلى الهدف، لم أصدّق ما ترى عيناي، فمنذ أن انحرف السائق عن الطّريق العموميّة ودخل من بوابة إحدى المزارع، وقال جملته الوحيدة «لقد وصلنا يا سيّدي»، ونحن نسير وسط غابةٍ من أشجار الزّيتون، دقائق كثيرةٌ صرفتُها في النّظر إلى تلك الأشجار فارعة الأغصان، ومن حول?ا من يحاول قطف الزيتون بالجدّادة، وآخر باليد، وثالثٌ بالعصا. إنها مساحةٌ مهولة لا تقلٌّ عن عشرين دونماً على أقلّ تقدير. ولكن ها قد وصلنا في النهاية.

خرجت من السّيارة قبل أن يحاول السائق فتح الباب. أبهرني شكل المبنى حتى إني تركت فمي على اتساعه لفترةٍ من الزّمن، إنه قصرٌ لا مجرّد منزلٍ. ظللتٌ ماخوذاً بسحر المكان حتى اصطحبني الخدم إلى قاعة الزائرين لأنتظر قدوم يافا وأبيها. هي غرفةٌ باتساع ملعب كرة قدمٍ، سقفها مرتفعٌ تتوسطه ثريّا كبيرةٌ تشبه الثريّات في مرويات قصور السّلاطين العثمانيّين. تعجّ الغرفة بالتّحف والمنمنمات باهظة الثّمن، على حائطها الأيمن صورةٌ طوليّةٌ لفلسطين بارتفاع شاهقٍ يقارب سبعة أمتارٍ، تقابلها على الحائط الأيسر مرآةٌ طوليّة هي الأخرى تناه? الارتفاع نفسه. وقفت لدقائق وأنا أتفحّص كلّ قطعةٍ على حدة، نسيت للحظةٍ سبب مجيئي، وتهت في روعة المشهد، حتى فضّ دخول أحدهم حالة الذّهول من حولي. لم أبدِ احتفاءً به حتى بادر بالتّحيّة وعرّفني بنفسه، إنه والد يافا. طلب مني الجلوس واعتذر عن عدم حضور ابنته، وقد ألمّ بها عارضٌ صحّيٍّ مفاجئ. لم أعلّق على ذلك. اعتبرته فأل شؤم. تماسكت أمامه وأطلقت له عنان الحديث، وأطلقت لنفسي عنان التّأمّل فيه. هناك فرقٌ بين الرّجلين، الآخر في يوميّات أبي بسيط الهندام، كثّ الشّعر، عريض الشاربين، ومَن يجلس أمامي يتسربل هنداماً ثمينا?، شعره مرتّبٌ، حليق الشاربين.

"إنّه اختلافٌ ظاهري» قلت هذا بصمتٍ، وأقنعت نفسي به. وأمام صمتي رحّب بي مرّةً أخرى ورأى بالتّرحّم على روح والدي والثّناء عليه مدخلاً جيّداً لكسر الحواجز بيننا. سألني عن طبيعة عملي، ودراستي. بدا مهتمّاً بظروفي المادّيّة أكثر من أيّ شيءٍ آخر. قطع الحديث دخولُ الخادم، سألني عما أشرب، «قهوةً سادة» قلت بصوتٍ مخنوق، وما إن صفق الباب حتى أكمل وصلة كلامه. ألقى باللّوم على والدي لمّا علم بما عاناه وعانيت في سنواته الأخيرة. اتّهمه بالجمود العقائدي وضيق الأفق. لم أقف كثيراً عند كلماته في البداية، حتى أثار حفيظتي بالحد?ث عن ماضيه البطولي، وصولاته وجولاته، ومواقفه الصّلبة في اللّحظات الصّعبة، وتقريعه لكبار رفاقه على كثيرٍ من القرارات الرّعناء التي اتخذوها في الماضي، ومنهم أبي الذي لم يتحرّج عن وصفه بأنّه صاحب شخصيّةٍ مهزوزة، بأسلوبٍ سرديٍّ برز فيه بشخصيّة القائد وأبي بهيئة التابع.

استجمعت عزيمتي للرّدّ عليه، تذكّرت تلك السّطور التي عبّر فيها والدي عن إعجابه بالقهوة التي كان يحتسيها من تحت يد «أبو يافا» كلّما زار مقرّ الحزب مكلّلاً إياها بقوله «إنّه أفضل حاجبٍ مرّ بتاريخ الحزب». لم يمنعني عن غايتي سوى انشغاله بالحديث مع أحد موظّفيه ودخول الخادم علينا بالضّيافة. فلذت بصمتي وأخذت باحتساء القهوة رويداً رويداً. قطّب حاجبيه وهو يقرأ قرار أمين الحزب بإغلاق صحيفته الشهريّة بسبب نضوب الموارد الماليّة. مدّ يده إلى داخل جاكيت بدلته، لوهلةٍ شعرت أنّه سيخرج رزمةً من النّقود أو شيكاً محرّراً باسم?الصّحيفة إنقاذاً للموقف، وإذ به يخرج القلم ليضع توقيعه على القرار ويمهره بعبارة «لا مانع».

صدمتني ردّة فعله، فأنا أذكر تلك الصّحيفة، وأذكر أني أحتفظ في قاع دولاب غرفتي بأعدادٍ منها لأبي فيها بضع مقالاتٍ ناقدة. لكن الصّدمة الكبرى أتت لاحقاً حين علا صوت هرجٍ في الخارج، وهرع أحدهم لينقل نبأ سقوط أحد العمّال من سطح المبنى بينما هو ينظّف زجاج الطّوابق العلويّة، وتعرّضه لشقٍّ في الرّاس. فقد ثارت ثائرة الرّفيق على الموّظّف، قرّعه تقريعاً مريراً على طريقة دخوله. لم يأبه بما حصل للعامل، واكتفى بتوجيه أمرٍ لنقل المصاب إلى أقرب مستشفى. أراد الموظف التأكّد من وجهة المصاب، هل يحمله إلى المستشفى الخاص بالرّفي?، أم إلى المستشفى الحكومي في الجوار. نهره الرّفيق، وأنّبه على سؤاله وهو يشير بأنّ المستشفيات الخاصّة لم تبنَ لمثل هؤلاء!

الرّفيق لم يعد رفيقاً، وصراع الطّبقات على أشدّه، مشهدٌ شلّ تفكيري للحظةٍ، وأضاء لي فكرةً في رأسي للتّملّص من زيارة رفيقٍ مزيّف. وضعت قوارير الطّلاء على المنضدة، وتوجّهت إليه، طلبت الإذن بالانصراف، والحجّة أن الوضع غير مناسب واعداً إياه بلقاءٍ آخر. حاول ثنيي عن قراري، لكنّه استسلم لرغبتي لما رأى إصراري، فعدت إلى بيتي على عجلٍ وأنا أحدّث نفسي عن أبي كم كان نقيّ السريرة، خافت الصّوت، خفيف الظّلّ، فيّاض العاطفة، مستقيم المعاملة، وحسن الظّن بمن حوله. وقد أضاءت لي هذه الزّيارة عدداً من الحجرات المعتمة في عقلي، أ?مٌّها كيف يمكن لرفيقٍ مناضلٍ أن يصبح رأسماليّاً بامتياز، وتنهار المبادئ على معبد السّلطة والجاه.

يوم الجمعة التالي، وقفت كعادتي في السوق خلف طاولتي، باشرت في ترتيب العلب ومستحضرات التّجميل. شردت بأفكاري، ولم أنتبه لمجيئها في ساعةٍ مبكّرةٍ ووقوفها إلى جانبي حتى شدّ انتباهي فستانها الزّهريّ المقلّم، وصندلها الأبيض المفتوح. ألقت عليّ التّحيّة، واعتذرتْ عن عدم حضورها، قابلتها بفتورٍ لم تعهده، ملتُ بوجهي بعيداً عنها، فاقتربتْ مني إلى حدّ الالتصاق، همستْ في أذني اليمنى بعذوبةٍ: «يبدو أنّك غاضبٌ مني!». وجدتني أميل بوجهي نحوها، أهرب من سطوة عينيها إلى صدرها المكشوف إلى تقاطيع وجهها اللّطيفة. أحسست بأنفاسها ال?لتهبة تحرق قلبي، وكأنّها تراودني عن نفسها، وتطلب مني أن أروّض الشّيطان الساكن في جسدها. استجمعت قواي وأبعدت نفسي عنها، شعرتْ بالحرج في قلبها، أخذت تعضّ على شفتيها قبل أن تغيّر وجهة الكلام بقولها: «على العموم لقد حضرت اليوم كي أبلغك أنّك لم تأخذ ثمن القوارير»، قالت وهي تضع ورقتيّ الخمسين ديناراً على الطاولة، ثمّ مضت خارجةً دون أن تودّعني. نظرتُ إلى النقود، إنها ضغف ثمن ما طلبته. لم أفهم هل أخطأتُ أم أصبت حينما حمّلتها جريرة والدها، وقرّرت أن أهجرها بصمت.

داهمتني مجموعةٌ من الأسئلة. حجزتني في سكونٍ مريب، لم أخرج منه إلا على صوت رجل الأمن وهو يربت على كتفي ليقول لي إنّ الزّبونة التي كانت عندي وضعت زجاجة عطرٍ في حقيبتها قبل أن ترحل. عندها توجّهت بنظري إلى البوابة حيث خرجت، وأنا أرسم ابتسامةً ساخرةً على وجهي، وأهزّ رأسي كمن عثر على إجابةٍ شافيةٍ لسؤالٍ حائرٍ وسط الرّكام.