العصامي هو الحاج عبد الحميد أحمد شومان، مؤسس البنك العربي في العام ١٩٣٠ ورئيسه حتى وفاته في العام ١٩٧٤. وبمناسبة مرور ٤٥ عاماً على رحيله، وجدت من واجبي أن أذكر وأعرف الأجيال بهذا الرجل المميز وسيرته العطرة. سبق أن كتبت عن طيب الذكر خالد شومان الراحل عام ٢٠٠١، وطيب الذكر عبدالمجيد شومان الراحل عام ٢٠٠٥، والآن يطيب لي الكتابة عن طيب الذكر الأب المؤسس.

ولد عبد الحميد في بيت حنينا من قضاء القدس عام ١٨٨٩، وفي بداية شبابه غامر بالهجرة إلى أميركا سعياً للرزق وأملاً في حياة أفضل. وصل هناك في عام ١٩١١ وعمل في عدة مجالات وانتهى في تجارة الأقمشة وامتلك مشغلاً للملابس.

حقق عبد الحميد حلمه في النجاح بالعمل الحر وكون ثروته الصغيرة، ولكنه ظل يحن لوطنه العربي وأرضه فلسطين، وتراءت له فكرة إنشاء بنك وطني في فلسطين إذ لم يكن فيها إلا بنوك عثمانية وبريطانية ويهودية، وكان طلعت حرب باشا قد أنشأ للتو «بنك مصــــــر» كـــــأول بنك وطنــــي في مصر. اجتمـــع عبد الحميد بطلعت حرب وتباحثا في إنشاء بنك مشترك بإسم «بنك مصر وفلسطين»، ومع ان الفكرة لم يكتب لها أن ترى النور إلا أنها تدل على الحس القومي الوحدوي عند عبد الحميد.

عاد عبد الحميد إلى القدس وأسس فيها مع بضعة مستثمرين «البنك العربي المحدود» برأسمال ١٥ ألف جنيه فلسطيني فقط لا غير، وكان ذلك في أيار ١٩٣٠. قصة نجاح البنك العربي بعد ذلك قصة رائعة وطويلة ولكني سأكتفي ببعض المؤشرات الهامة. فقد توسع البنك العربي في عدة مدن في فلسطين والأقطار العربية المجاورة قبل عام ١٩٤٨. وعندما وقعت النكبة خسر البنك فروعه في فلسطين المحتلة ونقل إدارته العامة إلى عمان، ودفع ودائع عملاء الفروع المغلقة، وعندما شعر هؤلاء العمـــلاء بمغـــــزى ذلك الــــدال على قوة البنك ونزاهة إدارته عادوا فأودعوا ودائعهم في فروع أخرى للبنك. بعد النكبة حمل عبد الحميد جواز السفر السوري باعتبار أن فلسطين جزء من سوريا الكبرى، وبقي حاملاً لهذا الجواز بقية حياته وأظنه لم يحمل غيره. وكان يفخر دائماً بأنه لم يسم البنك بنك فلسطين أو القدس أو بيت حنينا مسقط رأسه، بل البنك العربي دلالة على اعتزازه بوطنه الأكبر وأمله في الوحدة العربية.

عند وقوع العدوان الثلاثي على مصر عام ١٩٥٦ وما نتج عنــه مـــن دمار في مدن قناة السويس وبالأخص بورسعيد، قام الحاج عبد الحميد بزيارة الرئيس عبد الناصر وقدم تبرعاً سخياً لإعادة الإعمار. وبعد حرب ١٩٦٧ خسر البنك فروعه في الضفة الغربية وغزة ورفض التعامل مع الاحتلال الاسرائيلي، ومرة أخرى ضمن ودائع عملاء تلك الفروع.

انتشر البنك العربي في كل الأقطار العربية ثم بدأ بالانتشار في أوروبا في حياة الحاج عبد الحميد، وبعد رحيله تولى الإدارة إبناه عبدالمجيد وخالد، وتابعا المسيرة ليصل البنك إلى ما هو عليه الآن، فالحقائق والأرقام تتحدث عن أسطورة قل مثيلها.

لي مع الحاج عبد الحميد ذكريات شخصية عزيزة علي، فمعرفتي به بدأت من خلال العلاقة الحميمة التي ربطته بوالدي، فقد كانا رفيقي جهاد في فلسطين قبل النكبة وجمعتهما المعتقلات البريطانية مراراً. وفي الخمسينيات من القرن الماضي استقر والدي وأسرته في القاهرة، وأصبح عضواً في مجلس إدارة البنك العربي، وكثيراً ما كان يزورنا الحاج عبدالحميد ويعلو صوته المميز ولكنته الفلاحية المحببة في أرجاء البيت. كان الحاج عبد الحميد معادياً بشدة للتدخين ويؤنب المدخنين بصراحته المعهودة مهما علا شأنهم، ومنهم من كان يخشى التدخين أمامه ولن أذكر أسماء. في إحدى زياراته لوالدي في القاهرة كان عنده ضباط من جيش التحرير الفلسطيني، وكانوا يدخنون، فبادرهم بالقول «أنتم تدخنون وكيف سينصركم الله؟!»

شاءت الأقدار بعد انتهائي من الدراسة الجامعية أن ألتحق بالعمل في البنك العربي وكان ذلك عام ١٩٧٠ في بيروت، حيث قرر البنك أن يؤسس أول مركز كمبيوتر له. جاءنا الحاج عبد الحميد عام ١٩٧١ وطلب جمع الموظفين في قاعة الفرع الرئيسي ليلقي فينا كلمة، تحدث عن سيرة حياته ومسيرة البنك وكان حديثه بسيطاً ومحبباً، وانتقد بعض الموظفات على لبس موضة تلك الأيام، وفي نهاية اللقاء وجه كلامه للموظفين قائلاً «البئر الذي تشرب منه لا ترمي فيه الحجارة». ثم حظيت بمقابلته شخصياً، فرحب بي هاشاً باشاً وقال لي «سمعت عن اجتهادك في العمل وأعطيتهم تعليمات بأن يزيدوك ١٠٠ ليرة!"

في العام ١٩٧٢ جاءنا في بيروت ثانية، ولكن هذه المرة من الباب الخاص بمركز الكوميبوتر في الطابق السادس بمبنى الفرع الرئيسي، وكان معه شخص لا أذكره الآن، استقبلتهما وسألني أين غرفتي وأصر أن يجلسا أمام مكتبي، وصار يحدث هذا الشخص عني وعن علاقته الحميمة بوالدي.

رحل العصامي في ١٢ أيلول ١٩٧٤ عن ٨٥ عاماً، وجاءنا الخبر الحزين في بيروت بنفس اليوم وظن الموظفون أنه سيكون يوم عطلة، ثم وضحت الإدارة بأنه لا تعطيل بل عمل ... لأن الراحل كان يقدس العمل. كنت في ذلك الوقت قد أصبحت مديراً لمركز الكمبيوتر فجمعت موظفي المركز في غرفتي ووضعت صورة للراحل على مكتبي، وارتجلت كلمة تأبين مختصرة. وجاءت بعد ذلك المهمة الصعبة وهي نقل الخبر لوالدي، فاتصلت به هاتفياً وأخبرته، وأحسست بالتأثر الشديد على الطرف الآخر، وفوراً أملى علي بصوت متهدج برقية تعزية لنجله الأكبر عبدالمجيد.

دفن الحاج عبد الحميد في القدس تحت الاحتلال، وكان لإبنه عبد المجيد سجال حاد مع سلطات الاحتلال أثناء التشييع للمثوى الأخير. وقد حرص عبد المجيد خلال سنوات قليلة من الرحيل على إصدار كتاب جميل عن سيرة والده المؤسس وجاء بعنوان «العصامي». بعد طباعة الكتاب بالعربية بسنوات قليلة قرر عبد المجيد ترجمته إلى الإنجليزية، وعندما وصلت الترجمة لمرحلة الطباعة كان لي شرف مراجعتها، وأعطيت التصحيحات التي وجدتها لازمة لعبد المجيد وكان ممتناً.

وفاءً للمؤسس قرر مجلس ادارة البنك في العام ١٩٧٨ على ما أذكر إنشاء «مؤسسة عبد الحميد شومان» ورفدها سنوياً بنسبة معينة من أرباح البنك، ومهمة المؤسسة هي تشجيع الثقافة والعلم والمعرفة، وقد قامت المؤسسة بمهمتها هذه خير قيام، وأصبحت من المؤسسات الثقافية والعلمية المعروفة والمؤثرة في أرجاء العالم العربي.

وأخيراً أقول أن الحاج عبد الحميد شومان كان إنساناً عظيما بكل المقاييس، ولولا رؤيته ومثابرته لما كان البنك العربي وما وصل إليه... اللهم ارحمه وأجزل له الثواب على ما قدم لأمته من خير عمل.