كتب: حسين دعسة

في احلامنا الكثير من الآلم! ..وفي لحظات هذا العالم نحس بالتشظي والضياع، واحيانا نبذر الخلاص في تربة غير ما نعهد، تكبر فينا الحكاية، ونعاود انتظار الهاتف! زهي الكاتبة الاردنية العالمية فاديا الفقير، ونحن من استمع لها،بشوق المعرفة وحب الانجاز وتجديدا لصورة الوطن. كان ذلك في 9 ايلول سبتمبر 2019، وفي عمان عشت لحظات مع امرأة غادرت عمان الى لندن ومازالت تتبادل الامكنة منذ 30 عاما.. بدأت رحلة التأمل مع المبدعة العالمية الروائية الاكاديمية الفقير، التي تحمل زمالة الكتابة الإبداعية في كلية سانت إيدن في جامعة درم حيث تقوم بتدريس الكتابة الإبداعية. وتعيش حالياً في مدينتي درم وعمان.. ومن على مشارف جبالها، ركزت حلمها على سحاب ايلول المشبع بالندى، وعلى منصة المنتدى الثقافي لمؤسسة عبد الحميد شومان، أنهت شهادتها على دمع غال يعز ان يقف في وسط الطريق. ذكرتني بحرير الروح (...) وحلم التحدي والاصرار على التميز والابداع. كان امامي، كل دفاتر وكراسات الاحلام التي ابدعت، حرير الروح تتنقل برقة بين المرايا وكانت د.فاديا الفقير مع اعمدة الملح في سبيل عمان السيل وسكة الحديد الحجازي وخيمة على مشارف قلعة عمان! ..قبيل نثر الورد، اجاد الكاتب الاديب مفلح العدوان، رئيس مختبر السرديات الاردني في رؤية ما بعد رحلة بساط الريح والطير المسافر، وضعنا في حديقة فاديا لنقطف ضمة شيح وياسمين وبطم وبلسم وقيصوم وزعتر بري يليق بتأملات تلك العمانية العجرمية التي نقشت اسمها واسم وطنها الاردن على جدار الزمان. د.فاديا الفقير.. الحنين إلى دفاتر البهجة: أحاول أن أقدم العالم العربي مباشرة للعالم عدتُ لكم وكُلّي شوق بعدَ خمسِ سنواتٍ من الغيابِ إذ كانت آخرُ محاضرةٍ لي في عمّان في حفلِ إطلاقِ روايتي الرابعة «شجرُ الصفصافِ لا يبكي» عام 2014. إنّني سعيدةٌ جدًا بوجودي في بلدي، الأردن، ومسقطِ رأسي عمان، وأنا محاطةٌ بكثيرٍ من الأهلِ والأصدقاءِ والمعارفِ، وأشكركم جميعاً على حضوركم في هذا اليوم المُميّز. كما أتقدّمُ بجزيلِ الشّكرِ لمؤسّسةِ عبد الحميد شومان، لدعوتهِمُ الكريمة، وكلِّ العاملينَ فيها وأخُصُّ بالذِّكرِ السّيّدة فلنتيناقسيسة، التي تتحلّى بأجملِ الصفاتِ أبرَزُها المهنيةُ العاليةُ والرّؤيةُ الّثاقبةُ، والعملُ الدّؤوبُ لرفعِ شأنِ الثقافةِ والعلومِ. أشكرُزميلي الكاتب مفلح العدوان أيضًا، على مقدّمتهِ الجميلةِ، وإدارتِهِ الأنيقةِ لهذا اللقاء. بدأتُ رحلتيَ الأدبيّةَ في عمّان، صحفيَّةً في صحيفةِ الجاروسالم ستار، وهي جريدةٌ أسبوعيّةٌ كانت تَصْدُرُ باللُّغةِ الإنجليزيّةِ عن دارِ الدُّستورِ، ثمَّ شاءَتِ الظروفُ أن تزورَ الملكةُ إليزابيث الأردن عام 1983، فقرَّرَتِ الصّحيفةُ أن تنْشُرَ مُلحقًا ترحيبيـًّا خاصًّا بمُناسَبةِ زيارتِها، فكَتبتُ مقالًا عن شخصَيْنِ بريطانيَّيْـنِ أَتَيَا إلى الأردنِّ عام 1935، كانا يسكُنانِ في منطقة ماركا، قُمنا بالتّواصُلِ معهُم، فسَمَحا لنا باستعمالِ أرشيفِهِم الخاص، فقُمنا بِطِباعةِ بعضِ الصورِ في المُلحق. أُعجِبَ أحدُهم بالمقالِ الذي كتبتُهُ فاتّصل بي المجلس الثقافي البريطاني وعَرَضَ عليَّ أن أُسافِرَ لبريطانيا لأُكمل دراستي هناك، سَرَّتني الفكرَةُ كثيرًا، وعلى الفَوْرِ تصّفحتُ كتابًا يُدرِجُ جميعَ تخصُّصاتِ الدِّراساتِ العليا ووَقَعَ اختياريْ على تخصُّصِ الكتابةِ الإبداعيةِ، وسافرتُ لبريطانيا لدراسة الماجستير هناك. كان أُستاذي في السّنةِ الأولى ديفيد كريج إسكتلندي وبما أنّني لستُ معتادَةً على تلك اللّهجة، فلَمْ أفهَم الكَثيرَ من المُحاضرةِ الأُولى لكنّني ثابَرْتُ على الكتابةِ دونَ أيّ ثقةٍ بالنّفسِ أو تشجيعٍ من أحدٍ. زارتنا يومًا الكاتبةُ المعروفةُ ماغي جي، وبدأت بإعطائِنا رأيَها في كتاباتِنا. كان نَقدُها لزملائي لاذِعًا، حتّى وصلَ الدّورِ عندي، فلما رَمَتِ الصّفحاتِ التي كتبتُها على الطاولة، بدأتُ أرتجفُ، قالَتْ: «As for this. This is special.» «أمّا بالنّسبةِ لهذا النّص، فهذا نصٌّ متميِّزٌ» هذه كانت أوّلَ كلِماتِ تشجيعٍ لي على الكِتابةِ، كان عمري حينَها ثمانيةً وعشرينَ عامًا، بقيَتْ هذه الكلماتُ معي لفترةٍ طويلةٍ، بلْ رُبّما إلى الأبَدِ. شاءَتِ الأقدارُ أن نلتقي عام 2004 في جولةٍ في ليبيا، وأُتيحتِ الفُرصةُ لي أنْ أشكُرَ ماغي وجهًا لوجهٍ في طرابلس. أكملتُ كتابة «Nisanit» وهي روايةٌ اجتماعيّةٌ سياسيةٌ تُصوِّرُ الحُبَّ والرَّحمةَ والتّضحيةَ والمُعاناة وشيئاً من البراءةِ المفقودةِ في جوٍّ مُلتَهِبٍ من الصِّراعِ والكراهيةِ والقَمْعِ. تُظهرُ أحدَ الخُطوطُ السّرديةُ الثّلاثةُ المُتشابكةُ في الرّوايةِ، النزاعَ العربيَّ الإسرائيليَّ من خلالِ وِجهةِ نظرٍ شديد المُقاتِلُ الفلسطينيُّ، الذي يقومُ بعمليةٍ في الدّاخل ويُلقى القَبضُ عليهِ ثم ينهارُ تحتَ التّعذيبِ، ونُتابِعُ ذلك عن كَثَبٍ من خلالِ تيّارِ الوَعْيِ الذي اخترتُه لروايَتي الأُولى. شكَّلَتْ هذه التّقنيَةُ الأدبيَّةُ تحدّيًا كبيرًا، لأنَّها وسيلةٌ صعبةٌ جدًا لنقلِ المعلوماتِ، ولم تكُنْ هذه الروايةُ لتولَدَ قبل قراءتي لروايةِ «المسخ» لفرانز كفكا، كانت تجربةً صعبةً وغنيةً في آنٍ واحِدٍ. بعدَ الحُصُولِ على الماجستير من جامعةِ لانكستر عام 1985 قرّرَ الأصدقاءُ الكتابةَ لجامعةِ إيستأنجليا، طالِبينَ منهم قُبُولي في برنامَجِ الدكتوراة للكتابةِ الإبداعيَّةِ ولكن لم يكُنْ البرنامَجُ موجودًا في بريطانيا في ذلك الحينِ. قَرَّرَ الكاتِبُ الكبيرُ مالكوم برادبري أنْ يُنشِئَ البَرنامَجَ وأنْ يقبَلَني فيهِ لأنّهُ أُعجبَ بروايتي نيسانيت. رنَّ الهاتِفُ وأخبروني أنَّهُ تمَّ قُبولي في برنامج ِالدّكتوراة في الكتابةِ الإبداعيَّةِ، بعدَ ذلك بعَثَ برادبري روايتي لوَكيلِ أعمالِهِ الأدبيِّ في شَركةِ كيرتس بروان وباعوا الرواية لدارِ نشرٍ صغيرةٍ اسمُها إيدنإليس الذين بدورِهِم باعوها لدار بنغوين ثم نشرَتها دار فايكنغبنغوين في أمريكا كبنغوين ملك. عدتُ بعدَ الحُصولِ على الماجستير للأردنّ وأخبَرتُ الجَميعَ أنّني كتَبْتُ روايةً باللُّغةِ الإنجليزيّة وبأنَّها ستنشر لكنَّ لم يُصدِّق ما قُلتُهُ إلا القليل، وقد كانَ البعضُ يتهكَّمُ بي لأنَّهم اعتقدوا بأنِّي كنتُ أُبالِغ. بعدَ البحثِ عن التّمويلِ والحُصولِ على بعثةٍ، عدتُ لبريطانيا. درَّسَني في نوريتش كُتَّابٌ عُظَماءُ مثل روز ترمين وأنجلا كارتر التي قالت عن رواية «أعمدة الملح» «تجِبُ قراءَتُها، رؤيةٌ نسويَّةٌ للاستشراق.» ثمَّ حصلتُ على الدكتوراة عام 1989. روايتي التي كانت جزءًا من أُطروحتي هي «أعمدةُ الملح» التي ترجمها السيد فرج الترهوني للُّغة العربية السّنة الماضية ونشرتها دار ألكا حديثًا. ربما يكونُ جزءٌ من الروايةِ، أيْ الإِطارُ السَّرديُّ فيها يتَّسِمُ بأنَّهُ «ما بعدَ حداثي» حيثُ استعملتُ التّناصَ والمُحاكاةَ السَّاخرة والتعارُضَ الأدبيَّ، لكنْ يبقى صُلْبَ العملِ واقعيٌّ. تجريْ أحداثُ الرِّواية في الأردنِّ خلال فترةِ الأربعينيّات والخمسينيّات، خلالَ فترةِ الانتدابِ البريطانيِّ، حيثُ كانتِ الدولةُ الأردنيةُ تتشكَّلُ من خليطٍ اجتماعيٍّ وثقافيٍّ متنوعٍ يُحاولُ أن يجِدَ لنفسِهِ إطاراً سياسياً موحداً، عُقْبَ الاستقلالِ مُباشرةً. وفي أتُونِ هذه المعادلةِ تبدأُ أحداثُ الرّوايةِ حيثُ يفتتِحُ صوتُ الرّاوي المشهدَ على بقايا الإنكليز المُنسحِبين، وهذا الراوي هو خليطٌ غامضٌ من شخصٍ حقيقيِّ وأُسطوريٍّ، يُحاولُ تصحيحَ أو بالأَحرى تكملةِ الأحداثِ التي ترويها بطلتا الرواية مها، وأمُّ سعدٍ، التي تُعتبر قصّتُهما سردًا للحقيقةِ وأُطروحةً مُضادَّةً لإفْكِ الراوي المُستشرق. وهكذا فإنّنا ندخُلُ في حَبكةٍ غامضةٍ ومُتعدِّدَة الأوجُهِ لحياةِ امرأتيْنِ تتبادَلانِ القِصَصَ في مصحَّةٍ للأمراضِ العقليَّةِ، ونتعرّفُ خلالَ الرّواية على الطّريقةِ التي أوصلَتْ كُلَّ امرأةٍ إلى المصحَّةِ، أمُّ سعدٍ حضريَّةٌ تسكُنُ المدينة، وهي أمٌّ لثمانيةِ أولادٍ، هَجَرَها زوجُها بعدَ أن تزوَّجَ من واحدةٍ أصغرَ منها. ومها بدويةٌ ومزارعةٌ، تعيشُ دراما وفاةِ زوجها الذي تحبه كثيراً، ومن خلال حكايتهما نتعرف على صور الاضطهاد والإذلال التي تتعرض له النساء سواءَ في المدينةِ أو الرّيف. اخترت لكم منها النصَّ التالي عسى أن يعجبكم: الراوي «يا سادتي الكرام، لقد رأيتُها. نعم، رأيتُ مها. كانت منحنية فوق أرض مزرعتها. هي مثل البدر في تمامِهِ، طويلةٌ، ممشوقة القوام. مكتملة التكوين مثل أول امرأة في الكون... عيناها تبرقان مثل عيني أول طفلةٍ دُفنت، وذلك بعد أن ولدت حواء هابيل وقابيل واريق الدم. أشار الناس إليها، ولم يستطيعوا الجزم إذا كان الخيال المختفي وراء بستان البرتقال هو لِمها أو لأمّها مليحة. فهما تتشابهان كثيرا. أيتها الأوراق الهامسة، انصتي، انصتي، فمها تروي حكايتها لحجارة نهر الأردن. لم أعرف إن كانت تعزِقُ الأرض أم تنقيها من الأعشاب الضارة، وإن كانت هي سمراء أم بيضاء؛ وبالرغم من ذلك، كنتُ متأكدا أنها في مثل جَمال فجرٍ بهي. عندما يتسلل الضوء المغبش هناك، كل الأشباح والمتخيّل في ذهني، وذهن بغلتي، وحتى في ذهن ميمون المحدود، تتمايلُ أمام أنظارنا فوق كثبان الرمال. بحرُ الرمال الرائع، والضوء، والظلال، والسراب. ضوء، وظلال. أنصتوا، فلازالت تتناهي إلى أسماعي كلماتها التي يحملها النسيم العليل.... مها وأم سعد أنا مها، بنت مليحة بنت صبحا، قلّبتُ رأسي فوق الوسادة البيضاء، متفحصة غرفة المستشفى الخالية، ثمّ تنهَّدت. لقد خلق الله البشر، وقضى بالفراق أيضا. أتوا بي، مها شجرة الصبار–اعتاد أهل حامية القول «قويّه»، لكن في مرارة الحنظل – إلى هذا المستشفى الذي يكتنفه الضباب لأنني لستُ مستعدة لسماع كلمة «الرحيل». الله هو من يقضي بالفراق، والله هو من يحصي الأيام والسنين. كلي ثقة أن إسمي غير موجودة في أية سجلات رسمية كانت أم غير رسمية. أصبحتْ مها أرضاً مشاعاً بإمكان كل راعٍ أن يسوق إليها أغنامَهُ، وبإمكان كل ممرضة أن تغرز فيها إبَرها. يسمّمون دمك، ويدفعونك في النهاية تحت أكوام من الرمل ويقولون: «إنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيه رَاجِعونَ». النسيمُ العليل في بقعتي المفضلة تحت أشجار البرتقال لمس كلّ جزءٍ في جسمي، وغلّفت الرائحة الوادي فحملتني إلى عالمٍ آخر. لقد أطفأتْ سحابةُ العطر النار المضطرمة في قلبي ورأسي فصرتُ مثل صديقتي ناصره، وحتما ستقودني أغنامي إلى المراعي. أقراطُ ناصره المتدلية دائماً تحدثُ طقطقة. «يا يمّه شفت القمر بالبيت ومطرحه من السما عالي استغفر الله آني زليت كِثر العِشق غيّر أحوالي» أيقظني صوتُ امرأة تشتم وتلعن. لكن سرعان ما انزاح ضباب العقاقير وصفا ذهني عندما رأيتُ الجسم الرماديّ الرفيع تحت كومة الثياب البيضاء. «اسمي أمّ سعد،» صاحت في الممرضة ’سلام‘ وفي الحارس ’كوكاش‘ ثم دفعَتهُ قائلة بصوتٍ غايةٍ في النعومة حتّى أنّ بإمكانه أن يرفعك إلي السماء. «الله يلعن أبوكو جايبني عند المجانين، والله لأدبحكو،» ركلتْ كوكاش، ثم تدحرجتْ على بلاطِ الأرضيةِ مثل قنفذ. صرختْ، وصرخت، وفجأة التقت عيناها الصغيرتان بعيني."أيش هاد؟ بدويّة لعطة؟ مو شامين الريحة المقرفة! بيناموا مع الحيوانات. شو لحقتني ريحة الغنم لهون؟» لم أفتح فمي ولم أنطق بكلمة واحدة. كنتُ أعلم أن قلب أمّ سعد يكتوي بنيران الفراق ومهما قالت عن البدو فلن أغضب منها، وبدلاً من الردّ عليها بالصراخِ وضعتُ يدي على فمي، وابتسمت. «أنا بنت مدينة، من عَمّان، وما بشارك حدا في الغرفة وخصوصا بَدويّه بتضّحكْ، متل الهبل.» انزلقَ غِطاء رأسها الورديّ عنها، فأفصَح عن شعرٍ رماديّ مرسل. بدأت تدوس عليه وتشتمُ أب الممرضة، وجَدِّها، وجدَّ جدّ جَدّها. فسحب الحارس كوكاش نفساً من عقبِ سيجارته ثُمّ حكّ شعرِه المنكوش وفركَ عينيه الناعستين. صبرَهُ بدأَ ينفَد، فدفع جسدَ أمّ سعد الهرمَ فوق الفِراش وربط ساقيها ويديها إلى أعمدة السرير. أطلقت سلامُ ابتسامة ملائِكيّة ثم غرزت إبرتها في عروق أمّ سعد، التي جفلت وارتعدت ثمّ غرقت في نومٍ مُظلمٍ عميق. غطّت سلامُ أمّ سعد، بملاءةٍ بيضاء، بينما بصق كوكاش على الأرض وغادر الغُرفة. نظرتْ إليّ سلام وقالت، «مها، أنتِ بطلتِ تشوفي كوابيس، وأكيد عم تتحسني.» هززتُ رأسي موافقة، فكل ما تقولهُ سلام المفروض أنه صحيح، فهي من تملكُ الحقيقة وتوزعها علينا. غَادرت ملاك حاضرنا ومستقبلنا الغرفة مثلُ غيمةٍ بيضاء، ثمّ سمعتُ صوت المفتاح يدور في القفل، وبعدها عمّ الصمت. توقفت العصافير خارج النافذة المقضّبة عن الشقشقة، وبدأ الجو يسخن، فهذا وقتُ الظهيرة.لابد وأنّ الحصّادين منشغلون الآن بحصادِ القمح بمناجِلِهم في مزرعتي، تلك الجوهرةُ المعلقة على جبين وادي الأردنّ، وهو الآن تحت رحمةِ 'دفاش' الذي قد يكون باعها إلى نادر باشا أو إلى أسياده الإنكليز. قتل الإنكليز 'حرب' تَوأم روحِي، الذي ربتت يده الحانية فوق شعري المقصوص وغير المضفّر وقال: «لا تبكِ وحياة جدتك صبحا إلاّ أسعدك». لا بد أن أوقف سيل الذكريات هذا، هل لدى 'حكيم' عشبةٌ خاصة لعلاج الغمّ المُتعاظِم بداخِلي؟ لكنّ وظيفةُ حكيم دفن الموتى، ولا علاقة لهُ بالأحياء. هو رجُلٍ هائم في أرض الله الواسعة. إيه يا غزالة، وين رايحة؟ للصحراء؟ رحيلك يقطع القلب «وين رايحة؟» أنا هائِمة على وجهي، أتبعُ قلبِي. انظر أين أوصلني، إلى نهاية الرحلة التي لا يمكن أن تخطر على البال. إلى مستشفى المجانين. بعد ساعاتٍ، وعندما كانت الشمس تعود إلى عالمها، تململت أمّ سعد في فراشها وبدأت تئن، خرجت أصوات خافتة من بين شفتيها المزبدتين، وكأنّ قلبها ينوح. كنتُ مُعتادة على رؤية ثِمار البرتقال تتدلى من الأغصان تحت ضوء الفجر، أمّا الآن فأراها صامتة في طبقٍ تحت مصباح كهربائي. قشّرتُ برتقالةً وعصرتُ الشرائح في فم أمّ سعد الجاف. فبعد الإبرة، تشعرُ بجفافٍ وعطش ويبدأ داخلك في التكسًر. وقلبي أيضاً كان يتقطع ألما. إنه يتوجع على ابني ’مبارك‘. أخيراً فتحتْ عينيها وحدّقت في وجهي، ثم بدأت تنتحبُ مجَدداً. وبصوت فيه نعومة وفخامة وكثافة المخمل الثمين قالت: «سامحيني يا خّتي.» فركتُ جبيني وقلت، «على ايش أسامحك، ما سويتي شي.» قلبتْ رأسها من جانبٍ لآخر واستمرت في البكاء. فغطستُ قطعة ضماد في كوب ماءٍ بارد ومسحتُ بها وجهها ويديها وساقيها. كانت ناصره تمسح عني ألمي. ولكن أين هي الآن صديقتي ورفيقتي؟ من بين نشيج مكبوتٍ سألتْ أمّ سعد، «شايفه اللهب؟» «آه...» أجبتها٠ غادرت ملامحُ الشباب وجهها وترك الزمن تجاعيدَه حول فمها وعينيها. لابد وأنّ عينيها الصغيرتين الرماديتين كانتا ذات يوم كبيرتين وسوداوين. أنفها دقيقٌ وبارزٌ، فوق فم واسع وممتلئ، ورغم أنّ جلدها بدا رخواً، إلا أنه كان ناعما ونظيفا. ضغطتُ على يدها المربوطة إلى عامود السرير. «ايش اسمك ياختي؟» «مها.» «مها!» «إيوه، يا أمّ سعد.» لو امتلكتُ لفات ولفات من ضمادات الشاش ما استطعتُ تجفيف دموع أمّ سعد في أول ليلة لها في مشفى المجانين. واصلتُ المسح والتجفيف إلى أن تسللت بهرة الفجر إلى غرفتنا الباهتة، وخلدتْ هي إلى النوم. كان فراشي رطباً وبارداً فغطيّتُ نفسي بالملاءة من رأسي حتى قدميّ لأجلب بعض الدفء لأطرافي المتجمدة. كم أشتاقُ للمسة يد حرب، وإلى أنفاسِه وصَدرِه الدافئ. لم تكن أمّ سعد موجودة في ذلك الصباح. ليس هناك نداء «مها، يا ختي» ولا حكايات عن «ثقوب على شكل نجوم في المشربية.» شعرتُ بوحدةٍ شديدة، وبأنني بالغة الضآلة في غرفة المستشفى شبه الخالية. كلُّ شيء أبيضٌ، لون الملاءات، والخزانات، ومباول السرير، وسلال النفايات، والعقول المشوشة بفعل المهدئات. النافذة المقضّبة تطلُّ على واد سحيق مغطى بعرائش العنب، وأشجار الصنوبر. قضبان حديدية. كنت سجينة في هذه القلعة. سوّيتُ ملاءات السرير المتغضنة، التي لاتزال أنفاسُ أمّ سعد عالقة بها. وتحت وسادتها وجدتُ صورتين بلون بنّي مصفرّ. إحداهما لرجل أشقر مبتسم له وجه مشرق وفكين قويين: لابد أنه محمد. الثانية لوجهٍ سمين له شفتان غليظتان عليهما أثر لعاب: هو زوجها المسنّ القبيح. أعدتُ الصورتين إلى مكانهما وجلست على طرف سريري. كثيرا ما سرّحوا شعري بمشط دقيقٍ مغطس في الكيروسين، مع أنه خالٍ من القمل. وبعد كثير من الشد والبحث لم يعثروا على شيء فيه. ما تبقى هو الرائحة النفاذة للكيروسين. عندما تناهت إلى أنفي روائح الزعتر من خلال النافذة تيقنت بأن هذا هو فصل الربيع. ولا حتى كلمة واحدة من قريتي حامية، الملتصقة بجانب الجبل مثل علقة. تتردد في أذني خطوات ابني الخفيفة وهو يبتعد مع جدته. كان يصرخ، «أمي» ويتدحرج مقتربا مني كلما رأى كابوسا ما. حيثما أنظرُ أرى وجهه في هذه الغرفة: يضحك للديك، ويعبس في وجه الكلبة، وكان وجهه ينزلق على الجدران، والأرضية، والطاولة، والسرير، وعلى النافذة التي كساها ضباب أنفاسي. أسندتُ ذقني على أعمدة السرير الحديدية الباردة وتمنيت لو أن قلبي مصنوع من الحديد أيضا. اعتاد مبارك دحرجة جسده الغض طلبا للدفء والأمان في حضني. لقد نصحتني أمّ سعد بأن اتحول إلى شخصية أخرى. فقط تخلصي من جلدك، ومن عقلك، ومن ماضيك. عندما سمعتُ صوت صرير المفتاح اللعين في القفل، قفزت إلى فراشي وغطّيت نفسي بالملاءات. دفع كوكاش إلى الغرفة نقّالة طويلة عليها جسد أمّ سعد المنتفض، بينما سار الدكتور إدواردز خلف النقالة كأنه في موكب جنازة. أمسكا رسغيها وركبتيها ورفعاها ثم رمياها فوق الفراش البارد. واستدار الطبيب الأجنبي مغادرا الغرفة، ليتبعه كوكاش بصمت. بإمكاني سماع تنفّس أختي الثقيل. شكرا لك فلا زالت حيّة ترزق. وعندما تلاشى وقع خطواتهما في الممر الطويل غادرت فراشي وعبرت الفضاء الإسمنتي البارد بين سريرينا. كان وجهها أصفر كالليمونة، وهنالك أثر كدمتين على صدغيها تغطيهما طبقة رقيقة من معجون كريه الرائحة. اماشفتاها فكانتا بلونٍ أزرق قاتم وعيناها مقلوبتان تحت جفنيها المغلقين. ألبسوا أختى سترة الحجر، لكن الأكمام كانت مرسلة وليست مربوطة خلف ظهرها. بدأت انتفاضاتها تخفت، وتتراجع مثلما تفعل الأمواج. كان جسمُها في مثل برودة الماء في البئر الطويلة. احسست بأن يداي عديمتي الجدوى، فماذا أفعل لأعيد الدفء إلى روحها؟ وبصوت متقطع بدأتُ أردّد أغاني الأعراس، «أه يا خيار التشريني... زرعوك بالبساتين يا ام خدود وردية... بعيونك جننتيني يا زينة كل البنات...دخيلك ردي علي» لكن صوتي كان خاليا من الشعور بالحماس لحصادِ محصولٍ جديد، افتقدَ حالة التوقع البهيجة وخرج من حنجرتي مكسورا. دعكتُ ذراعيها الممدودتين، وساقيها المنفرجتين، وبطنها المرتخية. ترى ماذا أخبرتني عن عدد الأطفال الذين أنجبتهم؟ أهم عشرة؟ دلّكتُ عنقها، ورأسها الأصلع، حريصة على عدم لمس الكدمات فوق صدغيها؛ ثم مسدت على كتفيها. لو تمكنت من إعادة الحياة للرأس، سأنقذ أمّ سعد. داومت على الدعك، والتربيت، والفرك إلى حين حلول الغسق تقريبا. ثم غطيتُ جسمها ببطانيتي ولففت الأطراف المتعبة بالملاءات. نقعتُ ضمادة شاش في ماء ورد ووضعتُها بين شفتي أمّ سعد؟ «أمّ سعد، يا ختي، لازم تصحي، لازم يا هنية.» فتحت عينيها ببطء وتمتمت، «بترجاك، بس.» ضغطت على ذراعها برفق وقلت، «خلص. أنا صاحبتك، واختك، ورفيقتك في وكر الثعابين هاي. أنا مها.» سندتُ رقبتها بيد ثم ساعدتها لتشرب الشاي البارد المحلّى باليد الآخرى. أخذت ترشف. ولدي، ونور عيني مبارك كان أيضا يمص حزما من حلوى السكر واليانسون. لفتْ وجهها محاولة تركيز بصرها المشتت على وجهي. «أم غريب، ما قالولي أنك جاية.» ابتسامة باهتة، ثم أغلقت عينيها وغرقت في نوم منهك. أخيرا بدأت الشمس تتحرك في عالمها، وتستعد لترتفع فوق رؤوسنا من جديد، وجذبتني رائحة الزعتر والنعناع إلى النافذة المقضّبة. رأيت في قاع وادي الفحيص السحيق الضبابي قطيعا من الخيول السود تلمع أجسادُها وهي تعدو صوب شمس الصباح، وتمنيت لو أن روحي تعدو أيضا نحو بارئها، تمنيت أنه بعد كل هذه السنين الرمادية أن أضمّ توأم روحي. تمنيت لو أن قلبي يستطيع الطيران بعيدا إلى حامية وأن يحضن نور عيني، ولدي مبارك. زحفت دودة ألفية على الحائط الأبيض. لها أربعة وأربعون رجلا وليس لدي سوى اثنتين. التقطتُ الشبشب وفي اللحظة التي كانت على وشك أن تلقى حتفها، فتح الطبيب الإنكليزي الباب. «صباح الخير،» قال ملعلعا، «كيف حالنا اليوم؟ يومٌ جميل، ألا ترين ذلك؟» اطلق ابتسامته الشمعية، وقال بعربيتة المكسّرة، «الآن، جاء دورك.» مشيرا بمقصه الحاد إلى رأسي. «لكن انتوقصيتو شعري لمّا وصلت هون.» «من الضروري أن يكون أقصر.» زحفت أم أربعة وأربعين مبتعدة نحو الحرية عبر قضبان النافذة. كنتُ تعبة لدرجة أنني لم أستطع أن أرفع رأسي، أو أفتح فمي، أو أن أكوّر شفتي وأصرخ، «لااااا.» لم يصلني ثمة خبر واحد من قريتي؛ وابني يربّيه خالُه دفاش، وحربٌ مات. سرعان ما يبدأ مبارك في فتل شاربه الكث بسبابته وإبهامه. أبي مات، وسجادة أمي لم تكتمل بعد. لم تخرج كلمة واحدة من بين شفتي، بينما كان كوكاش، حاملُ الأجساد المنتفضة يدخّن عقب سيجارته كالعادة. خفضت رأسي بين يدي الطبيب المتلهفتين، الذي يحكمنا مثل ملك. وعندما تسرّبت برودة الآلة المجنحة التي كانت تلتهم شعري حتى جمجمتي، أدركتُ أنني محاصَرةٌ بسرابٍ يومض عن بعد. الحياة عبارة عن حلم طويل من الوصول والرحيل، اللقاء والفراق. لابد أن أتوقف عن التفكير، والتذكر، والملاحقة. علاج بالصدمة الكهربائية؟ ثم فراغ. لا أوهامَ حول لقاء محتمل. يعلف الناس بالأحلام ويمتلئون بها مثلما كنت أملأ حواصل الدجاج بالحبوب. فجأة تكتشفُ أن ما كنتَ تأكله طوال هذه السنين هو التراب، وأن ما كنت تشربه ليس إلاّ هباء. تنطلق أمّ سعد في ضحكة مجنونة، بينما تتساقط فوق الأرضية الإسمنتية خصلات من شعري الرمادي. تضطرم الريح وتزمجر في حقل الشوك المهجور، حيث نثروا حظي كالدقيق..» ظهرتُ بعدَها في برنامجٍ تلفزيونيٍّ للقناةِ الرّابعة وعلى إثْرِ ذلك رنَّ الهاتفُ مرةً أخرى وعُرِضَ عليَّ أن أعملَ كمعيدةٍ في قسمِ اللغة العربية في جامعة إكستر وقَبلتُ العرضَ، بعدَها عملتُ في مركزِ دارساتِ الشرقِ الأوسطِ في أكسفورد معيدةً أيضًا ثم مُحاضرةً في قسمِ الدّراسات العربية والإسلامية في جامعةِ درم حيثُ أنشأتُ برنامَجَ الماجستير في الدّراساتِ النّسائيةِ. لم أستَطِعِ الكِتابةَ مُدّةَ خمسَ عشرةَ سنةٍ، أيْ منذُ عام 1989 وحتى عام 2004 لأن العملَ الأكاديميَّ استنفدَ كُل طاقتي. إحدى صديقاتي الكاتبات قالت لي بأنّنا نستعملُ نفسَ الجُزءِ من الدِّماغِ للكِتابةِ والتّدريسِ، فكِلاهُما عملٌ إبداعيٌّ. كتبتُ بعدَها كتابًا أكاديميًّا والكثيرَ من المقالاتِ والدِّراساتِ أهمُّها: «جرائم القتل داخل الأسرةِ دفاعًا عن الشرف في الأردن». شكَّلَتْ هذه الدراسةُ نقطةَ تحوُّلٍ بالنّسبةِ لي،حيثُ اطّلَعْتُ على الأرقامِ والتفاصيلِ في موضوعِ قضايا الشّرف فبدأتُ التّفكيرَ بكتابةِ رواية عن هذا الموضوعِ وبدأتْ رواية «اسمي سلمى» تتشكّل. وقرَّرتُ تركَ العملِ الأكاديميِّ عامَ 2004 للتفرُّغِ للكتابةِ. سمعتُ إشاعةً تقولُ أنَّ الرواية هي قصة إحدى صديقاتي ولهذا لم يقرأها الكثيرُ، في مجتمعِ الإشاعةِ والأخبارِ الزّائفةِ التي قد تؤدّي إلى قتلِ امرأةٍ أحيانًا، تغدُو الحقيقةُ عملةً نادرةً. دراساتي الأكاديمية هي التي غذّت رواياتي، وجميعَ أحداثِها ووقائِعِها وشخصياتِها هي من مَحضِ الخيالِ. كتبتُ «اسمي سلمى «للكَشْفِ عن المَسكوتِ عنهُ في مُجتمعِنا ولتخليدِ ضحايا جرائمِ الشَّرف. عندما أضحتْ سلمى حامِلاً قبلَ الزّواجِ، في قريَتِها الصّغيرةِ في الشّرقِ، تتلاشَى إلى الأَبد أيّامُ الطفولةِ البريئةِ، ثمّ تُساقُ إلى السِّجنِ من أجلِ حمايتِها، وعلى وَقْعِ صرخاتِها، تُختطَفُ مولودَتُها الجديدةُ منها على الفورِ. بين حقولِ الزيتونِ في الشرقِ، والأرصفةِ المُبلّلةِ بالمطرِ في إكستر، تصوِّرُ هذه الرّوايةَ شجاعَةَ امرأةٍ تقفُ في وجه تحدّياتٍ صعبةٍ، لا تُقهر. النّصُّ يتنقلُ بحريةٍ بين الماضي والحاضر والمستقبل لأنَّ سلمى سجينةَ الماضي ولا مستقبلَ لها، فتَراها تمشي خُطوةً إلى الأمامِ تارةً واثنتين إلى الخلفِ تارةً أخرى، مُكبَّلةً بما وَصَفهُ هشام شرابي بسلاسلِ الماضي. أردتُ أيضًا أن يكون هناك انعكاساتٍ وتردداتٍ بين الخطوط الروائية مثلَ شخصٍ يرى نفسهُ وماضيهِ في شظايا مرآةٍ مكسورةٍ. اخترتُ لكم منها النص التالي: حيث يلتقي النهر بالبحر تنتشر قطعانُ خرافٍ على التلالَ الخضر مثل صوف منجد، فيما أضواء الطاحونة الوحيدة تطفو فوق السّطح الهادئ لنهر إكس. إنه يومٌ جديد، بيد أن الاخضرار الندي للهضاب، وبياض القطيع، واللون الرّمادي للسماء، كانت قد حملتني إلى ماض بعيد، إلى قرية طينية صغيرة، منثورة بين هضاب مهجورة، إلى الحمى، حيث بساتين الزيتون تتلألأ باخضرارها الفضّي في الضياء الصباحي. لم أكن سوى راعية تقودُ ماعزها تحت الوهج السّافر للشّمس، صوب سهوب خضر فقيرة، على أنغام نايٌها القصبي. كانت الحمى في مثل هذا الوقت من السنة تعجّ بالجِمال والخيول والأبقار والكلاب والقطط والفراشات والنحل. الخيول تعدو وتتسابق، ومن حوافرها تتطاير غيومٌ من غبار تحجبُ السّهل. الرّبيعُ يبدأ، ومعه يبدأ موسم حفلات الخطبة. حفلاتُ الأعراس تُقام بعد موسم الحصاد. وكنتُ واحدة من فتيات القرية اللواتي نضجن وحان قطافهنّ. ألصقت الفوطة الصحية بسروالي الداخلي وسحبته فوق ساقيّ الحليقتين، المطليتين بالزّيت، وأدركتُ أخيراً أنني حرّة. لقد ولّت تلك الأيام التي كنتُ أطاردُ فيها الدجاجات، ببنطلون عريض وفستان فضفاض مزهّر، مزركش بالألوان السّاطعة لقريتي: الأحمر لشدّ الانتباه، والأسود للغضب، والأخضر للربيع، والبرتقالي الفاتح للشّمس الحارّة. لو كانت هذه القارورة الزجاجية الصغيرة مملوءة بسمّ الأفعى لاحتسيتها برشفةٍ واحدة. نثرتُ بعضَ العطر خلف أذنيّ، وعلى معصميّ، وتنفّست عميقاً. سرّحتُ شعري الذي لم يعد مضفوراً تحت الحجاب وأسبلتُه فوق كتفَيّ. شددت معدتي، ورفعت قامتي، وخرجت من «قصر البجع»، وهو الاسم الذي اختارته ليز لمنزلها المتواضع. ملأتُ رئتَيّ بهواء الصباح النقي، ونفختُ أضلاعي، فاستقامت عضلات ظهري، وبرزت مشدودةً. أستطيع أن أرى نتفاً من سماء زرقاء تتسلّلُ عبر غيوم ناصعة مشعّة، تأخذ هيئات مختلفة مثل صهوة حصان، أو قدم صغيرة، أو يد ناعمة غضة مثل وريقة كرمة تفتّحت للتوّ. في البعيد، بدت الكاتدرائية سوداء وصغيرة. كانت الشّمس الإنكليزية الواهنة تحاول جاهدةً أن تذيب الغيوم. مررتُ بالقرب من سكن الطلبة، ومن بيوت بيض واسعة، ذات حدائق أنيقة وكلاب نابحة، ومن سجن جلالة الملكة. نظرت إلى الجدران العالية، والأسلاك الشائكة الملتفّة، وقضبانِ النوافذ، فأدركتُ أنّني، هذه المرّة، أمشي على الجانب الآخر للبوابة الحديدية السوداء، بالرغم من أفعالي القاتمة، وماضي المشين. حرّةً أمشي على الرّصيف مثل شخص بريء. كان وجهي أسود، كأنه مكسوٌ بهباب الفحم، ويداي دكناوين، بعد أن لطخت جبهةَ أهلي بالقار. سائلٌ كثيفٌ، لزجٌ وقاتم، ينقّط من السياج ذو القضبان، الذي أقبض عليه، ويسيل طوال الممشى حتى الطريق. نفضتُ رأسي محاولةً أن أطردَ بعيداً تلك الرائحة المقيتة، ورحتُ أنظر إلى نهر الإكس. كانت بعض طيور النورس ترفرف عالياً، وترسم بأجنحتها دوائر حول فريستها، قبل أن تنقضّ عليها، وتصيب منها مقتلاً. جاء دوري منذ وقت طويل، لكنني، لسبب ما، بقيتُ على قيد الحياة أعيش ضمن الوقت الضائع. أنفي يقتفي عبقَ براعم تتفتّحُ، غير أنّ عطر الياسمين الغني بالرحيق، المنبعث من أسفل الهضبة، اختفى فجأة بسبب رائحة الدهون التي كانت المؤشّر الأوّل على أنّ متجر «بيترس بليس»، لبيع رقائق السمك والبطاطا المقلية، على قارعة برج الساعة، لم يعد بعيداً جداً. تنشّقتُ الهواءَ عميقاً. ثلةٌ من الطلبة كانت تقف هناك وتصيح: «التربية والتعليم في خطر. الوقت ضيق». «بدأ الوقتُ ينفد»، كرّرتُ. قبل بضع سنوات، كنت قد تناولتُ رقائق السّمك، لكنّ معدتي العربية الجبلية لم تستطع أن تهضم الدّهون التي ظلت طافيةً في أمعائي بضعة أيام. كانت سلمى تقاوم، ولكن على سالي أن تتأقلم. بحثتُ عن معاني كلمة «تتأقلم» في قاموس أكسفورد العربي- الإنكليزي. تتأقلم: تتكيّف، تتواءم، تتبدّل. يبدو أنه في إنكلترا، يوقفكَ رجالُ الشرطة في الشارع ليتفحّصوا أوراقك وشعورك بالانتماء. بإمكان أحد ضبّاط الهجرة أن يقرّر استخدام عدم قدرتي على هضم السّمك كاختبار لولائي إلى الملكة. مضغتُ تلك القطع التي كانت لا تزال متجمّدة، وقلتُ للشاب الذي أحضرها لي، والدموع في عينيّ: «يمّا! إنها لذيذة!» «يَمّي!» قال موبّخاً. صريرُ بوابةٍ تُغلَق، خطواتٌ تُسمَع، ومشيٌ فوق أحجارٍ باردةٍ أبحث وأبحثُ عنها. كان حوض الحمّام طافحاً، فأضفتُ بضعَ قطرات من زيت الاستحمام إلى الماء السّاخن. ملئت رائحةُ المريمية الحمّامَ الصغير، معيدةً إلى ذاكرتي تلك الظهيرات الطويلة في الحمى، حين كنا نحتسي شاي المريمية، ونحن نغزلُ وننسجُ الصوفَ. وبدل تسلّق الجبال، بحثاً عن أعواد المريمية، والتقاط سويقاتها الخضر الناعمة، وغسلها وتجفيفها، ها هي هنا، مقصوصة، ومرصوصة، ومخزّنة داخل زجاجات زرق صغيرة وجاهزة لسيدتي. وبموس زلق، حلقتُ بعناية ساقَيّ وتحت إبطَيّ. قبل ليلة زفافكِ، يمرّرون عجينةً من السّكر والليمون المغلي على ساقيكِ وينتفون الشعر. كانت جدّتي شهلا تقول: «حين انتهوا منّي، غطّت جسدي الكدمات، لكني بدوت ناعمةً وملساء مثل فتاة في التاسعة من عمرها». إن عجينة السكّر الدبقة المؤلمة تنتمي إلى الماضي، ومعها الزّواج، وعباءتي البدوية السوداء، والقبعات ذات الدراهم الفضية. جميعها وُضِعت على الرّف هناك، في آخر الأفق، خلف البحار. رغوةٌ على السّاقين ومن ثمّ الحلاقة. نفخةٌ صغيرة ويزول الشَعر. عمليةٌ سهلةٌ وناعمةٌ، تُغسَل على الفور مثل الحبّ في هذه البلاد الجديدة، مثل الحبّ في البلاد القديمة. وبينما كنتُ في ذات ظهيرة في النزل الصغير، مستلقيةً فوق سرير تابع إلى الجيش سابقاً، سمعتُ البوّابَ يطرقُ البابَ بقوّة. نظرتُ حولي: الستائرُ مسدلةٌ، وحذائي وبنطلوني وقميصي وثيابي الداخلية مرمية عشوائياً على الأرض الوسخة للحجرة. كنتُ مجرّد قنفذ مختبئ في نفق مظلم، أستنشقُ وأزفرُ الهواءَ الفاسد. مستخدماً مفتاحَه الرئيس، فتحَ البوّابُ البابَ، وسمحَ لفتاةٍ شابّة، نحيلة وقصيرة، بالدخول. غطّيتُ جسدي، ونصفَ وجهي، بالأغطية الرّمادية. حين نظرَتْ إليّ، لم تر سوى خطوط عينَيّ، وحِجَابي الأبيض، فالتفتَت إليه وقالت: «من أيّ بلد أتت؟» «من مكان ما في الشرق الأوسط. عربية نذلة. امتطت الجمَل من الصّحراء العربية إلى مقلب النفايات هذا، في إكستر»، قال وضحك. «لن أمكث مع عربية في غرفةٍ واحدة»، بصَقَت. تظاهرتُ بأنني نائمة، ولم أسمع كلمة واحدة. «هذا هو النزل الوحيد المحترم في إكستر. وهذا هو السّرير الوحيد الفارغ المتبقي لدينا، آنسة ب-ا-ر-ف-ي-ن»، قال بحذر. «بارفين»، صرخت. «أجل، يا آنسة»، قال. «إنّ جسدها مكسو بالبثور أيضاً. هذا قد يكون مُعدياً». «ليس أمراً خطراً. هذا هو السرير الوحيد المتبقي لدينا، يا آنسة». «لا بأس! لا بأس!» وضعت أمتعتها جانباً وجلست فوقها، ثم نظرت حولها وقالت، «يا له من مكانٍ قذر!» نظرتُ إلى شعرها السبل، وغرتها الطّويلة، وتقلّبتُ في سريري. كانت رائحة المعاناة والوعود التي نكثت تملأ فضاءَ الغرفة المضاءة. زمرّدةٌ خضراء، فيروزٌ أزرق معشّق بالفضّة; حريرٌ هنديٌ يتهادى كالشّلال; لؤلؤةٌ في سريرها; رمّانةٌ، حبّاتُ قهوةٍ طازجة مطحونة بمدقّة مهباش من خشب الصّندل المزخرف; عسلٌ وسمنٌ ملفوفان بخبزٍ محمّص طازج; عطرٌ خالص محفوظ في جرار زرق; حبّات ماسٍ ثمينة وغير مصقولة; سهلٌ مندّىً في وادٍ أخضر فسيح، شاسع; بحرُ أزرق مخضر على الحوافّ، لازوردي سماويٌ في المنتصف; نقودُ جدّتي الذهبية العثمانية، مصفوفة صفّاً متناسقاً داخل خيطٍ أسود; قبّعةُ زفافِ والدتي المزخرفة بالنقود الفضّية; قمرٌ مكتملٌ، مختبئٌ خلف غيومٍ شفّافة، كابنتي التي لم أرها ولكن أسميتها ليلى.» وبعدَ سلمى كتبتُ روايةً بعنوان «حبي البتراء» عن عالمةِ آثارٍ إنجليزيّةٍ تأتي للأردن وتواجهُ ثقافةً ومجتمعًا ولُغةً مختلفين، لستُ راضيةً عن هذا النصّ ومازال الملفُّ على مكتبي. بعدَ ذلك بدأتُ بكتابةِ نصٍّ بعُنوانِ «بقلاوة حلا». إنَّ معظمَ ما أقومُ بهِ هذه الأيامُ هو للمشاريعِ والجمعيّاتِ الخيريَّةِ التي أنشأتُها مع أصدقائي أو التي أنا عُضوٌ في مجلسِ أُمنائِها كجمعيّةِ درم-فلسطين التعليمية الخيرية، وهذا أجملُ ما أقومُ به، إذ نأتي بطالبَيْنِ أو ثلاثةٍ من فلسطين ويصلون درم رغمَ كُلِّ العَقَباتِ والصُّعوباتِ والتَّحدياتِ ثمَّ يُكمِلونَ دراسةَ الماجستير في جامعة درم بتفوقٍ غالبًا. كتاباتي وأسفاري عبارةٌ عن رحلةٍ استكشافيَّةٍ لجُغرافيا المَكانِ والرُّوح ومحاولةٌ لفَهْمِ هذا العالم، أُحاولُ أنْ أقدِّمَ العالَمَ العربيَّ مُباشرةً للعالَمِ وأن أثابرَ على الكِتابةِ، لكنني قد لا أستطيعُ أن أعبّر عن كُلِّ ما في داخلي أو ما أعنيهِ، كما قال إليوت،فالكلمةُ الأخيرةُ لنْ تُقالَ. أبحرَتْ سفينةُ العُمر باتّجاهِ المَرفأِ الأخيرِ ولكن بينَ الأهلِ والأحِبّةِ والأصدقاءِ يتهيَّأُ لي بأنَّها عائدةٌ. فادية الفقير سيرة ذاتية 2019 كاتبة وروائية أردنية/ بريطانية وأكاديمية مستقلة. تم نشر رواياتها في ثماني عشرة دولة وترجمت إلى خمس عشرة لغة. ولدت في عمان ووالدها أردني من قبيلة العجارمة أما والدتها فشركسية. وفي عام 1983 حصلت على البكالوريوس في الأدب الانجليزي من الجامعة الاردنية ثم سافرت إلى بريطانيا لمتابعة دراستها العليا. حصلت على الماجستير في الكتابة الابداعية عام 1985 من جامعة لانكستر ثم عادت الى الأردن وعملت لفترة قصيرة كمنسقة أعلامية في وزارة التعليم العالي ومؤسسة آل البيت. وفي عام 1986 عادت إلى بريطانيا لإتمام دراستها العليا وحصلت على أول دكتوراه في بريطانيا في الكتابة الابداعية والنقدية من جامعة ايست أنجليا تحت اشراف الكاتب والناقد المعروف مالكولم برادبري عام 1989. نشرت دار بنغوين روايتها الأولى (نسانيت) عام 1987 أما روايتها الثانية (أعمدة الملح) فنشرتها دار كورتيت عام 1996 وترجمت إلى ست لغات ومنها اللغة العربية وحازت الترجمة الدنمركية على المرتبة الثانية لجائزة (ألوا) التي يمنحها مركز أداب اٍفريقيا وأسيا وأمريكا اللاتينية وجزر المحيط الهادئ عام 2001. أما روايتها الثالثة (إٍسمي سلمى) فصدرت عن دبل دي التابعة لمجموعة دار راندم عام 2009 ونشرتها أيضاً دار هاربر كولنز في كندا ودار أتلانتك جروف في أمريكا حيث كانت على قائمة أعلى المبيعات لدور النشر المستقلة. ترجمت روايتها الثالثة إلى 12 لغة من ضمنها العربية. مقدمة روايتها الرابعة (في مطبخ منتصف الليل) نشرت في دورية وبر في أمريكا وحصلت على جائزة نائلة سيشاشاري لعام 2009. وفي عام 2014 نشرت دار كويركس روايتها الخامسة (شجر الصفصاف لا يبكي) وأحتلت المرتبة الحادية عشرة على قائمة أعلى المبيعات في دبليو أش سمث. كتبت عدداً من القصص القصيرة والمسرحيات وبعض الشعر ونشرت قصتها القصيرة (حائط الإبعاد) ومجموعتها الشعرية (جاز صوفيا) في كتاب (الشمال ذو الجاذبية) عام 2005. أما قصتها القصيرة (تحت شجرة السرو) فأدرجت في القائمة القصيرة لجائزة بردبورت عام 2010 ونشرت في مجموعة بعنوان «الأشياء التي ممكن أن أرويها لك» في عام 2018. وشاركت في كتابة مسرحية (ألف ليلة وليلة ألاَن) التي أخرجها الان ليديارد وعرضت في بريطانيا عامي 2005/2006 وأما مسرحيتها (لا تنظر اٍلى الخلف) فعرضت في كوبنهاجن في خريف 2006. كانت المحررة الرئيسة لسلسلة الكاتبات العربيات التي نشرتها دار جارنت وحازت هذه السلسة على جائزة (النساء العاملات في دور النشر البريطانية) عام 1997. ونشرت مقالاتها ودراساتها في العديد من الدوريات الأكاديمية والصحف والمجالات العربية منها والأوروبية. وفي عام 2016 شاركت في تأسيس زمالة بانيبال للكاتب الزائر السنوية في كلية سانت إيدن، وهي إقامة لمدة ثلاثة أشهر لكاتب عربي قد تم نشر أعماله. وفي عام 2016 أنشأت برنامج الطائر للتعاون الإبداعي بين مدينة درم البريطانية والأردن بالتعاون مع المعهد البريطاني في عمان/ مجلس الأبحاث البريطانية في بلاد الشام ومؤسسة الكتابة الشمالية الحديثة ومهرجان درم للكتاب وكلية سانت إيدن في جامعة درم. وهي أيضا عضو في مجلس أمانة جمعية درم-فلسطين التعليمية الخيرية وزميل فخري في كلية سانت ماري في جامعة درم منذ عام 2005. كانت عضوا في لجنة تحكيم جائزة «الملتقى للقصص القصيرة» في درتها الأولى عام 2016 وفي لجنة تحكيم جائزة «سيف غوباش-بانيبال للترجمة الأدبية من اللغة العربية» عام 2018. منذ عام 2009 تحمل زمالة الكتابة الإبداعية في كلية سانت إيدن في جامعة درم حيث تقوم بتدريس الكتابة الإبداعية. وتعيش حالياً في مدينتي درم وعمان. مفلح العدوان: اتحفنا منتدى شومان بإطلالة على قامة اردنية عالمية، حيث استعادة طائر مهاجر، ولكنه حاضر بإبداعاته ومشاريعه وابداعاته.. انها الدكتورة الروائية فاديا الفقير التي تعيش بين بريطانيا والاردن، مبدعة وناشطة بقضايا الادب والثقافة وحقوق الانسان والمجتمع المدني. ..الفقير، سيرتها ثرية وكتابتها باللغة الانجليزية وترجمت اعمالها الى تسع عشرة لغة ونشرت حول العالم، تأكيدا على خصوصيتها وتميز اعمالها ومشاريعها حول العالم. د.الفقير قامة اردنية- عربية تعمل من خلال المجتمع الاكاديمي والانساني والابداعي، تميزت ونالت مشاريعها حضورا دوليا ومكانة رفيعة.