الثقافة مصطلح عام خاص يُتَلقَّى نمطيا من قاع المجتمع إلى أعلى، ومن أعلى إلى أسفل، ويُتلقى بشكل أفقي بين أفراد كل طبقة فيبدو في الحالة الأولى فيه من الفخامة ما يجعله شيئاً من إرث طبقي معين لا يستهوي أبنية طبقية أخرى، ففيه من الترف ما لا يجعله أولوية في حياة الناس، وهو من أعلى إلى أسفل مصطلح ذو مستويات متعددة، تتمظهر في إجراءات متباينة بحسب طبيعة الجهة التي تتصدى لمعالجة هذا المفهوم وصياغة أهدافه العامة، وبحسب طبيعة المهام التي تنوي هذه الجهة أو تلك تحقيقها، ويختلف الأمر عما إذا كانت تلك الجهة صاحبة ولاية عامة أو خاصة، وهل هي جهة مسؤولة ذات مرجعية أم لا، وما طبيعة هذه المرجعية وحدود تلك المسؤولية؟ هل هي قانونية أم أخلافية أم اجتماعية، أم كل هذه معا، ومن ثم فهل هي مسؤولية سياسية؟ وهل تُصنع الثقافة أم أنها موجودة تلقائياً حيث توجد المجتمعات؟ وإذا كانت مرتبطة بوجود المجتمعات تنمو وتتطور معها، فهل تتضمن بداخلها آليات سيرورة آمنة، أم إنها تحتاج تدخلا مدروساً لتعديل مساراتها في مراحل معينة؟ وإذا كانت تحتاج شيئاً من التدخل المخطط له، فما هي طبيعة هذا التدخل؟ هل هو أمني (تكتيكي) لمنع الاصطدام الآني بحيثيات اجتماعية وعرفية أو أخلاقية أو دينية عبر خلق مناخات ثقافية تفضي إلى امتصاص التوتر وتنفيس الضغط بآليات معينة،أم هو أمني بالمعنى الاستراتيجي بحيث يتماهى مع الرغبات والأهداف طويلة الأجل؟أم هو سياسي مركزي عام يعتمد إعداد الخطط والأساليب التي تستنبت قيماً ثقافية ما كان التطور الطبيعي للنمو القيمي في ظل الثقافة السائدة ليولدها ولادة طبيعية؛ بمعنى تغيير أو تعديل مجرى النهر،أم هو نوع من الاحتواء بشكل من الأشكال؟

إن الحديث عن الجانب النظري في حقل الثقافة من حيث ماهيتها ومفهومها وأهدافها ودورها باعتبارها قيماً وظواهر مجتمعية متفقا عليها يدخلنا في تماس مباشر مع علم الاجتماع عامة، وعلم الاجتماع الثقافي خاصة، وأياً يكن الأمر فإن الثقافة نكهة ولون ورائحة وبصمة خاصة ينبغي أن تعكس تراث الأمة الذي هو جزء أصيل من ثقافتها، مثلما هو الدين، والتاريخ، وحاضرها الذي يمثل مزيجاً من كل ذلك ليتجسد بشكل أيقوني يرتبط بالمجتمع ارتباط الدال بالمدلول، وهنا يبرز الدور الحقيقي الذي يُعوِّل على الثقافة من حيث هي ملامح عامة مشتركة أنتجت الشخصية الوطنية شكلاً ومضموناً عبر السنين.

ومهما يكن الأمر فإن أيا من الاجتراحات السابقة لا يعد بديلاً نافياً لغيره بالضرورة، فمن الممكن أن تتجاور، ليظل هذا التنوع مقبولاً ما لم ينقلب إلى ازدواجية في الأصول التي يصدر عنها، فتنتج عنه تحولات غير مبررة، والأخطر من ذلك أن تتولد رغبة في الانفلات والتكيف السلبي بدعوى التجديد والتحرر من القيود والمعايير.

مدير شؤون المحافظات/ وزارة الثقافة