تناولت في المقال السابق حيثيات توقيع وثيقة العهد والاتفاق أو الوفاق والاتفاق، وفي صبيحة تلك الليلة كنت في قصر الضيافة وفي غرفة الرئيس السابق، وأجرى مكالمة هاتفية بعد سماعه اخبار ببدء خرق الاتفاق على الأرض، مع علي ناصر، والذى كان رئيساً لليمن الجنوبي قبل الوحدة، يعرض عليه رئيسا للحكومة، فاعتذر، سافر الرئيس والبيض، عرج البيض على السعودية ثم عدن بدلاً من أن يأتي إلى صنعاء، معتكفاً هناك، وبدت المناوشات بشكل جزئي، عندها قرر الملك حسين طيب الله ثراه إرسال بعثه عسكرية تقوم بفض الاشتباكات، وكانت برئاسة اللواء الصديق عيد كامل الرويضان، وعضوية العميد رياض أبو كركي، والعميد ثلاّج، والمقدم جلال السعايدة، وحذت عُمان حذو الأردن فأرسلت هي الأخرى بعثه عسكرية بنفس العدد، وبدأت البعثتان تنسقان فيما بينهما، ولكن الهدف هو تجنب الحرب والحرص على وحدة اليمن، كنت التقي مع البعثة العسكرية بشكل دوري وننسق العمل العسكري والسياسي، وأحياناً نرسل تقارير مشتركة أو بالاتفاق وكانت هناك غرفة عمليات في الديوان الملكي يشرف عليها طيبّ الذكر حميدي باشا الفايز، كانت تقارير يومية، إلى الديوان، ومباشرة إلى جلالة الملك رحمه الله، وطلب منى رسمياً أن لا أكتب تقارير إلى أية جهة بل له مباشرة، الأمر الذي أدى إلى إغضاب وزارة الخارجية، والتي اعترضت على ذلك.

بدأت المفاوضات مرة أخرى مع البيض في عدن، بعضها كنت اذهب فيها منفرداً والأخرى مع اللواء عيد كامل، كنا نستقل طائرة أنتينوف فقط نحن الاثنين نذهب صباحاً ونعود مساءً، كانت البعثة العسكرية تتساءل ان كان هناك وقت خلال النهار، تنقطع فيه الاشتباكات، فأجبتهم ان هذا هو وقت تخزين القات عند الطرفين، كنت أتدخل في صياغة الرسالة التى يرسلها الرئيس اليمني إلى البيض، وأقول له مادمت سأتولى التفاوض فهذه الفقرة غير مقبولة، كان احياناً يتصل بي بعد منتصف الليل لأحمل الرسالة في اليوم التالي إلى عدن، كان واضحاً أن الأمور تسير نحو الاسوأ وأن قرار الانفصال والحرب ينتظر الوقت المناسب، كنت التقى المسؤولين اليمنين المدنيين والعسكريين غالبا في بيتي، كان وزير الداخلية يحيى المتوكل ويعتبر نفسه من الاشراف وبيني وبينه اسرارا كثيرة، لم يطلع عليها اقرب المقربين اليه بخصوص ما يجرى، وكان الإرياني وزيرا للخارجية، كان الرئيس اليمني يطلب من الارياني ان يجمع عددا من الوزراء اليمنين ويقول له دع الأخ فايز يلتقى بهم ويشرح لهم ما يفيدهم ويفيد اليمن، كان كل طرف يستعد للمواجهة الشاملة، وواضح ان القوة العددية كانت في اليمن الشمالي، ولكن تسليح الجنوب كان قويا كانت هناك قاعدة العند، وهي قاعدة ضخمة أنشأها السوفيات ولها قصة بعد بدء الحرب.