يزور الملك متخفياً دائرة الأراضي بالأمس، وبصورة مفاجئة قبلها بيوم واحد يحضر في كتيبة الدفاع الجوي، وستتوالى الزيارات التي لا يمكن توقعها في الفترة المقبلة.

القراءة الأولى تعيد إلى الذهن حملة مشابهة شغلت الأردن والدول العربية الأخرى قبل خمسة عشر عاماً، وأتى ذلك في سياق مراجعة شاملة للنهج الإداري المتبع في العديد من دوائر الدولة والحكومة، في تلك المرحلة لم تكن الأزمة المالية العالمية قد بدأت بعد، وكان اهتمام الملك منصباً على التأكد من جاهزية المؤسسات المختلفة للتعامل بايجابية مع المواطنين بالدرجة الأولى، والوقوف على أوجه التطوير الضرورية التي يمكن أن تحتاجها المؤسسات من أجل الارتقاء بجاذبية الاستثمار، وهو الأمر الذي كان واضحاً من خلال تدفق كبير للاستثمار قبيل الأزمة العالمية أدى إلى وصول النمو الاقتصادي إلى معدل يفوق 8% لأربع سنوات متتالية.

نستنتج أن الملك يستشعر بأن مراجعة شاملة للمؤسسات ومنهجها الإداري أصبحت ضمن الأولويات الملحة، وأن التوجه الملكي اليوم يركز على استعادة الزخم اللازم لتمكين الأردن من الوصول إلى موقع متقدم بستحقه على الخارطة الاستثمارية للمنطقة والعالم.

الزيارة الملكية تعطي درساً في العمل الميداني، فالملك يتحدث مع المواطنين ويستمع لهم مباشرة، وهذه النقطة التي أغفلتها كثير من الزيارات الميدانية للحكومات في السنوات الأخيرة، حيث انصرف الاهتمام إلى الجوانب الإجرائية، بينما يدرك الملك بعمق بصيرته وخبرته أن الإجراءات والترتيبات الأخرى يجب أن تخلص إلى نتيجة يلمسها المستفيد من خدمات الدولة.

يقدم الملك في هذه الزيارة أصدق تجليات المثال الذي يتوجب الاقتداء به ويضع خلاصة مدرسة تاريخية في القيادة من المقدمة والصفوف الأمامية، وكل ما على المسؤولين في مختلف مواقعهم أن يتعلموا قواعد الالتحام مع المادة الخام للحقيقة مهما كانت صعوبتها، وأن يقتفوا أسلوب الملك في الوقوف على الأسباب الجذرية لأي مشكلة والذي هو المبتدأ المناسب والسليم للحصول على خبر منتج وذي معنى، وإذا كان الملك يتقدم اليوم ليخوض في التفاصيل فهو يرسل لكل حصيف وصاحب فطنة المواصفات الجوهرية التي يجب أن يتحلى بها من يتصدى للمسؤوليات العامة ويحمل على عاتقه هموم الوطن والمواطن.