إربد - أحمد الخطيب

ربما تبدو إشكالية الوقوف على معضلة ما مرهونة بالإرادة التي تفتح أبوابها للقبض على أسّ المعضلة، إذا ما أريد لهذه المعضلة أن تحلّ، أما إذا ما تسلل الغبار وقشرته إلى جسد المشكلة، وأصبح النظر إليها يشكل ريبة من نوع ما، حينذاك، ستبدأ دورة البحث عن حلول بعيدة المرمى.

بالوقوف على المعضلة التي تعاني منها رابطة الكتاب الأردنيين، إلى جانب ما تطرحه البرامج الانتخابية عند كلّ دورة، وعند تفحص الأسباب الكامنة وراء الهبوط الأدائي للإدارات المتعاقبة، يجد الراصد أن هذه الهيئات تناوبت على تأزيم المعضلة وليس حلّها، أو ملامستها، أو الوقوف على أسبابها الحقيقية، عبر مسيرة امتدت لعدة عقود، تهافتت فيها رؤية المفاهيم التي تبنتها في قبول عضوية المئات دون وجه حق.

العضوية حقّ مُكتسب، هكذا تقول أدبيات الأنظمة الداخلية لتأسيس الهيئات والملتقيات، بما فيها رابطة الكتاب الأردنيين، نعم هي حق مكتسب إذا جاءت من بابها الشرعي، أو بابها الذي يقف عليه حرّاس الفعل الإبداعي والعمل النقابي، ولكن أن تجيء وفق معطيات الدورات الانتخابية التي تحاول جاهدة أن تضيف لصناديقها أصواتاً تملأ لوحة الحسابات بأرقام تؤهلها للوصول إلى سدّة الإدارة، فهذا ما سنبحثه في هذه العجالة، من خلال سرد مسيرة الرابطة منذ تأسيسها ولغاية دورتها الحالية التي تعقد الجمعة المقبلة في التاسع من شهر أيلول.

منذ عام 1974م، أي، منذ لحظة التأسيس، والرابطة تعيش لحظات التحشيد، ففي البدايات، وحسب ما سمعت من أعضاء قدامى، أعضاء عايشوا مرحلتها الأولى، فتح باب الانتساب إلى فضائها دون الرضوخ إلى تفصيل مادة تحاول أن ترفد الرابطة بمن يستحق عضويتها، إذا ما علِمنا أنها الممثل الشرعي للعملية الإبداعية على مستوى العالم، ففي تلك الحقبة، فتح الباب على مصراعيه لكل من يدرّس اللغة العربية في المدارس ليكون عضواً، مما فتح المجال أمام الأحزاب السياسية التي كانت محظورة آنذاك، للدفع بأعضائها ليكونوا أعضاء (سيو ثقافيين) إذا جاز التعبير،?واستمرت هذه الحالة، إلى بدايات الثمانينيات، فبدأت الحالة تخفّ تدريجياً، ويعود ذلك، حسب أعضاء قدامى أيضاً، إلى محاولة تقليل تفشي منظومة (السيو ثقافيين) التي بدأت تختلط اختلاطاً ممنهجاً وغريباً أدّى إلى تقوقع الرابطة، وتحيّزها إلى فكرة الحزب لا فكرة الإبداع وتجلياته.

بعد تفشي هذه المنظومة التفت عدد من المبدعين إلى خروج قاطرة الفعل الإبداعي عن سكته المرسومة في ذاكرة المبدعين، فظهرت محاولات جادة للحدّ من قبول العضوية، حتى أن المبدع صاحب المؤلف أو المؤلفين، وربما الثلاثة المطبوعة وليست المخطوطة، أصبحت العضوية له حلما، خاصة إذا ما عرفنا، أنه من الصعوبة بمكان أن يقبل الطلب من المرّة الأولى، وربما الثانية والثالثة أيضاً، وهذا ما حدث مع كثير من المبدعين المؤثرين على الساحة الأردنية والعربية.

في العام 1989م، وبعد إغلاق الرابطة من قبل الدولة الأردنية، وتأسيس اتحاد الكتاب الأردنيين، وانتساب عدد لا بأس به من مبدعي الرابطة إلى الاتحاد، برزت قضية أرّقت القائمين على شؤون الرابطة، بعد عودتها إلى الحياة، وهي ازدواجية العضوية بين الكيانين، ما دعا الرابطة إلى حسم هذه القضية بقرار يمنع الازدواجية بين هذين الكيانين، ووجهت بذلك رسائل إلى أعضائها الذين انتسبوا للاتحاد، مفاده، إمّا عضوية الرابطة أو عضوية الاتحاد، مما حدا بعدد لا بأس به من تقديم استقالاتهم من الاتحاد والعودة إلى الرابطة، وعودة الحياة لها.

من هذا المنطلق، بدأت الإشكالية تتكشّف، وزاد الطين بلّة، بعد فتح الباب على مصراعيه أمام تشكيل الهيئات والملتقيات الثقافية، فأصبح انتشارها الطفيلي ظاهر للعيان، وبدأت عملية التفريخ والتناسل الذي أسهمت وزارة الثقافة واتحاد الجمعيات في تفشّيه، فأصبح عضو الرابطة عضواً في أكثر من منتدى أو ملتقى، وأصبحت الأمسيات تنتشر طفيلياً على مساحة الوطن، وأصبح توقيت الأمسيات والندوات يتعارض في كثير منه مع توقيت أمسيات وندوات الرابطة، مما أفرغ الرابطة من جمهورها.

عودة للمعضلة التي لم تتنبه إداريات الرابطة المختلفة لخطورتها، معضلة هذا التناسل غير الطبيعي لمثل هذه المنتديات، ففي بدايات ثمانينيات القرن الماضي، كانت أمسية واحدة للرابطة كفيلة باستدراج جمهور كبير، لا يقلّ عن المائة شخص، كما هو حال فرع كتّاب إربد في تلك الحقبة، إذ لم يكن أمام العاشق للإبداع والثقافة، أو الموهوب، أو المبدع، إلا باب الرابطة يطرقه، ويمارس هوايته، إلى أن يصبح عضواً عن استحقاق، من هنا، فإذا كانت الإدارات التي تتنافس على كراسي الهيئة الإدارية عازمة على عودة الحياة إلى الرابطة، وقبل البحث في الأ?ور المالية، والمقر، وغير ذلك من الأمور المستحقة للرابطة على الدولة، أن تمارس أحقيتها بالحفاظ على مكتسبات وجماهيرية الرابطة والتي بدأت تتلاشى أمام الفوضى التي أحدثتها الهيئات الأخرى، علما أن أعضاءها ومؤسسيها في الغالب هم من أعضاء الرابطة، فأصبح الولاء للهيئات التي ربما أشبعت غريزة الأنا المتضخمة عند البعض، عليها إذن أن تمارس الفعل نفسه مع الذي أحدثته عند تأسيس الاتحاد، من خلال ضغطها بقرارها عدم الازدواجية، مما ساهم في عودة الكثيرين كما أسلفنا.

نحن مشكلتنا تقع في هذا الإطار، وهي المشكلة التي تحدثت فيها مع أكثر من مسؤول، حول تفريخ وتناسل الهيئات، وضرورة تقنين هذا القانون، وعدم السماح بالفوضى، إذا أردنا خلق بيئة صالحة للثقافة والإبداع، ففي إربد المدينة توجد ما يقارب 48 هيئة ثقافية، جلّها تناسل من الهيئة الأولى، بعد خصام على مكاسب معينة، أو خصام بعد انتخابات، هذه الهيئات جميعها ينظم أمسيات وندوات، لا يحضرها إلا أعضاء الهيئات الإدارية وبعض المقربين منهم.

يرى بعض المبدعين أنه من الضروري أن يتم توحيد الجهود، وأن لا تبقى الأبواب مشرعة دون جدوى، فلماذا لا يتم دمج الهيئات المعنية بالإبداع الكتابي في هيئة واحدة، والهيئات التي تعنى بالفن التشكيلي في جمعية واحدة، والمسرح والتراث والفرق الفلكلورية كذلك على مستوى المدينة، وقد أومأ بذلك وزير الثقافة في إحدى جولاته، فهذا من شأنه أن يقود المؤسسات الرسمية والبلديات إلى توفير دعم مالي كاف، بدل أن يتم تقسيم مثلاً مبلغ 4000 دينار على 48 هيئة، يوزّع هذا المبلغ على هيئتين أو ثلاث بالكثير، أما على مستوى المملكة فقد بلغ مجموع ?لهيئات المسجلة في وزارة الثقافة ما يزيد على 600 هيئة، تدعم الوزارة هذه الهيئات كل بداية سنة مالية، وتوزع مبالغ طائلة عليها جميعاً من خلال المعونات السنوية للهيئات الفاعلة والتي تقدّر ب 300 ألف دينار، فإذا ما حصرت هذه الهيئات وفق برمجة التخصص لكل هيئة، فسيساهم هذا أيضاً في زيادة المورد المالي الذي تحصل عليه الهيئات المدمجة من قبل الوزارة.

ويوضح مبدعون آخرون أن الكثير من أعضاء الرابطة إذا ما اختلفوا مع هيئاتها الإدارية، يسارعون إلى إنشاء هيئة ثقافية جديدة، تسحب مع الأخريات البساط من تحتها، والأمثلة على ذلك كثيرة، فيما يلفت آخرون النظر إلى أن قانون الجمعيات والهيئات ساهم في هذا التشرذم، وأوقع الفعل الثقافي والإبداعي تحت ماكينة التفتُّت وتوزيع الجهد، مما خلق بيئة غير صالحة لتشكيل ثقافة حقيقية، وما توزيع الألقاب والشهادات التكريمية وشهادات ما يسمى دكتوراة فخرية، وما يسمى شاهدات إبداعية، وأوراق نقدية ساهمت في عملية الهبوط والانحدار، عن أعيننا بب?يد.

ويؤكد آخرون أهمية أن تعمل وزارة الثقافة، وهي صاحبة الولاية على من يقع تحت رايتها، على دمج الهيئات ذات الشأن الواحد، وأن تضغط باتجاه تحقيق هذا، وعلى رابطة الكتاب الأردنيين أن تمارس حقّها في الحفاظ على أعضائها ضمن بيتها الواحد، وأن تسعى إلى إقرار قانون عدم الازدواجية، ففي هذا عودة الروح للرابطة وأنشطتها، وفي هذا أيضاً إمكانية التخلّص مع الحمولة الزائدة التي تعاني منها والتي نافت عن ألف عضو.