عمان - جوان الكردي

مجالات العمل التطوعي لا حصر لها. وما يميزه أن بإمكان أي شخص أن يجد العمل التطوعي الذي يتوافق مع رغباته وقدراته وإمكاناته، وحتى وقته وظروفه الحياتية والمعيشية.

ولعل أكثر الناس قدرة على العطاء والبذل في مجالات العمل التطوعي هم الشباب؛ فهم الأكثر امتلاكا للطاقة اللازمة للعمل، وهم الأكثر انفتاحا على الحياة، والأبعد عن مشاغلها ومسؤولياتها، خصوصا إذا كانوا لم يرتبطوا بعلاقات الزواج ولم يتحملوا بعد مسؤولية إنشاء أسرة.

ولعل الأكثر قدرة على الانخراط في العمل التطوعي هم أولئك الذين لم يجدوا بعد فرصة عمل منتظم ودائم، ويبحثون عن واحدة، شريطة توافر الإرادة الكافية.

إذ أن العمل التطوعي يفيد هؤلاء (المتعطلين عن العمل) في ملء أوقات فراغهم الطويلة، وإبقائهم على تواصل مع المجتمع المحيط بهم، وربما، إذا كانت طبيعة العمل التطوعي الذي ينخرطون به قريبة من مجال تخصصهم؛ تجعلهم على صلة مستديمة بالتخصص وتمنحهم تجربة وخبرة تفيدهم لاحقا. وفي جميع الأحوال، يمنح العمل التطوعي هذه الفئة من الشباب تجربة مفيدة ومعارف توسع مداركهم وآفاقهم وتجعلهم أكثر قدرة على التعامل بحيوية مع المشكلات التي تواجههم في مسيرتهم الاجتماعية والمهنية مستقبلا. والأهم من ذلك؛ أن العمل التطوعي يمنح هذه الفئة (الواسعة جدا) من الشباب إحساسا عميقا بجدوى وجودهم وفاعليتهم في المجتمع، حتى وإن كانوا متعطلين عن العمل، وحتى إن كان هذا العمل بلا أجر.

بيسان يوسف (29 عاما) وهي خريجة إدارة نظم وشبكات الأعمال من جامعة فيلادلفيا سنة 2012، من الشابات اللواتي لم يرتضين الجلوس في انتظار فرصة عمل، وأشغلت نفسها بالعمل التطوعي الذي تقول أنها وجدت ذاتها من خلاله. وساعدها في ذلك أنها نشأت في منزل يحب العمل التطوعي «من خلال والدتي الاخصائية الاجتماعية التي زرعت حب العطاء فينا». غير أن بيسان لم تكن على الدوام بلا عمل، بل هي بدأت رحلة عملها 2013 في أكاديمية للتدريب وعملت في تخصصها في تنسيق وبيع الدورات التدريبية. بعد ثلاث سنوات من العمل تركت العمل وذلك لضغوطات عديدة «شخصية ومن العمل». هنا، تقول بيسان: «بدأ التحدي والصعوبات.. اعتقدت في البداية أني سأجد عملا وكان لدي رفض شديد ان اكمل في مجال التدريب, لم تكن هناك إمكانية لإكمال دراستي العليا.. هذا أحد التحديات ولم أجد وظيفة مناسبة. من خلال وسائل التواصل الاجتماعي علمت بيسان بمبادرة «بصمتك حتعلم» التي تنفذ في مخيم غزة بجرش. وهي مبادرة بدأت من خلال طلاب الجامعة الألمانية الأردنية التي ترجمت شغفهم, إلى الآن من خلال أجيال عديدة. «بصمتك حتعلم» عمرها ثماني سنوات من عطاء وحب الشباب الأردني، وتشمل العديد من المشاريع التي تغطي المخيم (برنامج الأنشطة والفعاليات التي يتم من خلالها عمل أنشطة لجمع المال اللازم لتنفيذ هذه المشاريع والبرامج, ومنها «إبدأ في صحتك» وهو على الجانب الطبي, و«شمسنا» وهو برنامج موجه للاطفال).

عندما سمعت بيسان بالبرنامج قررت بلا تردد الالتحاق به لشغفها وحبها العميق للاطفال وإيمانها الشديد بأن الطفل في الصغر يمكن غرس المبادىء لديه وأن يكون شخصا ايجابيا منتجا فيما بعد كما هي فكرة برنامج «شمسنا».

في عام 2015 بدأت مع فريق شمسنا (ضحى الدايم وهي المؤسس لفكرة البرنامج، معلمة 30 , صفا عبيد محاسبة 25سنة, منى الفايز 24 سنة مصممة ديكور, سند جوابرة 20 سنة طالب في الجامعة الالمانية).

خلال هذه الفترة كانت بيسان تعمل، ولكن لفترات قصيرة، وعملت في عدة مجالات على أمل أن تجد الوظيفة المناسبة.

وفي ذات الوقت استمرت في العمل التطوعي ببرنامج (شمسنا) الذي تم تبنيه من خلال مدارس المونتسوري بتأمين المواصلات والصفوف وكل ما يلزم لنجاح المبادرة لـ30-40 طفلاً كل سنة. وكانت هي وباقي الفريق في كل عام «نعمل على تطوير البرنامج للاطفال ونلاحظ الفرق من بداية العام الى نهايته في مستوى الأطفال». لتحفيز الأطفال وتعليمهم العلم والمهارات الحياتية بطريقة جديدة غير تلقينية في كل يوم سبت على مدار العام الدراسي في مدارس المونتسوري. 2017 وجدت منشورا عن برنامج «شبابنا قوة» الذي يختص بالشباب ومن خلال التطوع قدمت للبرنامج وكتبت شغفي وحبي للعمل التطوعي مع الأطفال وبناء عليه تم قبولي في اللجنة الاستشارية للبرنامج وكان لنا دور في التطوير وإضافة اللمسة الشبابية للمشروع ومن خلاله تعرفت على طاقات شبابية ايجابية من جميع المحافظات. وبعد هذه المدة في برنامج «شبابنا قوة» أتيحت الفرصة لبيسان لكي تنخرط في تدريب المدربين (الميسرين) في مرحلة نقل المعرفة وشاركت في التدريب بمنطقة القويسمة بعمان.

التحديات عديدة ومتنوعة بالنسبة لها.. «من إنسانة تركت العمل إلى إنسانة تعمل في المجال التطوعي إلى حين أجد الفرصة التي تتناسب مع قدراتي وتخصصي».

وهي كانت ترى وتلاحظ في عيون الكثيرين «عدم التقدير لأنني عالة على المجتمع». ولكنها في كل يوم ترى أنها ستعود كما كنت من قبل فاعلة وستكون رسالتي التطوعية معي أينما ذهبت.. وعندما تتحسن الظروف أتمنى أن أكمل مسيرتي العلمية وأكون على رأس عملي في ذات الوقت».

من خلال مشاركتها في اليوم العالمي للشباب أخيرا، تعرفت بيسان على قصص نجاح شباب وشابات من المحافظات التي «من خلالها أدركت أن لكل شخص توجد نقطة انطلاق وتحد.. لكي نفكر في كيفية نشر العلم والمعرفة.. وأكدنا هنا دور وسائل التواصل الاجتماعي لعمل منشورات وتنفيذ ورشات تدريبية والإعلان عنها وتأكيد دورنا كشباب لتطوير مجتمعاتنا المحلية».

خلاصة تجربة بيسان تلخصها بمخاطبة نظرائها من الشباب والشابات «أن تسعى في أي عمل ولو لمدة قصيرة بدون عائد مادي.. اسعَ وأنجز هذا العمل وستشعر بالسعادة وستدرك بعد فترة طويلة أو قصيرة أنها ستفتح لك العديد من الأبواب».