أبواب -د. عامر العورتاني

«الانسان مدنيّ بطبعه» عبارة ترددت على لسان كثير من علماء الفلسفة والنفس والاجتماع، فالكائن البشري يخضع لتأثير المجتمع الذي يعيش فيه، كما أنه في حاجة دائمة للاتصال بالجماعة لاشباع حاجاته الفطرية الطبيعية ما أدى الى ظهور الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وهي بدورها ستحدد موقع الفرد من المجتمع ومكانته فيه سلباً أو ايجاباً.

ولا شك أن المنهج العلمي السليم يقتضي أن ننطلق من فهم شامل لماهيّة الانسان وكيفية تكوّن مواقفه من نفسه وعالمه الماديّ والانسانيّ حتى نتمكن بالتالي من تناول القضايا الانسانية المختلفة بالدراسة والتقصي.

أخصائي علم الاجتماع

ومن الجليّ أن المجتمعات الانسانية المعاصرة باتت تشهد تطورات غير مسبوقة في جميع المجالات والتي تستند في مجملها الى التقدم التكنولوجيّ والذي يتميز بسهولة التواصل الاجتماعي في ظل غياب حواجز الزمان والمكان في العالم الافتراضي الذي يتيحه الانترنت، ما جعل وسائل التواصل الاجتماعي فضاء رحباً أزال كل اعتبار للحدود السياسية وقلل من أهمية التقارب الجغرافي بعيداً عن أطلس الكرة الأرضية، كما أدى الى خلق بيئة انسانية يتشارك فيها الجنس البشري القيم والمعتقدات والأفكار غير آبهٍ لما يسود المجتمعات من خصائص قيمية تميزها عن بعضها البعض، مما يعني أن الأجيال المعاصرة من الشباب - وهي أكثر من يتقن لغة التواصل الاجتماعي التي فرضتها تكنولوجيا القرن- تضعنا أمام اشكالية التغير في منظومة القيم التي تتبناها هذه الأجيال، مما يجعل المعركة القادمة وجوديّة في ظل اختلاط الثقافات واندماج الهُويّات الحضارية المختلفة.

والقيم تشكل الاطار المرجعيّ للسلوك الفرديّ، فهي تمثل المبادئ والمعايير المُسَلّمِ بها بين جميع أفراد المجتمع أو غالبيتهم من خلال عملية الانتقاء التي يقوم بها الفرد خلال تفاعله مع عدد متنوع من المواقف بحيث تكشف عن اتجاهاته الشاملة، أي أنها عملية يقوم بها الفرد وتنتهي باقرار موقف أو موضوع ذي صيغة اجتماعية بالقبول أو الرفض، فالقيمة اذاً بؤرة تتجمع حولها الاتجاهات التي تمثل موقف الشخص الحالي بالقبول أو الرفض للقضايا التي تهمه بناءً على خبراته المكتسبة من مواقف الحياة المختلفة في اطار البيئة التي يعيش فيها من خلال السلوك اللفظي أوالعملي.

وللقيم أهمية كبرى في حياة المجتمعات والأفراد، فهي تؤثر في سلوك الأفراد واتجاهاتهم، وعلاقاتهم داخل المجتمعات وخارجها، أي أنها جزء مهم في التنظيم الذي يضبط أو يوجه سلوك الفرد ويعكس حاجاته واهتماماته، وهي تحدد معالم الفلسفة العامة أو الأيدولوجية للمجتمع فالقيم انعكاس للطريقة التي يفكربها أبناء المجتمع أو الثقافة المشتركة، لذا فان الغاية الأسمى للقيم تتمثل في المحافظة على تماسك المجتع وسلامته، اذ لا توجد حياة اجتماعية بغير القيم فهي احدى الأدوات المهمة لجعل النظام الاجتماعي قادر على الاستمرار وتحقيق أهداف المجتمع، بل انها تشكل وسيلة أساسية لمساعدة أفراد المجتمع على ادراك الأحداث والمواقف وبالتالي تحديد نوع الاستجابة لهذه المواقف، الأمر الذي يعمل على خلق الوحدة والتكامل داخل المجتمع.

ان من أهم خصائص القيم هو نسبيّتها الزمانية فهي تختلف من وقت لآخر ونسبيّتها المكانية والتي تتمثل في اختلافها من مجتمع لآخر، لذا فان التغير في البناء الاجتماعي وما يتضمنه من تغير في مراكز الأشخاص أو القيم التي يتبنونها هو ما يجعلنا نضع منظومة القيم السائدة في المجتمع في ظل العناية الحثيثة - لاسيما لدى الشباب - لرصد حركاتها واتجاهاتها و تأثرها وتأثيرها في أنواع التغيرات الأخرى الطارئة، والمؤكد اليوم وفي ظل انتشار تكنولوجيا الاتصالات أن مجتمعاً ما على سطح الكوكب لم يعد بمنأى عما تخلفه مفاهيم هذه التكنولوجيا على منظومة القيم التي تسود المجتمعات المختلفة بشقيها السلبي والايجابي، مما يعرض السمات الثقافية التي تميز مجتمعنا للخطر جراء الاعتماد على نماذج ثقافية مستوردة تعكس قيماً واتجاهات غربية بحكم طغيان تأثير الأمم القوية على ثقافات الشعوب الأخرى.

لقد شهد المجتمع خلال السنوات الأخيرة العديد من مظاهر التحول والتغير التي شملت معظم مجالات الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، مما كان له أثر واضح على العديد من الأطر القيمية التي يتبناها الأفراد ومن ثم انعكاس هذا التغير في النسق القيمي على بعض أنماط السلوك، حيث بدأت مشاكل السلوك تطفو على سطح القيم الاجتماعية عندما بدأ الاضطراب يصيب القيم الاجتماعية لدى الشباب وبدرجات متفاوتة، الا أن الحالات الشديدة من هذا التغير تسمى بالانحراف الاجتماعي، وذلك عند خروج الفرد بشكل غير طبيعي عن الأطر التي حددتها القوانين السائدة في المجتمع على اختلاف مصادرها كالأعراف والأخلاق والدين.

ونحن اليوم وأمام المد الهائل والمتنوع من القيم العابرة للقارات نقف أمام عدد من الظواهر الاجتماعية التي تمثل تغيراً ملموساً في منظومة مجتمعاتنا القيمية، فالتعليم لم يعد الوسيلة الوحيدة لغرس قيم المجتمع في النشئ فقد أصبح التعليم قابلاً لأن يكون ذاتياً، وعلى مستوى اللغة والتي يفترض أنها وسيلة التفاهم المشتركة باتت تتعرض اليوم لامكانية التقولب على منصات التواصل الاجتماعي بقالب جديد حيث يتداولها الشباب بحروف وأرقام انجليزية تقرأ باللغة العربية، كما أصبحت شاشات الكمبيوتر والهواتف الذكية مجالاً لاقامة علاقات افتراضية ما جعل الفرصة أكبر لانتشار الجرائم الالكترونية، حتى القيم السياسية لم تسلم من هذا التغير فنحن اليوم نعيش في ظل نظام عالمي أحاديّ يتنامى فيه دور المنظمات الدولية والهيئات المستقلة ويتقلص فيه دور الدول، كما أن العالم اليوم يتشارك عدداً من الظواهر الخطيرة كتجارة المخدرات والاتجار بالبشر وغسل الأموال والهجرة غير الشرعية ومشكلات العنف والارهاب، والتي تمثل أعراضاً لأمراض اجتماعية فتاكة مثل الفراغ الروحي والانحدار الأخلاقي والتفكك الأسري وطغيان عالم المادة والقيم المرتبطة به على القيم الروحية والمعايير الأخلاقية، ناهيك عن التغير في القيم الدينية وذلك من خلال بروز سلوكيات كانعدام الثقة والغش وعدم اتقان العمل وعدم الأمانة وغياب النزاهة وسوء العلاقة بين الأفراد.

بات الشباب اليوم يعاني من مشكلات نفسية واجتماعية أبرزها فقدان الهوُيّة وممارسة العنف وتعاطي المخدرات وجنوح الأحداث ناهيك عن التناقضات الفكرية والقيمية، لذا فاننا في الوقت الذي لا ننكر فيه أهمية التواصل على المستوى الانساني وضرورة التبادل الثقافي على الصعيد الحضاري، الا أنه لا بد من الوقوف بحذر أمام الكم الهائل من المتغيرات التي تتسرب الى مجتمعاتنا عبر وسائل التواصل الاجتماعي حاملة معها نذيراً بضياع الهُويّة، وتشتت شبابنا أمام العصف المعرفي المتسارع.