إربد - أحمد الخطيب

«سيكون صعبا أن تغيب ولا نراك»، بهذه الإيقاعات، والوقوف على الظبي الذي يركض في البراري، ذهب الشاعر يوسف عبد العزيز في أمسيته إلى فتنة الورد، وجميزة السهل، الأمسية التي نظمها منتدى الفكر الاشتراكي، وأدار مفرداتها هوازن الصليبي.

قرأ الشاعر عبد العزيز في الأمسية التي حضرها نخبة من محبي الشعر، باقة من القصائد التي فتحت الأبواب على الشهيد والشاعر والمرأة والبيت والموسيقى، وقصيدته الشهيرة » ضحك أسود» التي كتبها عن لوحة الفنان التشكيلي الإسباني سلفادور دالي.

يقول الشاعر عبد العزيز في قصيدة «عيسى» التي أهداها إلى روح الشهيد عيسى شماسنة، «قالت له ليمونة في السهل: ما أحلاك!!، قال النهر: خذ مائي إلى الأسماك، صاحت أمه من خلف سور الدار:، (هيه يا عيسى هيه)، والولد الصغير يخوض في الوديان، يتبع نجمة الموت المضيئة، في ظلال السرو، (هيه يا عيسى هيه)، ألقى صدره في النار، فاشتعل الدم النبوي، (هيه)، وغاصت الروح الطرية في التراب، كما تقصف دغل ورد، صفقت أضلاعه وهوى، كمهر دار في دمه، تكسر في الجهات صراخه الفضي، وانتفض العنق».

وتابع قراءته بالوقوف على أثر الحياة، وأثر الواقع، فقرأ صورة الشاعر وصورة المرأة وقصيدة الحظيرة، وغيرها من القصائد، إلى ذلك ذهب في قراءاته إلى الشارع العام حيث اللصوص، يقول في قصيدة «أرق»: «منذ سبعين عاما، لم أنم جيّدا، كنت أفتح نافذتي كلّ ليلة، وأطلّ على الشارع العامّ حيث اللصوص، واقفون لسرقة بيتي، والآن، صار عندي ثلاث نساء، وعشرون طفلا، كلّهم يسهرون معي، في انتظار اللصوص».

وقرأ الشاعر عبد العزيز قصائد أخرى، وقف معها على حجر أسود يتفتح برعم ضوء من خاصرته، الحجر الذي حط عليه العصفور وطار، ومرّ عليه الناس وهم مشغولون بطابور الخبز وفاكهة الموت، هو نفس الحجر الذي مرّ عليه الشاعر فتناوله، قبل أن يذهب إلى قراءة قصيدته «جالاتيا»، التي استفادت من الأسطورة الإغريقية «جالاتيا»، حيث نحت «بجماليون» تمثالا لامرأة وأحبها، يقول فيها: «في مرايا الكلامْ، أقمت سنة، سنة كاملةْ، ونحتّ ثلاثة أشياء: مهرا وسيفا، وسيّدة مذهلةْ، ثمّ حين انتهيت خرجنا معا للحديقةْ، أنا والمهر والسّيدة، وقد كنت بالسّيف أحرس ذاك الجنونْ، مرّ وقت طويل، كنت أنحت فيه، مناديل ناعمة وأساور، لامرأتي الوثنيّة، سرجا لمهري الجميلْ، ثم جاء الخريف أخيرا، فتثاءبت السّيدة، ومضى المهر يصهل».

ومضى الشاعر عبد العزيز إلى تتبع السيرة الذاتية شعريا، حيث رأى وهو يقلب أوراق الماضي، «خمس نساء هرمات في الأرشيف حقل زجاجات يترجرج فيها الهذيان، وسلّة أخطاء، كان العمر الوغد، يمرّ كشحّاذ، معتمر فوق الرأس حذاء، في الغرفة، حاول أن يكتب شيئا، فتحسّس بهدوء صندوق الصّورة، أغمض عينيه، فانسكبت جرّة موسيقى، واشتعل الورد على الجدران، ورفرف سرب شفاه، قربه، ما جدوى ذلك؟، قال الشّاعر، ورمى، من نافذة الغرفة قلبه».

ومع الصورة الأخيرة التي رسمها الشاعر عبد العزيز في قراءاته التي نالت استحسان الحضور، قرأ قصيدة: «موسيقى» يقول فيها: «في الغرفة، ثمّة أزهار هائجة، و ترفرف، كرسيّ يقفز قربي، وامرأة تدخل في المرآة، لقد غرق البيت بمطر هستيريّ، أيضا، وأضاء على شفتيّ الذّاهلتين، كلام الله».