عمان - شروق العصفور

بين التجميد والإلغاء يتأرجح مصير مشروع التفرغ الإبداعي، الذي شكل إطلاقه من قبل وزارة الثقافة في العام 2007، نقلة نوعية في مسار دعم المشهد الإبداعي الأردني واستجابة عملية لمطالب المثقفين والمبدعين.

مثقفون وفنانون انتقدوا تجميد وزارة الثقافة ووقفها لمشروع التفرغ الإبداعي للعام الثاني على التوالي، بسبب عدم وجود مخصصات ضمن موازنة الوزارة لدعم المشروع. مشيرين إلى أن كلفة المشروع الذي يعد أحد أوجه الدعم التي توفرها الوزارة للمثقفين، قليلة جدا إذا ما قورنت بكلفة المشاريع والمهرجانات الأخرى التي تنفذها وترعاها الوزارة. ومؤكدين أن التفرغ الإبداعي مشروع وطني رائد وأن استمراره هو من مسؤولية الوزارة، كونه يوفر بيئة إبداعية تسهم في خلق حراك ثقافي ينسجم مع الرؤية الوطنية ذات البعد الإنساني والحضاري.

وعبر المثقفون والفنانون في حديثهم لـ $، عن مخاوفهم من أن تجميد المشروع ووقفه عاما بعد عام، قد يؤدي إلى وأده وإلغائه بشكل كامل في المستقبل، بسبب التراجع المضطرد في موازنة الوزارة، وهو الأمر الذي يعبر عن عدم إدراك لأهمية الثقافة في حياة الشعوب؛ ودورها التوعوي والتنويري والبنائي في المجتمع، فالفعل الثقافي والفني لم يكن يوماً من أولويات الحكومات الأردنية المتعاقبة. معتبرين ان تجميد المشروع سيحرم المبدعين من فتح آفاق حقيقية تسهم في انجاز مشروعاتهم الإبداعية التي كان يدعمها المشروع.

ودعا مبدعون وزارة الثقافة إلى عدم المساس بالمشاريع الداعمة للمثقفين والفنانين، والتي وصفوها بالقليلة. ومطالبين بضرورة دعم الدولة لموازنة الوزارة، لتكون قادرة على استعادة دورها في دعم المشهد الثقافي والفني الإبداعي الذي يعاني العديد من الصعوبات. علما ان المشروع الذي استفاد منه 54 مبدعا ومبدعة حتى العام 2017، كان جرى تجميده في العام 2013، بسبب قيام الوزارة بتعديل النظام القديم 2007 في 2016، حيث أعيد تفعيل المشروع لعام واحد فقط (2017–2018)، بعد أن خُفض من خلال التعديل عمر المتقدم من أربعين عاما إلى خمسة وثلاثين عاما، بالإضافة إلى خفض الأعمال الإبداعية المنشورة من قبل المتقدم في الحقل الإبداعي إلى مُؤَلفين فرديين في حقل التفرغ الأدبي المطلوب، وثلاثة أعمال من الحقول الأخرى.

د. جرار: اعتراف رمزي بالمثقف

وقال وزير الثقافة الأسبق د. صلاح جرار: «ان أي امتياز يتمتع به المثقف الأردني يجب أن لا يمس؛ لقلة الامتيازات في الأساس، فليس هناك الشيء الكثير من أوجه الدعم ليمنح للمثقف ويخصص لوزارة الثقافة نفسها؛ لا بالنشر ولا المكافآت ولا الرعاية الإ القليل والنادر، فلا يجوز أن نقترب من النادر أو نمسه». موضحا «ان المبالغ التي كانت تخصص لمشروع التفرغ الإبداعي، هي مبالغ قليلة يفترض أن لا تؤثر على ميزانية الدولة أو الوزارة». ومؤكدا «أن الإبقاء عليها اعتراف رمزي بالمثقف وضرورة دعمه».

وأكد د. جرار أن التراجع في موازنة وزارة الثقافة يعبر عن عدم إدراك لأهمية الثقافة في حياتنا، مضيفا «لو كنا ندرك أهمية الحركة الثقافية التوعوية والتنويرية والبنائية في حياتنا لما اقتربنا منها ولا مسسناها؛ على العكس يجب أن نقدم لها المزيد للمساهمة في بناء الأجيال والمجتمع».

النوايسة: ابتعاد المثقفين وهجرتهم

من جهته قال المؤلف نايف النوايسة: «أنا ممن استفاد من مشروع التفرغ الإبداعي، وممن كان له دور في إقراره عندما كنت عضوا في اللجنة العليا للثقافة في وزارة الثقافة، بإعتبار أن هذا المشروع يعطي فرصة للمبدع والمثقف الحقيقي بأن يقدم أفضل ما لديه، كما تساعد المكافأة المبدع للتحسين من وضعه؛ هذه هي فلسفة المشروع الرئيسية، لكننا لاحظنا أن وزارة الثقافة انزوت إلى الظل بالنسبة لهذه المشاريع، والسبب في ذلك هو ان موازنتها أصبحت من أقل موازنات الوزارات في الدولة، لا بل أقل من موازنة مهرجان من مهرجانات الدولة».

وبين النوايسة: «حينما كان هناك وفرة من المال في وزارة الثقافة، كان المثقف والمبدع يقترب من منها، ويقدم ما لديه من مشاريع ابداعية، ولكن عندما أصبح دورها هامشيا واكتفت من حضورها القوي عند المثقف، أصبحت وزارة ترضية للبعض، الأمر الذي دفع المبدع للتفتيش عن نفسه في مؤسسات أخرى أو حتى خارج الوطن».

وأكد النوايسة ضرورة «دعم وزارة الثقافة لاعادة حضورها الحقيقي كوزارات الثقافة في الدول المتقدمة، والتي لا ينال شرف العمل بها إلا المتميزين من أبناء أي بلد»، مضيفا «ما نلاحظه على وزارة الثقافة الآن هو كثرة الموظفين الذين يمكن أن يقدموا أفضل في وزارات أخرى، لكن ليس على حساب الثقافة والفن».

وتابع النوايسة بالقول: ان دور وزارة الثقافة المتراجع في هذا المشروع يلفت نظر كل المثقفين، خاصة بعد أن خطت خطوات إيجابية وملموسة في مجال التفرغ الإبداعي والكثير من المشاريع التي تم إقرارها.

وطالب النوايسه بأن «تُرفع موازنة الثقافة لتستوعب الكثير من طروحات المثقفين بالأردن، بدل أن تذهب جهودهم إلى أطر غير فاعلة، وأن لا تذهب مخصصات الوزارة إلى العديد من المهرجانات التي لا تقدم ولا تؤخر في الثقافة شيئاً».

وزاد النوايسة ان مطلب المثقف والمبدع هو أن تكون له وزارة حقيقية، وأن تكون بالقوة الكاملة بحيث تستوعب الكثير من الرؤى والإبداعات، وأن تكون لكل المثقفين الأردنيين.

وأشار النوايسة إلى دور مديريات الثقافة التابعة لوزارة الثقافة «وهو دور أقوى من دور الوزارة نفسها، حيث يجد المثقف أريحية كاملة في التعامل مع مديريات الثقافة أكثر من الوزارة، التي بدأت تنطوي على نفسها»، مضيفا «لا ألوم الوزارة في ذلك، بسبب قلة ذات اليد تجعل الإنسان يتوارى عن الأنظار».

وختم النوايسة بالقول: «حاليا اتمنى لوزارة الثقافة أن تكون البيت الحقيقي لكل المثقفين».

د. عبد الخالق: دعم المبدعين أولوية

من جهته قال عميد كلية الآداب والفنون في جامعة فيلادلفيا د. غسان عبد الخالق: ان «أولوية ميزانية وزارة الثقافة يجب أن تتجه نحو دعم المبدع مباشرة من ضمن مشروع التفرغ الإبداعي، شريطة أن يدار هذا المشروع بطريقة عادلة ونزيهة وشفافة، وأن لا يكون المشروع رهنا لبعض المعادلات والأهواء».

واكد د. عبد الخالق أن «المشروع من أفضل المشاريع التي تم إقرارها في الوزارة على إمتداد السنوات السابقة، لكن ربما ان إدارة المشروع لم تكن شفافة، مما أثر ذلك على المشروع ونزاهته».

وأوضح د. عبد الخالق أن «دعم المثقفين هو حق مشروع، لكن للأسف حتى في وزارة الثقافة أولوية دعم الكاتب تتراجع».

عمايرة: غياب الأسس والمعايير

من جهتها أكدت الكاتبة جميلة عمايرة أن «مشروع التفرغ الإبداعي لا يقوم على أسس وايمان بالمبدع الأردني بالنسبة للدولة، فكلما جاء وزير أو أمين عام يقوم بتغيير الأسس والمعايير التي يقوم عليها المشروع بحسب رؤيته».

وزادت العمايرة بالقول: «وزارة الثقافة مقصرة في رعاية المثقفين والمبدعين والفنانين».

أبوحلاوة:صناعة الإبداع خاسرة

أما رئيس رابطة الفنانين التشكيليين كمال أبو حلاوة فقال: «أن صناعة الإبداع والثقافة هي صناعة خاسرة بشكل عام في الأردن، بسبب غياب المعايير العادلة في توزيع الجوائز والمكتسبات واوجه الدعم».

وأوضح ابو حلاوة بأن «وزارة الثقافة ليست معنية بدعم الثقافة، وإنما بتنظيم النشاطات، في ظل تراجع الدعم المقدم من قبل المؤسسات والهيئات الخاصة».

ودعا ابوحلاوة «إلى ضرورة تشريع الأمور وضبطها في الوزارة، لأن الوزارات ومنها وزارة الثقافة هي جهات تنفيذية وليست تشريعية».

مدانات: عدم توافر المخصصات

وردا على تساؤلات $، حول المستجدات التي أدت إلى تجميد ووقف مشروع التفرغ الإبداعي للعام الثاني على التوالي، قال مسؤول مشروع التفرغ الإبداعي في وزارة الثقافة عماد مدانات: ان «وزارة الثقافة اضطرت لوقف مشروع التفرغ الإبداعي للعام الثاني على التوالي بسبب عدم توفر المخصصات اللازمة في موازنة الوزارة، وهي التي تم تقليصها من قبل الحكومة، مما اضطر الوزارة إلى وقف عدد من المشاريع الثقافية».

وأضاف مدانات: «أن الوزارة تسعى على الدوام إلى دعم المشهد الثقافي الإبداعي الأردني، وفق الإمكانات المتاحة لديها».

وأكد مدانات سعي الوزارة للعمل على توفير المخصصات اللازمة لمشروع التفرغ الإبداعي في موازنتها للعام المقبل.

يذكر ان نظام التفرغ الابداعي الذي استفاد منه 54 من المبدعين حتى العام 2017، كان أُقر في عهد وزير الثقافة الاسبق د. عادل الطويسي، ليتم تجميده عام 2013 بسبب «أن فئة معينة ومحصورة من المبدعين كانت تحتكر الإبداع في الأردن» وفقًا لما صرّحت وزيرة الثقافة آنذاك لانا مامكغ، حيث جرى التعديل على النظام القديم 2007 في 2016، لينطلق العمل بالمشروع من جديد العام 2017، وخُفض من خلال التعديل عمر المُتقدم من أربعين عامًا إلى خمسة وثلاثين عامًا، بالإضافة إلى خفض الأعمال الإبداعية المنشورة من قبل المُتقدّم في الحقل الإبداعي إلى مُؤَلَّفين فرديين في حقل التفرغ الأدبي المطلوب، وثلاثة أعمال من الحقول الأخرى.

وتم تقسيم مدة التفرغ الى فترات بحسب حجم ومتطلبات المشروع وبحسب المدة الزمنية الى ثلاث فئات: تفرغ لمدة سنة كاملة (15000) دينار، وتفرغ لمدة ستة أشهر (7500) دينار، وتفرغ لمدة ثلاثة أشهر (3500) دينار.

كما تم فصل اللجنة التنظيمية التي يترأسها وزير الثقافة عن اللجان الفنية، حيث يتم تشكيل لجان فنية متخصصة لكلّ حقل من الحقول، وهي التي تدرس مشاريع التفرغ وتنسب بشأنها قبولًا أو اعتذارًا، وتنسب بالمدة الزمنية اللازمة لإنجاز المشروع، وتتابع مراحل تنفيذ المشاريع التي تم إجازتها من قبلهم، وهي من يقرها بشكلها النهائي بحسب الشروط، علمًا أنّ اللجان الفنية ستكون من ذويّ الاختصاص والتميز والثقة والخبرة في كلّ حقل من الحقول الإبداعية.

وهدف المشروع عند اطلاقه الى خدمة المثقف والفنان، من خلال تفريغ عدد من المبدعين وتخليصهم من ضغوطات الحياة اليومية وتمكينهم من إنجاز مشاريعهم الإبداعية في مناخ مناسب وبعيدا عن الضغوطات المختلفة. بحيث يتفرغ تماما، سواء كان موظفا حكوميا أو في عمل خاص، ومن يخل بشروط عقد التفرغ فإن هذه الشروط الواردة فيه تجيز سحب التفرغ منه.