أبواب - وليد سليمان

موسى العبسي إعلامي وصحفي أردني عريق.. عاش في الفترة ما بين 1920 – 1977, حيث درس طالباً في مدارس عمان والقدس, وعمل صحافياً أثناء الحرب العالمية الثانية, حيث كان يُزوِّد بعض الصحف المصرية مثل «أخبار اليوم» و«روز اليوسف» بالأنباء والتعليقات والتصحيحات عن قضية فلسطين.

وخلال فترة خمسينيات القرن الماضي عمل في عمان بعدة صحف يومية وأسبوعية أردنية مديرأً و صحافياً ومترجماً, ومنها:

جريدة «النهضة» اليومية والتي أصدرها اسماعيل البلبيسي منذ العام 1949واستمرت لأقل من عامين. وجريدة «الحوادث» الأسبوعية التي أصدرها مسلم بسيسو منذ العام 1951 واستمرت حتى العام 1954. ومجلة «حول العالم» الأسبوعية التي أصدرها صبحي زيد الكيلاني في العام 1950 واستمرت حتى العام 1961.

ومن نشاطات العبسي الإعلامية الأخرى قديماً أنه عمل مذيعاً ومترجماً في إذاعة صوت أميركا في جزيرة رودس اليونانية لمدة عامين في الستينيات. وعمل ضابط علاقات صحفية في دائرة العلاقات العامة بالجامعة الأردنية.

ثم انضم الى جريدة الدستور الأردنية منذ العام ١٩٧٣حيث أشرف على قسم التحقيقات الدولية, حتى رحليه عن الدنيا في أواخر سبعينيات القرن الماضي.

مؤخراً.. وفي لفتة إرشيفية مهمة قام نجل هذا الصحفي وهو «سامي موسى العبسي» بإظهار بعض كتابات ومقالات والده الصحفية والمتنوعة من سياسية واقتصادية واجتماعية وفنية, تلك التي كان والده قد كتبها في العديد من الصحف الاردنية قديماً.

والمدهش منها هنا أنه كتب العديد من المقالات السينمائية للأفلام التي كانت تُعرض في بعض دور السينما في العاصمة عمان, عبر زاوية فنية كانت بعنوان في دور السينما» وبالذات في جريدة الحوادث الأسبوعية, وذلك خلال العامين 1951–1952.

ومن تلك الصالات ودور العرض السينمائية التي تناول أفلامها العبسي بالعرض والنقد والتحليل كانت: سينما الفيومي, وسينما الأردن, وسينما بسمان.

سينما الفيومي

مقابل البنك العربي في شارع الملك فيصل الأول كان يقع مقر سينما «استوديو الفيومي» التي أسسها الشقيقان عبد الرزاق وعبد الغني الفيومي في عمارة قردن في العام 1947، حيث عرضت العديد من الافلام العربية مثل «بلبل افندي» لفريد الاطرش وصباح، وبعض الافلام اللبنانية المصرية المشتركة، والاجنبية مثل: جيلدا للنجمة العالمية الامريكية ريتا هيوارت.

ومما يُروى عن هذه السينما أنها استأجرت ذات مرة طائرة عمودية لتحلق فوق العاصمة عمان وهي تعرض لوحة قماشية كُتب عليها اسم الفيلم الذي سوف تعرضه هذه السينما بعد أيام.

ثم ذهب عبد الرزاق الفيومي ليؤسس دار «سينما الفيومي» والتي أصبح اسمها فيما بعد «سينما الخيام الكبرى» على سفح جبل اللويبدة.. أما شقيقه فقد غيَّر اسم سينما استوديو الفيومي الى اسم سينما «الفردوس» واستمرت هذه السينما عدة سنوات الى ان أغلقت ليتم تحويلها الى مقهى شعبي شهير اسمه «مقهى العاصمة» للأدباء والمثقفين, وقد تم هدم العمارة التي كان بها مبنى المقهى والسينما قبل نحو (25) عاماً، وأقيمت عمارة حديثة مكانها الآن.

رجال على رمال

أما ما جاء في جريدة الحوادث من خلال زواية في دور السينما للناقد السينمائي العبسي بتاريخ 18/1/1952 حول أحد الافلام التي شاهدها الجمهور الاردني في تلك الفترة على شاشة سينما الفيومي فقد كان حول فيلم أميركي يتحدث عن معركة أيوجيما الشهيرة, والتي وقعت على جزيرة يابانية خلال الحرب العالمية الثانية، بين القوات الأمريكية والقوات اليابانية، والتي اعتبرت من أشرس المعارك في التاريخ الأمريكي خاصة والحربي عامة.

ومما كتبه العبسي حول هذا الفيلم ما يلي:

إن قصة فيلم رمال أيوجيما كانت أحق بأن تدعى رجال على رمال أيو جيما.. فلم نر ممثلين تلاحقهم الكاميرا, بل رأينا رجالاً يرتفعون برجولتهم الى مصاف أبطال الخرافات والمعجزات، رأينا الانسانية المعذبة والخوف يسيطر على القلوب.. رأينا التضحية بالنفس وهي أسمى التضحيات.. والوطنية الحقة العاملة بصمت.. ورجالاً يعرفون الواجب ويعرفون كيف يُنفذ.. لقد شاهدنا فيلماً وإخراجاً تحف به الاساطيل وتواكبه الجيوش والمدفعية.

وفي هذا الفيلم كان الجندي يًقدِّر قيمة الرصاصة الواحدة.. ويتعلم كم تساوي الدقيقة الواحدة! وكم تكلف من أرواحٍ إذا لم تُبذل في حينها بكل دقة وإحكام.

وكم أسعدني أن لاحظتُ الكثيرين من ضباط جيشنا مقبلين على مشاهدة هذا الفيلم, ولا أغالي إذا قلت أن أكبر القادة يتعلمون من مشاهدته... ففيه ترى الضابط كيف يؤدي عمله, والطيار كيف يتعاون معه, و كيف يسند الاسطول البحري حركة الجنود، واخيراً كان فيه العنصر المهم جداً في كل معركة ألا هو الجندي لا السلاح!! بل الاعتماد على نفسية الجندي ومعنويته قبل معدَّاته وقواته وقادته وساسته.

ومن خلال الفيلم عرفنا كيف يموت الجبان وكيف يموت الشجاع.. وكيف تكون الشجاعة الحقة الصادقة.. لا شجاعة الخطابة والقول والفخر الفارغ. ففيه الجندي المحارب الذي يقتحم وابلاً من رصاص الرشاشات حاملاً قنابله يخطو بها بثبات وعزم نحو العدو, وهو يعلم أنه لا بد أنه مقتول!! فلا يوهن ذلك من خطوه ولا يعرقل من سيره.. بل يخطو بثبات وكأن السماء تمطر ماءً لا رصاصاً.. وكأن قصف المدفعية حوله رعوداً وومض القنابل بروقاً.

فهؤلاء الرجال الذين يظنون أنفسهم يقاسون أسوأ ما عرف البشر من متاعب ومخاطر، هناك خلفهم زوجاتهم وأخواتهم بل وأبناؤهم يقاسون قبل معرفة مصير ذويهم في الميادين.. وبعد هذه المعرفة حين يُفقدون او يُقتلون.. حيث يقاسون المرارة والحزن والوحدة والفقر.

فحتى في أمريكا أرقى بلاد العالم أنظمة وأكثرها تأميناً لمستقبل أبنائها، وَجَدْنا نساء الجنود يعانين بعد موت رجالهن من قسوة الحياة وشظف العيش.

سينما بسمان

وهذه السينما أسسها رجل الأعمال واصف باشا البشارات في شارع بسمان عام 1951، وكان فيلم الافتتاح فيها بفيلم عنوانه ظهور الاسلام عن قصة لطه حسين «الوعد الحق».

ثم عرضت هذه الدار السينمائية» بسمان» فيما بعد أشهر الأفلام الأجنبية والهندية والعربية, منها مثلاً: فيلم مدرسة المشاغبين، وفيلم عمر المختار. ثم بعض أفلام فريد الاطرش مثل: ما تقولش لحد، تعال سلم، وحبيب الروح لأنور وجدي وليلى مراد. وبعض أفلام الكاوبوي, منها مثلاً ما كان من بطولة رونالد ريغان رئيس أميركا السابق عندما كان ممثلاً سينمائياً.

وسبق لهذه السينما أن استضافت كبار الفنانين لعرض مسرحياتهم وأفلامهم فيها مثل: يوسف وهبي وأمينة رزق، والمطربة صباح لحضور أحد أفلامها مع الجمهور الأردني ذات يوم عيد في عمان.

ثم تخصصت سينما بسمان قبل إغلاقها بسنوات بعرض بعض الأفلام الهندية والكراتيه الصينية او اليابانية.

أمير الإنتقام

ومن مقال سينمائي للعبسي في جريدة الحوادث الاردنية بتاريخ 4-2- 1952 كتب ما يلي:

«عرضت سينما بسمان الفيلم العربي «أمير الانتقام» الذي أنتج عام 1950من بطولة أنور وجدي, وهو يُعرض للمرة الثانية في العاصمة عمان.. ولم يقلل هذا من الإقبال على مشاهدته, بل ان الذين شاهدوه هم أول من بادر لمشاهدته للمرة الثانية.. والحق انه فيلم كل موسم حيث يتصدر قوائم أفلام ان لم يكن من ناحية الإمتياز فمن ناحية الكمال.

فهو فيلم ضخم رائع حُشدت له أعظم الامكانيات لإنجاحه, وجُندت كل الكفايات الفنية لإخراجه وأسندت أدواره للفحول: فنرى حسين رياض في دوره المعجز ومحمود المليجي في قمة أدواره وأنور وجدي وسراج منير وسامية جمال ومديحة يسري وكمال الشناوي وفريد شوقي, وغيرهم كلٌ كأنما خلق لدوره.

مخرج الفيلم » بركات» و«آسيا» منتجته لهما الفضل الأول بالإقدام على تحقيق فكرة كانت أشبه بالخيال، وإلا فمن كان يجرؤ غيرهما على إعادة إخراج الفيلم الأجنبي والقصة العالمية الشهيرة «الكومنت دي مونت كريستو» بثوب عربي في القاهرة!.

ان المقارنة بين الفيلمين في حدود إمكانيات هوليوود والقاهرة فهي مقارنة مشرفة للفيلم المصري.. وإن الهِنات القليلة والواضحة في الفيلم لا تقلل من قيمته, ورغم ذلك فهناك ملاحظات منها:

عندما عاد حسن الهلالي أنور وجدي» الى بيت والده بعد سجنه طويلاً وبيده الفانوس حيث لم يجد أحداً في البيت وعلم ان الده قد مات.. خرج من أطلال بيته ونسي الفانوس!.. وعندما وصل الى القلعة باحثاً عن الكنز ترجل عن حصانه فلم يربط الحصان في الصحراء!.. وكانت الموسيقى المصاحبة لرقصات سامية جمال غربية بحتة!؟ فلم ترقص سامية رقصاً شرقياً! على اعتبار ان قصة الفيلم من التراث العربي.. كما بالغت سامية جمال في دورها عندما لبست ملابس الجنود, وعندما حملت قربة ماء ورشت به قائد السجن وجنوده جميعاً!.

ومن مشاهد الفيلم المؤثرة كانت طريقة موت «جعفر» فريد شوقي في الصحراء جوعاً وعطشاً.. وهذه النهاية لم ترد في القصة الأصلية, بل ان نهاية ذلك الدور كان بالجنون، ونهاية شاهين كمال الشناوي كان لا بد منها.. إذ لم يستطع الحياة ومواجهة زوجته وولده بعد ان كشف حسن الهلالي أمره، أما نهاية متولي محمود المليجي بيد زميله جعفر فينطبق عليها القول المشهور (اتق شر من أحسنت إليه), و نهاية بدران سراج منير كانت مسرحية والمبارزة مكشوفة ولم تكن ضرورية ما دام الممثلان لا يًحسنان حتى حمل السيوف!.

. اما اغنية شهرزاد «يا لاهي وأنت وسط النار» فكانت ذات تأثير غريب زادت رهبة الجو في عقدة الرواية التي هي من اهم مواقفها، وأنور وجدي عندما سأله الشيخ جلال السجين المعمر عن سبب سجنه فأجابه بثلاثة كلمات قائلا: (ظلم.. ظلم.. ظلم) فلو لم يمثل أنور غير هذا الدور بل غير هذا الموقف لكفاه ان يجعل منه ممثلاً عظيماً.

وبعد... فالقصور التي شُيدت والمناظر التي بُنيت والملابس التي أعدت والجواري والممثلين الثانويين والجنود والنفقات الهائلة التي بُذلت بسخاء لتبشر بعهد جديد لأفلام مُشرِّفة.

كما يوحي ذلك للجمهور- الذي هو الحكم الأول والأخير على أي فيلم أو فكرة أو مشروع- بنبذ الأفلام السخيفة المهلهلة التي تسيء الى سمعتنا وكرامتنا كعرب وشرقيين.. ولا سلاح أبلغ بمحاربتها من مقاطعتها بالكلية, كما هو واقع في كل مكان وفي كل قطر وبلد.

سينما الأردن

تم افتتاح سينما الأردن في العام 1951، وقد أسسها محمود أبو قورة على سفح جبل عمان المطل على مبنى البريد في شارع الامير محمد، وكان الذاهب إليها لا بد له من صعود درج طويل يقع بجانب مكتبة الاستقلال الشهيرة.

وأول فيلم تم عرضه فيها هو فيلم «بلدي وخفة» للفنانة الاستعراضية نعيمة عاكف، حيث لاقى الفيلم إقبالاً جماهيرياً كبيراً لعدة أسابيع، وأخذت الدار تعرض الأفلام الممتعة والهامة والحديثة الغربية الأخرى مثل: شاطئ الغرام لليلى مراد، وغزل البنات لنجيب الريحاني، وفتاة السيرك لنعيمة عاكف، وقصة حبي لفريد الاطرش.

وكان في نفس داخل مبنى سينما الاردن سينما أخرى صغيرة شعبية هي استوديو الاردن والتي كانت تعرض فيلمين بتذكرة واحدة.

وفي فترة الثمانينيات والتسعينيات تحولت سينما الاردن الى سينما بعنوان آخر «سينما فرساي» الشعبية، ثم الى مسرح البلد, والآن هي فارغة بعد ان اشتراها أناس آخرون لا ندري الى ماذا سوف تُخصص في مستقبل الايام!.

فتاة السيرك

وفي مقال سينمائي للعبسي في جريدة الحوادث بتاريخ 3-1- 1953 عن فيلم فتاة السيرك الذي أنتج عام 1951كتب ما يلي:

الكلام عن نعيمة عاكف في فيلم فتاة السيرك كلام مُعاد.. فنجاحها وشهرتها كان منذ طفولتها كفتاة سيرك ضمن «فرقة عاكف» على مسرح بديعة مصابني, واشتهرت نعيمة أيضاً كفتاة الشاشة البهلوانية.. ثم نجاحها على مسارح لبنان في الصيف الماضي, مما جعلها بحق معبودة الجماهير.. وتعويذة شركة نحاس للأفلام التى يحف السعد برِكاب أفلامها جميعاً.

أما من يستحق ان تكتب عنه كلمة فهو «محمد توفيق» الجندي المجهول في هذا الفيلم وفي كل فيلم وفي كل اذاعة وخلف كل مسرحية ناجحة..

فثقافته واسعة وإلمامه كبير, وهو الذي مثَّل دور المهرج المرافق لنعيمة في جميع مواقفها في الفيلم, فكان بحق دعامة الفيلم الاولى، بل هو السند لنعيمة والذي ساعد في إنجاح كل موقف! فهو يشبه الفنان الكوميدي الريحاني! فهو يمثل صامتاً عندما يكون زميله في المشهد يمثل ويتكلم.. وهذا ما يساعد على إنجاح المشهد ومضاعفة تأثيره في النفوس.