الإشهار من الشُّهرة والتشهير، وإظهار الأمر والاعلان عنه إيجاباً وسلباً، حُسناً وقُبحاً.

وعلى الرغم من ان المنطلق الاول للمصطلح كان مرتبطا بالتشهير بما يسوء فإن هذا المصطلح أخذ معنىً آخر تداولياً.

ومع تطور الاساليب المستخدمة لهذا الغرض وتنوعّها تطور هذا المصطلح، وعرف عدداً من التعريفات، ليأخذ منظوراً جديداً مع رُواد عالم التسويق والترويج في الغرب.

فمثلاً «سلاكرو» لخَّص تعريف الإشهار في انه «تقنية تُسهِّل عملية نشر الأفكار والعلاقات التي يمكن ان تُبرم بين اشخاص على الصعيد الاقتصادي في الترويج لسلعهم وخدماتهم.

وعرَّفهُ «داستو» بأنه العلامة، او مجموعة العلامات ذات البنية الايحائية، التي تحمل قيماً معرفية حول حاجة او فكر ما.

وبهذا يُعدّ الإشهار استراتيجية جديدة للتواصل مع الجمهور قائمة على الاقناع، لأنه يوظف عدداً من العلوم والمعارف اللغوية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية والفنية والفلسفية وغيرها، مرتكزا في ذلك على النظريات العلمية والتطبيقية لتلك المجالات لتشكيل علامات التواصل.

ويوظِف الخطاب الإشهاري العلامة البصرية التي تجمع الصورة بغيرها من العلامات الشبيهة والمتمِّمة بأشكالها وأحجامها المختلفة.. فضلاً عن الإطار الذي يحددها ودلالاته المعنوية والفنية، بالاضافة الى علاقته برسم الفضاء والأبعاد التي يتخذها، وهي جميعها تعمل على رسم عالم يعجّ بالمُثل والقيم السامية، التي تعمل على شحن الخطاب بموجبات تثير أحلام المتلقي، وتعزز خياله على حساب الواقع المعيش والمعروف، محدثة خلخلة في أنساقه وقيمه الثقافية وكسر جُدر ممانعته لتقبل ثقافة جديدة.

ولم يعد الحديث عن «الإشهار» مقتصراً على إعلان تجاري لغسالة او ثلاجة في قصاصة صحيفة، أو وصلة تلفزيونية، بل كثُر الحديث عنه في الآونة الاخيرة في الدراسات اللسانية والادبية بوصفه خطاباً له خصوصيته السيميائية والتداولية، وقدرته على التواصل مع المتلقي لتمرير خطابه، وتحقيق غايته باستعمال كل خصائصه التي يتوفر عليها.

فالإشهار عملية اتصالية بين طرفين أساسيين، مرسل منتج ومتلق مستهلك، ولهذا وذاك لا نزال نلمس عند كثير من الباحثين–في إطار دراساتهم عن الإشهار–تركيزهم الكبير على المقاربات السيميائية، والخصائص التداولية لهذا الخطاب الذي يوظف أنظمة لسانية وأخرى أيقونية في التواصل مع المتلقي لإقناعه.

ومن تلك الانظمة:

• النظام اللساني: حيث تعتمد اللغة الإشهارية على الشعارات والعبارات المختصرة التي تشبه الى حدٍ ما الأمثال الشعبية في وظائفها وبنائها، فهي تختزن المعاني وتتميز بالوضوح والمباشرة، وتخفي وراءها قصة ذات دلالات هادفة، وهو ما يعطي الخطاب الإشهاري قدرة خارقة على التواصل مع إضفاء لمسة جمالية جاذبة.

• النظام الأيقوني: إذ يقوم البناء السيميائي للخطاب الإشهاري على عدد من العناصر مثل الصورة والصوت واللون وطريقة الأداء والإشارات والإيماءات وكلها عناصر للتواصل غير اللساني.

ويمكن القول إن الإشهار فعل انساني قديم قدم التاريخ، بدأ مع مكابدة شؤون الحياة منذ الهبوط على هذه الارض، بل كان قبل ذلك، من لدن أبينا آدم عليه السلام الذي تلقى دعاية كاذبة من الشيطان الرجيم عن «شجرة الخلد» و«مُلك لا يبلى»!!.

وقد وُظّف الإشهار الذي أغواه عبارات راقية وطموحات عالية دعائية لعمل حرامٍ وإظهاره على خلاف حقيقته!! وانطلت الخدعة على سيدنا آدم، وحصل المقصود من الإشهار.

وفي تراثنا العربي الذي يزخر بشتى صنوف الأدب والمعارف الانسانية تطالعنا النصوص والحكايات بحضور لافت لأشكال من الخطاب الإشهاري.

كانت للعرب أسواق في الجاهلية معروفة مشهورة، مثل«سوق عكاظ، ومجنة، وذي المجاز».. ولكل سوق وقت محدد ثابت. فكان سوق عكاظ يقام في هلال ذي القعدة لمدة عشرين يوماً، وأما سوق مجنة فعشرة أيام بعده، وسوق ذي المجاز تقام في هلال ذي الحجة لسبعة أيام، وكانت تلك الاسواق مخصصة للشعر والفخرثم التبادل التجاري، وفي هذه الاسواق توضع منابر يقوم عليها الخطيب بخطبته وعدّ مآثره وأيام قومه من عام الى عام.

ومن هذا المعنى اشتُق لسوق عكاظ اسمها من قولهم: عكظتُ الرجلَ عكظاً اذا قهرته بحجته، لأنهم كانوا يتعاكظون هناك بالفخر.

من كتاب «الخطاب الإشهاري في النص الأدبي» للمؤلفة الدكتورة مريم الشنقيطي، والصادر هذا العام 2019 في الرياض.