حاورته: رانيا بخاري

يقول الشاعر موسى حوامدة إن الشعر ليس مطلوباً منه أن يقوم بمهمات محددة لتبرير وجوده، فهو «شأن ذاتي، وتجربة وجودية للشاعر نفسه»، وبالتالي فإن محاولات تحميله ما لا يحتمل ستؤدي غالباً إلى كسر جموحه.

ويستدرك حوامدة الذي دفع ثمن مهر قوافيه من حريته، أن ذلك لا يعني أن يُحرَم على الشاعر دورُه النضالي إن وُجد، لكن هذا ليس شرطاً أساسياً لتبرير الكتابة أو «ربط المطلق بالمحدد».

ويضيف الشاعر الحاصل على جائزة الريشة وجائزة مهرجان تيرانوفا الفرنسي، أن الشعر كما يفهمه «ليس كلمات نكتبها أو أوزاناً خليلية نهندسها، ولا مجرد مشاعر نبثها أو لواعج رومانسية تعبّر عن فهم مدرسي للكتابة»، بل هو رؤيا للوجود، مرتبطة بثقافة عالية وموقف أخلاقي من الحياة.

ورغم أن الشعر بحسبه ينتمي إلى الخيال، إلا أنه ليس منفلتاً من اللغة ولا من الأرض والحياة تماماً، فكأنه «بين البينين.. فلا هو واقعي مجرد، ولا خيالي مطلق تماماً».

تالياً حوار مع حوامدة الذي لا يفتأ يكرر: «في كتابة القصيدة، لا يبقى حجر على حجر، ولا مصطلح ثابت، ولا قيمة يقينية مطلقة».

المطّلع على شعرك يلحظ تمايز ألوان مضامينه على مؤشر القصيدة تمايزاً ينم عن تعددها وعن وحدة الرؤيا الشعرية التى انبجست عنها، فما هي مظاهر الانتماء والبعد الطبقي في شعرك؟

الشعر كما أفهمه ليس كلمات نكتبها أو أوزاناً خليلية نهندسها، ولا مجرد مشاعر نبثها أو لواعج رومانسية تعبّر عن فهم مدرسي للكتابة. أفهم الشعر على أنه رؤيا للوجود، رؤيا مرتبطة بثقافة عالية، وموقف أخلاقي من الحياة، تنحاز بطبيعتها للبسطاء والمظلومين والمضطهدين، والبحث عن جمال مفقود، وقيم غائبة، وحياة لائقة متخيلة. هذه الرؤيا تمنح الشاعر رؤية مختلفة، وتعطيه مسافات متعددة لتداول نصه الشعري، ونظرته للحياة، والتي تتجسد ظاهرياً عبر الكلمات، لكن هذه الكلمات ليست هي النهائية، فهناك ما هو خلف هذا النص، وهو مما يصعب شرحه ?و قوله فهو يُحَسّ ويُدرَك ولا يقال، فلكل قصيدة روح تحلّق بها وتتلبّسها، وما الكلمات إلا الشكل السطحي الظاهر.

ومن جهة ثانية؛ فربما أسهمت التجربة الحياتية والانفتاح الجوهري على العالم، في توسيع مناخات التجربة ومضامينها، وحتى أساليب تناولها، ليقيني المطلق بألّا يقين لأيّ نص أو شكل أو موقف أو توجه، فكل شيء يحمل نقيضه، وكل رأيٍ يحمل عكسه، ولكل خطأ بشري يُرتكب، نتائج قد تكون إيجابية، ودلالة نفسية عميقة، كما أن التاريخ متعدد الاحتمالات، والماضي متعدد السرديات والتأويلات، كذلك فالقصيدة متعددة الاحتمالات، غير واقفة على أرض ثابتة، غير قائمة على تأصيل نظري محدد، غير مكتفية بزي وطني أو نشيد قومي معين، ولا متدثرة في لباس شرعي?مصنوع سلفاً. هنا تنفتح الدلالات أكثر ويصير بإمكان القارئ لقصيدة واحدة، أن يستنهض ما في داخله من ثقافة وخير وجمال، لا أن يلغي خياله وعقله، بانتظار تلقينٍ ما، ونص مقهور بذل صاحبه، وتقليدية ميتة وخيال منطفئ قبل الكتابة نفسها.

ربما يكون للحرية الداخلية الدور الأول في عدم التشبث بأرض واحدة للكتابة.. فلا مكان واحد لانبثاق القصيدة، ولا سماء محددة لانطلاقها.

ربما لم أشفِ روحي من هذا السؤال، فهو قائم على احتمالات متعددة، وتأويلات متبانية، وفروقات مذهلة، لهذا يحتاج السؤال إلى إعادة نظر خشية الوقوع في أسر نمطي ثابت، بعد أن اتفقنا أن الجواب المحدد ينزع الشرعية من انطلاق التأويل اللامحدود.

هل ما زال الشعر سجلاً للاحداث النضالية التى تتخذ العنف الثوري منهجاً وأسلوباً؟

القول إنّ الشعر سجلّ للأحداث وتأريخ للبشرية، قد يجانب الحقيقة في الحاضر، فربما كان لهذا التفسير معنى تراثي تاريخي تحمّلَ فيه الشعر دور المؤرخين والاعلاميين والخطباء وهذا ما كبّل الشعر بمفاهيم مغلوطة، فليس مطلوباً من الشعر أن يقوم بمهمات محددة لتبرير وجوده، بل هو شأن ذاتي وتجربة وجودية للشاعر نفسه حاول بعضهم تحميله مواضيع كثيرة وثقيلة أسهمت في كسر جموحه وتحميله ما لا يحتمل.

لا يعني ذلك أن يحرَم على الشاعر دوره النضالي إن وُجد، لكن هذا ليس شرطاً أساسياً لتبرير الكتابة أو ربط المطلق بالمحدد، فهذه هي الآفة التي تربط الروح والعقل والقصيدة في كليشيهات جامدة أعاقت تطور القصيدة العربية، وربطتها بقيم سياسية وشعارات فوقانية زائفة، ووحّدت النمط الشعري ضمن مواصفات غرضيّة، جعلت العديد من الشعراء شاعراً واحداً، ونمطاً واحداً، ولم تترك فروقات بينهم، وكأن الموهبة تتجسد بتقليد الآخرين وإثبات القدرة على التشابه لا التمايز.

كيف تأخذ العاطفة أبعاداً وجودية يندغم فيها التاريخي بالديني بالغيبي بالمادي.. كيف تتألف دائرتا العقل والروح؟

الشعر ينتمي إلى الخيال، لكنه ليس منفلتاً من اللغة ولا من الأرض والحياة، وهو نقيض للواقع بتجليات تحمل جوهر الإنسان، لكنها تتعدى الزمان والمكان والمنطق. من هنا يندمج العاطفي كمحرك مباشر للقصيدة، لكنه لا يستخدم منهج العقل ولا منطق الطبيعة للانطلاق نحو حالة شعورية للتعبير عنها بمفردات واقعية تصاغ وتتآلف من روح مغايرة للواقع الذي نعرف. والحالة هذه أن الشعر بين البينين، فلا هو واقعي مجرد، ولا خيالي مطلق تماماً. والمهارة تكمن في عملية المزج الذكي بين الكلمات التي نعرفها، والتآلف البكر الذي لا نعرفه من قِبل الكتاب?، بل نكتشفه خلال كتابة القصيدة، وهو الذي يشكل حالة التمايز والحالة الشعرية التي لا تكون معروفة من قبل ولا متداولة.

المرأة، هل ما زالت رمزاً يتحدث الشعراء الصوفيون من خلالها أم إنها برحت مكانها؟

في القصيدة الحديثة لم يبقَ رمز مكانه، ولم يبقَ أسلوب تقليدي ثابتاً. لقد اتفقنا أن الشعر هو مفارقة لكل ما نعرف من مفاهيم وأنماط، وهو ليس تكراراً لأي تجربة تقليدية، لكنه ليس حكماً مطلقاً يدعو لتهشيم كل ما نعرف ونتوقع ونرى، فقد نحتاج أحياناً إلى وجبة من اللايقين، وأحياناً إلى جرعة من اليقين نفسه، ربما نتغافل عن التصوف في بعض الحالات النفسية، وربما نحتاج إلى هذا الشطط مرات كثيرة. وما لا يمكن فصله بين التصوف والحب الإلهي والشعر هو اللامحدد، فكل شيء غير محدد وغير منمَّط يلتقي مع القصيدة. طبعاً هذا ليس شرطاً لكي ?ستخدمه ونوظفه، لكنه هو الروح الكامنة خلف هذا الانطلاق والمخزون اللامتناهي الذي نغرف منه، دون توقف، ودون أن نأتي بكل ما تم صقله قبلنا من عبارات وحجارة وأنماط وطرز وأساليب.

الحرية التي يتمتع بها المتصوف والحب الإلهي قد يكونان دافعاً للكثير من الجمال، لكني لا أربط الخير والجمال فقط بقيمة محددة أو نمط ثابت، وربما تأتي المسرة والقصيدة من أبواب مغايرة لما تعودنا عليه أو صدّقنا أنه المحرك والدافع، ومن ذلك الظن أن المرأة هي المحرك الأول للكتابة، أو أن الحب هو الدافع الأساسي. ربما يكون ذلك في بعض الحالات، لكنه ليس حكماً مطلقاً، بل قد يكون أحياناً عائقاً أمام تفجر ينبوع الخير الشعري الغزير، والتشبث بخيارات مجرَّبة من قبل ليس لنا فضل في كشفها أو ابتكارها.

أقصد أن كل نمط سابق وكل فهم سابق هو على محكّ الشك. هذا بشكل عام. وفي الكتابة، في كتابة القصيدة أعني، لا يبقى حجر على حجر، ولا مصطلح ثابت، أو قيمة يقينية مطلقة.

أين تكمن إشكالية قصيدة النثر؛ هل في أنها لا تلتزم الأوزان التقليدية؟

لا.. لا تكمن إشكاليتها في هذا الأمر فقط، بل وأيضاً في الجمود الحضاري والثقافي الذي نعاني منه منذ مئات السنوات، فالذائقة التقليدية لدينا تربّت على النمط الكلاسيكي في الشعر، وهي ترفض الاعتراف بالنقص والجمود التقليدي، وتتشبث بالشكل القديم. ولهذا تقبّلنا التنويعات الكثيرة كل نواحي الحياة، وفي الفن والأدب -في الرواية مثلاً- لعدم وجود نماذج كلاسيكية منها. أما في الشعر فالنمط التقليدي متحصّن داخل الثقافة التي ترفض الاعتراف بأن الشعر ليس مجرد وزن وشكل، وأن تعريفات القدماء من قدامة بن جعفر وابن طباطبا وغيرهما تخطّا?ا الزمن، وأن الشعر أعمق من العروض والأوزان المعروفة.

هذه هي المعضلة، وهي ليست في إشكاليات الكتابة أو إشكاليات قصيدة النثر فقط، بل في عمق الثقافة ونسيجها، وتشبثها بالنص الماضَوي الذي يستمد قيمته وجمالياته من قِدمه وليس من إبداعه وشروطه الجمالية المعاصرة.

الشعر الفلسطينى نال شهرته من ارتفاع وتيرة الخطاب السياسي فيه. ما رأيك؟

هذا صحيح، فالخطاب السياسي والإعلامي الأجوف جعل العديد من الشعراء الذين ركبوا هذه الموجة، يقدمون قصائد خطابية وحماسية استغلت الظروف السياسية والجرح الفلسطيني النازف، كموضوع شعري ينال رضا الأغلبية من الجماهير العربية التي كانت تحتاج إلى التنفيس.

نعم، لقد استغل الكثير من الشعراء حالة الإحباط العامة والهزيمة، وعزفوا على هذا الوتر، مؤْثرين السياسي على الجمالي، والإجماع الشعبوي على الإبداع الذاتي.

وما زال الوضع السياسي العربي برمته وحتى بعد «الربيع العربي» يسهم في عدم انطلاق القصيدة العربية نحو مناخات إنسانية وجمالية، كما أن النظرة القاصرة لدور الشاعر تعيق هذا التطور المنشود لتحسين المستوى الجمالي للقصيدة العربية. وبالطبع، يواجه الشاعر الفلسطيني أكثر من غيره هذه المعضلة، فمن جهة هو لا يريد خيانة قضيته، ومن جهة ثانية لا يريد خيانة ذائقته ومشروعيته الشعرية والجمالية.

صحفية سودانية