أيمن حمد المناصير

يعكف كل مبدع على اختيار لافتة يطل بها ومن خلالها على قرّائه، ويحاول أن يلخّص من خلالها رؤيته ورسالته، ولقد تطور شكل العنوان عبر الزمن لكنه ظلّ يحتفظ بوظيفته الأساسية الكاشفة عن العمل وثيمته، وحتى يحقق وظيفته الفنية لا بد أن يكون جاذبا مشوقا، يمسك القارئ من كل جوانحه في رحلة تشويق لا تنتهي إلا بكشف ملامح العمل ومضامينه، وبيان صلات الوصل بينه وبين العمل الذي يقدم له.

لذلك حظي العنوان تاريخيا بدوره ومكانته، فهو يتصدر الواجهة، وربما يتربّع على الغلاف وحيدا، تاركا مساحة ضئيلة للمبدع الذي أنشأه وصدّره، فهو أوّل بناء لفظي يواجه المتلقي وفيه دعوة شخصيّة للتّفاعل مع النّصّ والدّخول إلى عالمه، ليشكّل همزة الوصل والعتبة التي تأخذ بيد القارئ إلى أسرار العمل، وهو وسيلته ويده ومفتاحه الذي يقوده إلى مغاليق الأفكار ومعانيها ويصل إلى قلب النص ومجاهيله وأسراره وأغواره.

ولا شك أن العنوان يحمل في طياته طاقة ميكانزمية محيرة، إذ كيف لكلمة أو عبارة أن تختزل وتستوعب عملا كاملا، حتى تصير العبارة الدارجة «المكتوب يُقرأ من عنوانه» نافذة على النص، وفاتحة كهف أسراره وكنوزه، وكاشفة لغزه المخبوء تحت لسانه.

وقد اتكأ الكاتب حسن أبو ديّة في عمله «مرآة واحدة لا تكفي» (الآن ناشرون وموزعون، 2019) على عتبته ليطرح من خلالها ما يشبه السيرة الذاتية لبطله الذي يقف على محطاة منتقاة من الذاكرة ليعيد تقييمها والنظر فيها على نحو مختلف، بطل خرج من المعمعة مع أنه ما زال متعلقا بها ومرتبطا بتفاصيلها، لكنه الآن يعيش ذاكرته بوصفها مكونا أساسيا من مكونات هويته ووجوده وحاضره ومستقبله، تلك «الذاكرة التي لا بد من شحنها دوما لتبقى متقدة»، لتغدو الذاكرة بهذا المعنى محورا مهما من محاور الصراع، ومعركة تامة الأركان، إن نظرنا إلى طبيعة ع?ونا الذي يجهد في محو الذاكرة وتشتيت الانتباه وتكسير المرايا.

وعلى الجهة الأخرى تتربع تلك الأحجية القائمة على احتفاظ كل فلسطيني بمفتاح بيته وتوريثه لأبنائه، حتى غدا تعويذة الذاكرة وسرّ اتصالها وتوهجها، والأهم من ذلك إتقان لعبة انتقاء الأسماء التي تخلّد حق العودة وتنتصر للكفاح، «كأننا نحمل في أعماقنا الخوف من النسيان»، فلا يكاد سوق يخلو من كلمة «الأقصى أو العودة» ولا يكاد بيت يخلو من اسم «جهاد أو كفاح»، في متتالية تعصم الذاكرة من الخطأ أو النسيان، حتى تستحيل سدّا منيعا يسهم في حماية الوطن وحفظ هويته وجذوره، ويترك جذوة نار المقاومة مشتعلة في الهشيم، في معركة ضد الخرف و?لنسيان الوطني.

وهنا لا يمكن النظر إلى النفس الإنسانية على أنها آلة يسهل التنبؤ باستجاباتها عند تعرضها لمثير واحد، فلكل إنسان طبائع وقدرات خاصة، تحدد طبيعة ونوعية الاستجابات المتوقعة، لذلك نجد أن بعض التحديات تدفع إنسانا إلى التحدي وآخر إلى الاستسلام واليأس، وهذا ما يفسر اختلاف طرق التعاطي مع الأحداث الجسيمة، ففي المحطات المصيرية تتعدد المعارك وتتنوّع، لكن معركة الهوية تظل حاضرة لأنها تشكّل الأرضية الصلبة التي يحتاجها من يعيش في رمال متحركة، وهذه الهوية ليست كتلة صلبة مستقلة بذاتها، وإنما هي كيان يتشكل من تداخل عدد هائل م? الرؤى والصور، لذلك يبدأ البعض في رحلة البحث عن الذات من خلال «البحث عن الأنا الشخصية بعد أن كانت على الدوام في صندوق مقفل» منيع عصيّ على الفتح، في ظل الانشغال عنها وإهمالها.

وعلى هامش هذه الذاكرة وصورها التي تظهر تباعا، ومع مراعاة اختلاف زوايا التقاطها، تنبت قضايا النص وأسئلته التي ما زالت عالقة تبحث عن أجوبتها في فضاء جديد وواقع جديد يسمح بمحاكمة التجربة بعد أن تحوّلت محض حكاية، ليعيد القارئ تقليب الأحداث والأفكار ويبحث في جدوى وقوعها، وفي الوقت نفسه لا ينسى أن ينتصر لرومانسية المقاتل الذي ينقش اسم محبوبته على عقب بندقيته لتعطيه دفئا يحتاجه وهو في أشد الظروف صعوبة، ويحاول أن يبحث في حال «المقاتلين الذين حملتهم السفن من بيروت إلى الشتات وقد خرجوا سالمين، لكنّ أرواحهم كانت تنزف?، لكن هل تتيح هذه الذاكرة الآن فهما لما جرى ويجري، أم إنها ما زالت تنكأ جراحا وتشعل مخيلة؟

عندما نعيش الأحداث طازجة فإننا مجبرون على اتخاذ القرارات دون أن نفكّر كثيرا في آثاراها ونتائجها بشكل معمّق، لأن من يُغرق نفسه بالتفاصيل يحسبها في لحظة ما قضيته الخالصة، إلى الحدّ الذي تستحيل فيه -أعني التفاصيل–حاجزا وعائقا يحجب عنه الرؤية الكاملة والصورة الكلية للمشهد بكل تجلّياته، ولكأن استراحة المحارب ممزوجةً بالخبرة والعلم تتيح للمراقب أن يصعد إلى مكان أكثر ارتفاعا؛ ليراقب المشهد من علٍ ويعيد النظر فيه، وهذا الارتفاع لا يُقصد به الترفع والتعالي عن المشكلة والاعتزال في الأبراج العاجية، لكنه ارتفاع محكوم ?توازن، يعطي الكاميرا قدرة على التقاط صورة بانورامية واسعة، تسمح له بتشكيل وجهة نظر متكاملة، لتعطيه القدرة على الرؤية الفاحصة، وإعادة التقييم لتجربة كان يشكل جزءا من فسيفسائها.

لذلك عندما تتشظى الحياة، فإن «مرآة واحدة لا تكفي» كي نرى الصورة كاملة من كل جوانبها، لا تكفي كي نحيط بتفاصيلها ونعي حركتها ونستوعب تشابكها وتداخلها.. لا تكفي كي نقدم رؤية متماسكة تفسر أفعالنا وتنتصر لخذلاننا، وبهذا المعنى يصبح تعدد المرايا، شرطا أساسيا من شروط الحكمة، التي تضبط إيقاع المقاتل، وتؤثر في طبيعة وصيرورة المجتمعات، وتنظم حركة دقات القلب وتعيد الرشد لأفعالنا.

عندما ترى الصورة كاملة، تتكشف لك تفاصيل لم تكن لتراها وأنت في حمّى حركة اللحظة وسرعتها، تجري كدولاب من دواليبها، ولن تستطيع الإلمام بها بالعين المجردة، فما أنت إلا ذرّة في فلاواتها، ونقطة في بحرها، تعوزك الأحداث وجنون سرعتها عن اللحاق بركبها، إذ تحاول جاهدا فهم المشهد بكل تفاصيله، لكنك بحاجة إلى التقاط الأنفاس وأخذ قسط من الراحة يسمح بفهم الصورة الكاملة، ومكانتك منها، ودورك فيها، ورؤيتك لإطارها، وإدراكك لرموزها، حتى لا تتحوّل» أيامنا مجرد فقاعات، تملأ المكان، ثم سرعان ما تختفي».

وتتحول الصورة الكاملة بهذا المعنى إلى أيقونة توقد شعلة الوعي، وتجعلك تضع الأمور في نصابها، تحرك قطع «البازل» على اختلاف أشكالها لتتكامل اللوحة، وتظهر ضمن تسلسلها وفلسفتها ومنطقها، منطق يبرز قيمة المرايا وتعددها. ولعل الكاتب من خلال هذا اللافتة التي تتزين بثوب الحكمة يحاول أن يخط مقولة النص التي تفيض تجربة وخبرة، ويسطّر من خلالها حاجة الإنسان الماسة إلى الإحاطة والشمول والنظرة الكلية، التي تسهم في فهم الحياة وإعادة تقييم المواقف على نحو مختلف، يسمح بإدراك دور الأجزاء التي تشكل في مجموعها كُلّا متناسقا متآزر?، فيتحول الاختلاف والتنوّع واحترام الحياة الخاصة جزءا صميما من قيمة اللوحة وأصالتها.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن العنوان لا يدخل تحت شعار التنظير والجدل والرفاه الفكري، أو الصحوة المتأخرة، ولكنه عنوان يعيد للحكمة منطقها، ويجلب للثائر توازنه.. عنوان ينتصر لقيم الهدوء والتروي والتمهل، وكل مصطلحات التعقل التي تضبط انفعال الثوري، وتتحكم بمنطق المُنظّر والحكيم، وتعيد لخطّ المقاومة توازنه وبوصلته.

ومن خلال هذه اللافتة أيضا سمح لنفسه أن يدين حالة التشرذم والتشظي والانشقاق التي أصابت جسم المقاومة الفلسطينية وتعدد مرجعيّاتها، ما أفقدها ألقها وزاد من عثراتها وإخفاقاتها، وبأن كثرة الانشقاقات قادت إلى ارتهان المقاومة للجهة التي تحمي وتموّل، وبالتالي تفرض رؤيتها، لنجد أن كلّ مَن وضع نفسه على سندان المصالح سيأتيه يوم ويُطرَق، أو على الأقل سيكون ذراعا يعمل خادما في جسم غيره، تحقيقا لمصالحه وتنفيذا لأوامره.

ومن اللافت أن الكاتب دفع بالعنوان على شكل جملة خبرية مرنة، تسمح بتعدد الحقيقة ووجهات النظر، وتُساوي بين فرص الصواب والخطأ، رغم اقتناع البطل بوجهة نظره، التي ظهرت في كل مفاصل النص. وعلى الرغم من منطقية هذه اللافتة، إلا أنّ الخبرة والتجربة أيضا، لا تفرض الرأي ووجهة النظر بشكل قاطع على الجمهور، لينفتح العنوان على عناوين فرعية، تترك مساحة لاحترام الرأي والرأي الآخر، وتعزز تعدد الفهوم، وتنتصر للتعدد الفكري بشتى صوره، تبعا لتعدد زوايا النظر واتجاهاتها.

كما أنّ العنوان يحمل في طياته إدانة تختفي تحت جدار اللغة، لكل من حمل مرآة واحدة، مدعيا أنه يملك الحقيقة المطلقة، ولعل أصحاب المرآة الواحدة عمّقوا على مدار الزمن الرؤية القاصرة المجتزأة، وبالتالي الحكم على الأشياء والأشخاص والمواقف بصورة خاطئة، وأقدموا على أفعال وربما أخطاء لم تكن محسوبة العواقب، إذ يتعاظم هذا الخطأ ويتماهى مع الخيانة إن كان هذا الخطأ في حق الوطن وتقرير مصيره.

ولقد عرّى الكاتب أيضا الفئات التي «هربت من واقعها» الأليم لتبحث عن مخلّص في ظل فوضى المرايا واختلافها وتشتتها، «هربوا من واقعهم نحو إيمانهم ليخلّصهم من معاناتهم»، ولعل البحث عن الإيمان -على اختلاف صوره وأشكاله- في لحظات اليأس، هو نوع من أنواع الحيل الدفاعية التي نلجأ إليها كي لا ننهار، فنبدأ برحلة للبحث في دواخلنا، عن يقين خاص بنا، يعيد تماسكنا ويبني ما انهار فينا كي نواجه واقعنا ويأسنا، بأدوات ورؤى تعيد ترميم أرواحنا، حتى ولو كان ذلك من وراء حجاب نختفي خلفه، «ففي الحفلات التنكرية يختار كلٌّ قناعه الذي يعكس ما في أعماقه»، وما الجدوى من هذه الأقنعة إلا «لتُظهر ما في أعماقنا عاريا من كل تنميق».

كما أظهر العنوان جانبا من صور المعاناة التي عاشتها الأجيال التي وُلدت في أتون الحرب وتوابعها، وتتعدد الصور والقصص والمآسي على المستوى الشخصي، لطفل » تعثرت به طفولته» وما زال يبحث عن أوراقه الثبوتية، في ظل تساؤله الدائم عن طبيعة العلاقة الحذرة مع أخته المفترضة، وتلك المرأة الجميلة التي تزوره في أحلامة و"تقبّل جبينه وتختفي»، لتتكشف العلاقات وطبيعتها، بعد نفض الغبار عن صور مبعثرة ظلت حبيسة الذاكرة، ليتساءل بحسرة «تُراني كنت أوقظ ذاكرتي، أم كنت أبحث عمّا تبقى منّي؟».. صور تكررت بأشكال متنوعة على مدار الوجع الف?سطيني، «فكم مرآة نحتاج لرؤية الصورة كاملة».

رحلة البحث عن العنوان رحلة شاقة لا تقل صعوبة عن اجتراح سؤال العمل الرئيس، فالكاتب يلقي على عاتق عنوانه مهمّات جساماً تتصل بالرسالة والمرسل والمرسل إليه، وفهم طبيعة العلاقة الدقيقة التي تجمع بين هذه الأطراف مجتمعة، ولقد استطاع الكاتب من خلال اختياره الواعي للّافتة التي زيّن بها نصه أن يكثّف الحكاية ويصل إلى النهاية من أول عتبة من عتبات النص، ليصدُق فيه «ادخلوا البيوت من أبوابها»، ولعل هذه الباب المشرّع على جنبات النص شكّل جسرا يصل ويتواصل ويبني وشائج وصِلات مع رسالة الكاتب، التي جاءت كشعار مختزل مكثف يُعيد ?لعقل مكانته، ويضع الأفكار في مصفاة لا تكذب رائدها، ويسمح للذاكرة الواعية بالبوح وبحمّى الصراخ وأخذ العبر.