حليمة الدرباشيّ

أستاذ «موغل».. هكذا أسماه طلبة المدرسة. كان أستاذ التعبير هناك، وكان قد اعتاد على استعمال كلمة «موغل» في جلّ حديثه.

في إحدى الحصص الدراسية شرح لهم كيف يكون الموضوع متكاملاً إلى حدّ ما، وراح يسهب في شرح عناصر القصة وأشكالها ومراحل تطوّرها وتغيّرها وإلى ما ذلك من تنظير يملّه الطلبة، إلا أنّه كان شديداً يخشَونه فلا ينبسون ببنت شفة في حضوره، على الرغم من أنه على دراية تامّة بأنّ كلّ ما يتفوّه به مملٌّ وفقيرُ الجدوى.

في تلك الحصة -تحديداً- طلب منهم وبشدّة أن يكتبوا مواضيعهم بعمق أكبر، قال لهم إن عليهم أن يتقمّصوا الشخصية ويوغلوا فيها، وإن عليهم -أيضاً- أن يوغلوا في الفكرة لتُخرج منهم أدباً جيداً مصفوفاً بأسلوب منمّق موغل في الجمال، وحدّثهم في نهاية الدرس عن الكون الذي ما زال سطحيّاً وكيف أنه من واجب الكبار أن ينشئوا جيلاً موغلاً في الفلسفة والتجربة والحياة.

كان الكلام كبيراً على رؤوسهم الصغيرة، لم يفهموا منه شيئاً غيرَ أنهم سيصبحون تحت ويل العذاب إن لم ينجزوا واجبهم موغلين فيه كما طلب منهم الأستاذ.

في اليوم التالي جمع المعلم منهم أوراقهم واحداً واحداً، وحيث إنّهم يحفظونه عن ظهر قلب، ويتوقّعون خطوته التالية، لم يجرؤ أي منهم على إهمال الواجب، فأوغلوا فيه ليلا.

همّ المعلم بالأوراق ليلاً هو الآخر، بعدما أزاح عنه القناع الذي يضعه كلّ صباح، وما لبث أن فتح الأوراق وألقى عليها النظرة الأولى حتّى بدأت يداه ترتجفان وينزّ العرق من جبينه.

صُدم المعلم عندما قرأ عنوان أول نصّ أمامه «موغل في الخوف»، راح يقرأ النصّ على عجل، وراحت الأفكار تخرج كالأشباح من الورقة، موغل في الخوف من عصا الأب وهي تهوي على المؤخّرات، موغل في الخوف من الرجل الغريب الذي يأخذ الشبّان ولا يعيدهم، موغل في الخوف من مجنون الحارة، موغل في الخوف من الأستاذ..

أعاد قراءة الجملة الأخيرة: «موغل في الخوف من الأستاذ» فاستشاط غضباً، وفزعاً مزّق الأوراق كلّها قبل أن يقرأها، بعدها اعترته موجة بكاء طالت حتّى استيقظ على صوت المنبّه في الصباح. فارتدى هندامه والقناع وتوجّه نحو المدرسة موغلاً في الصمت..

رفع الطالب يده ليسأله إن كان قد ألقى على الأوراق نظرته الثاقبة، كان الطالب الذي سأل هو صاحب النص الذي قطّع أوصاله ليلة أمس، في عينيه نظرة انتصار مواربة، لم يستطع المعلم أن يخفيَ توتّره وخوفه الذي انكشف عنه الستار بشكل جليّ ليلة أمس.

أدرك المعلم في قرارة نفسه أنّه هو من يوغل في الخوف لا هُم، فحمل جثّته وسار بها إلى مكتب المدير وفي يده ورقة مروسة بكلمة: «استقالة».. وتبعها بـ: «كيف ينقذ طفلاً موغلاً في الخوف أستاذٌ موغلٌ في الخوف!».

سأله المدير إن كان ينوي الهرب بهذه الورقة بدلاً من المواجهة، ودعاه لأن يعود عن ما أقدم عليه، فما كان منه إلا أن أعاد إلى الورقة ليضيف في نهاية الجملة الوحيدة تلك: ».. وفي الهرب».