كتب: خالد قوقزة



اشتاق الى رسائل مغتربي الحارات المنسية لذويهم والى مكاتيب أيام زمان، حين كانت تأخذ شهرين لتصل الى قرية لم يكن بها الا مكتب برق وبريد فيه موظف واحد، يعرف كل اسماء مغتربي القرية، وساعي البريد الشيخ علي الذي كان يحمل شنطته على جانبه تحوي عددا قليلا من رسائل الغربة، فعندما تكون معه رسالة (مكتوب) لأحد كان يطلب منه الحلوان والبِشارة.

في حارات قل عدد القُراء بها كان من يستطيع القراءة يعرف كل اخبار المغتربين، ويقف على احوالهم بالغربة. فحين كانت تصل رسالة لوالد او لوالدة لا يجيدان القراءة كان يُطلب مِنْ مَنْ يعرف القراءة بقراءة (المكتوب) بعد فتحة بعناية تامة وحوله كل اهل المغترب أطفالا ونساء ورجالا، يستمعون الى ما هو مُدوّن برسالة أبنهم المغترب، كلٌ ينتظر ان يُذكر اسمه بالمكتوب، وإذا ما كان القارئ لا يجيد القراءة بشكل جيد كانت الرسالة تأخذ منه وقتا طويلا، لانه كان يقوم بالتهجئة ليتمكن من قراءة كل كلمة، واحيانا كان الحضور يطلبون منه إعادة بعض العبارات ليعرفوا مدلولها وما هو المقصود منها.

كانت رسائل ايام الزمن الجميل تأخذ شكلا موحدا، ففي بدايتها كان لا بد من عبارة (سلام سليم ارق من ورق النسيم ازجيه اليكم...) ومحتوى لا يخلو من (ارجو ان تتطمنوا. فانا بخير ولا ينقصني غير رؤيتكم والجلوس معكم وسماع اخباركم وأخبار الحارة وأهلها...) وعبارات نقل التحايا والسلامات (كما وأهدي سلامي وتحيتي لوالدي ووالدتي واخواني واخواتي فردا فردا، ولكافة اقاربي وجيراني وكل من يسأل عني بطرفكم، ولا تنسوا تسلمولي على جدتي فَضا، وقولولها: لما اروّح راح أخذها عدكتور الإسنان مشان يركبلها طقم إسنان مشان تقدر تُدرم إقضامة وتُقرُط إجعيجبان... ولا تنسوا ان تبلغوا سلامي للمختار.....).

أحيانا قد ينسى شيء قيستدرك في آخر الرسالة... (فاتني ان أسألكم عن فلاح هل مرته خلّفت... كما نسيت أسألكم عن موسم الشتا ان شاء الله الأرض أروَت... قولوا لفليّح يشد حاله بالقراية لانه الفحوص قربت وبدياه يبيض وجهنا ويجيب بِعثِة على حساب الحكومة...) وفي نهاية الرسالة (أبنكم البار مفلح مفضي الفلاح - ايطاليا - نابولي - شارع سورنتو - ص. ب 12354......)