د. موزة بنت محمد الرّبـان

في كثير من البيوت وفي فترة من الفترات، يوجد شخص يحتاج للعناية، سواء كان طفلاً أو بالغاً أو كبيراً في السن، هذه الحالة تجعل كثيراً من الأسر تلتجئ إلى الاستعانة بممرض(ة) أو خادم(ة) للعناية بهذه الفئة من الأشخاص، الأمر الذي يُكلّف مادياً بلا شك، وهنا نتساءل: ماذا لو اشترك بعض أفراد هذه الأسر في دورةِ تمريض أو عناية خاصة أو غيرها من التخصصات التي تهتم بهذه الحالات؟ الجواب قطعاً سيكون مردودية إيجابية على مستويات عدة نذكر منها على سبيل المثال لا الحَصْر:

ازدياد العلاقات الأسرية متانةً ودفئاً وقوة.

الحفاظ على معلومات الحالة الصحية للمريض وكرامته.

توفير الجهد والمال.

الاطمئنان على المريض أنه يتلقى معاملة حسنة.

تحصيل الأجر والثواب.

ينطبق هذا الأمر على قطاعات وتخصصات وميادين مختلفة، فمن منا مثلاً لم يحتج يوماً لتصليح صنبور مياه، أو اصلاح آنية مكسورة، أو ترميم بعض القِطع في الحمام أو تثبيت بلاط أو بناء حوض في الحديقة، أو ربما تصليح عطل بسيط في الكهرباء، أو إعادة صبغ طاولة أو جدار...؟، ففي مثل هذه الحالات يلتجئ الكثير منا لجلب سَبَّاك أو عامل أو كهربائي أو نجار أو...، لإنجاز هذه الأعمال، وكلنا يعلم كم هو مزعج انتظارُ موعد قدوم العامل أو التقنيّ، وما يكلفه ذلك من مالٍ ووقت، كما أن معظم هؤلاء (التقنيين!) ليسوا في النهاية، سوى أشخاصٍ قد تدربوا تدريباً بسيطاً للقيام بهذه الأعمال.

في كثير من الدول الغربية، تسود ثقافة الخدمة الذاتية أو ما يُصطلح عليه في علوم الاقتصاد بـ «الاستهلاك الذاتي»، (وهو مصطلح ينتمي إلى الحقل الاقتصادي، ويقصد به القدرة على الاستهلاك دون وجود دَخْل. ويسمى كذلك الاستهلاك المستقل أو الاستهلاك التلقائي ويتم حسابه بتحديد قيمة الاستهلاك عندما يكون الدخل يساوي صفراً)، حيث يقوم الشخص بجميع الاصلاحات والترميمات اللازمة دون الاستعانة بخبير أو عامل تقني. وبذلك يوفر المال والوقت بالإضافة إلى تعوده على مثل هذه الأعمال، التي تنتهي به في الأخير إلى اكتساب الخبرة والإتقان في مجال الصيانة، أفضل من التقنيّ الذي قد لا تهمه جودة العمل بقدر ما يهمه الانتهاء منه وتسَلُّمِ الأجرة، ناهيك عن لذة الإنجاز التي يحس بها الفرد عند إنجازه لعمل نافع ومفيد له ولأسرته.

لقد كان أهلنا في السابق وإلى وقت قريب جداً يقومون بالكثير من هذه الأعمال بأنفسهم. فماذا لو حاولنا أن ندرب أنفسنا على القيام بمثل هذه الأعمال البسيطة في بيوتنا اليوم؟ إن الأمر سهل وميسّر للجميع فمعظم المصنوعات اليوم تحتوي على دليل للاستعمال في علبة البضاعة، كما أن هناك بعض الكتب الخاصة لهذا الغرض، بالإضافة إلى الكثير من الشروح المصوّرة الواضحة والمفصلة لمثل هذه الأمور على شبكة الانترنت، ولكن للأسف معظمها موجود باللغات الأجنبية، باستثناء بعض الفيديوهات المترجمة إلى العربية.

تتجه التكنولوجيا نحو تمكين الشخص من العناية الصحية بنفسه، فمثلاً مرضى السكر يستطيعون الآن فحص نسبة السكر لديهم، وضبط علاجهم وأخذ حقن الأنسولين بأنفسهم دون الحاجة إلى فحوصات معقدة أو تدخل الطبيب أو الممرض، وهذا يوفر الكثير من المال ويسهل الحياة بشكل أكبر، وهذا ما ينطبق على عدد من الأمراض الأخرى أيضاً. الهواتف الذكية أصبحت قادرة من خلال تطبيقاتها على إجراء فحوص مثل النبض بل أصبح من الممكن قياس نسبة الهيموجلوبين في الدم بدقة عالية عبر تطبيق على الهواتف الذكية (1).

عندما نطبخ وجباتنا بأنفسنا، فهذا يعني توفير قيمة شراء الطعام الجاهز أو أجرة الطباخ، مع ميزة زيادة الألفة في البيت وبين أفراد الأسرة، خاصة إذا اشتركوا في التحضير، بالإضافة إلى الجانب الصحي الموثوق للوجبات. تخزين الأغذية مثل التجفيف أو التجميد أو التخليل وصناعة المربيات وغيرها تعطي إحساساً جميلاً وسعادة نفتقدها كثيرا في ظل الاستهلاك والتبذير السائد.

سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعمل في بيته؟ فقالت: «كان يخصف نعله ويخيط ثوبه ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته».

عندما نقدم خدمة مجانية لقريب أو صديق أو جار، فهذا يعني توفير مال وتقوية للروابط الطيبة بيننا. وهكذا عندما نتطوع للعمل في المؤسسات والأنشطة الخيرية. عندما نصنع ما نسلي به أنفسنا. يقول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: «أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إليّ من أن اعتكف في المسجد شهرا...»

وهناك أمثلة كثيرة جداً بل غير محدودة لهذا النوع من الأنشطة التي تساهم بشكل كبير في تعزيز البعد الاجتماعي، وتقوية الروابط والعلاقات الدافئة بين أفراد الأسرة والمجتمع. إنها ثقافة جميلة ومفيدة فَقَدها معظمنا في مراحل الاغتراب الحضاري الذي نعيشه اليوم.

هذه الأمثلةُ وغيرها كثير تقوم على اقتصاد ذاتيٍّ لا يعتمد العملة (النقود) إطلاقا، ولا يخضع أبدا لتقلباتها، وهذا ما أراد الباحثان ألفين وهايدي توفلر (2) إلقاء الضوء عليه، ولفتا الانتباه إلى الحاجة الملحّة والأهمية القصوى لهذا النوع من الاقتصاد الذي أطلقا عليه اسم «الاستهـلاك الـذاتـي» Prosuming، أي استهلاك ما نُنتجه نحن بدون أن يصبح جزءاً من اقتصاد المال (التبادل النقدي، سلعة مقابل عملة)، أي دون أن يظهر هذا المنتوج في الأسواق. ويقدر الباحثان بأن القيمة المالية لهذه النشاطات من «الاستهلاك الذاتي» قد تصل إلى حوالي 50 تريليون دولار سنوياً، كما ويتوقعان ارتفاع وتيرة هذا النوع من الاقتصاد نظراً إلى التغير التكنولوجي. وتدل على ذلك كثرة المواقع الالكترونية التي تشرح طرق توظيف واستعمال أي شيء يخطر ببالك من زراعة وطبخ وتجديد خزانة، أو صبغ غرفة أو خياطة... وكل شيء يمكن أن يصلُح كنشاط اقتصادي، ويدل هذا على كثرة المهتمين والمستفيدين من هذه المواقع الالكترونية التي تُتيح تبادل الخبرات. مع تسجيل تراجع كبير في المواقع العربية المهتمة بهذا النوع من الاقتصاد لقلة المهتمين، وشيوع اقتصاد النقد أو العملة في البلدان النامية بشكل عام وفي البلدان العربية على وجه الخصوص وشيوع ثقافة الاستهلاك مقابل الإنتاج، وعدم الاعتماد على الذات والثقة بالنفس.

وعسى أن تقوم هذه البلدان بتطوير البنى التحتية والتنظيمات وفتح نقاش جاد حول هذا النوع من الاقتصاد الفعَّال، وتوفير الدورات التدريبية أو توفير سوق للأنشطة التي يطلق عليها «اصنعها بنفسك» Do It Yourself، ونشر هذه الثقافة وتشجيعها. فإن لم تفعل، فلن تكون قادرة على الاستفادة من مثل هذا التطور، على الأقل في الوقت الراهن. في حين تسير التكنولوجيا العالمية بخطط حثيثة نحو هذا النوع من الاقتصاد، الذي سيصير اقتصادا بديلاً في المستقبل بلا أدنى شك.

* رئيسة منظمة المجتمع العلمي العربي