علاء رشيدي

أصدرت «دار نلسن» كتاباً بعنوان «أضواء على السينما الغنائية العربية» لفيكتور سحاب، قدمه كرسالة بحثية في «ندوة السينما العربية: تاريخها ومستقبلها ودورها النهضوي»، التي نظمت في القاهرة، في العام 2013، من قبل مركز دراسات الوحدة العربية والمعهد السويدي في الإسكندرية. واعتمد فيها بشكل أساسي على الكتاب المرجعي لجلال الشرقاوي «رسالة في تاريخ السينما العربية» (الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1970)، وينحصر الكتاب الحالي في ما أنتجته مصر من سينما غنائية، بدءاً من العام 1932، مع فيلم «أنشودة الفؤاد» حتى العام 1960. وقد استخلص هذا الإحصاء نحو 40 فيلماً غنائياً.

ويعلل فيكتور سحاب، حصر خياراته في ما أنتجته السينما المصرية، بأن الأشكال الموسيقية المتعلقة بالسينما الغنائية، من مونولوج، محاورة، وأوبريت، لم تشهد تطويراً في الشكل والمضمون يحسب له كثير حساب في السينما الغنائية غير المصرية. وينبه المؤلف إلى أن الغائب الأكبر عن هذا الكتيب، هو السينما الغنائية اللبنانية، التي أنتجت أفلاماً لصباح وفيروز ووديع الصافي وغيرهم، لكنها في رأي المؤلف لم تضف تغيراً أو تطويراً في أساليب التعبير الموسيقي.

المعايير الفنية

بعدما نبّه الناشر عبودي أبو جودة أن %90 من الأفلام العربية تعتبر أفلاماً غنائية لأنها في الغالب تحتوي على أغنية أو اثنتين، عمد سحاب إلى وضع الشروط المعيارية الواجب توافرها في فيلم سينمائي لاعتباره فيلماً غنائياً، وهي:

أن يحتوي الفيلم على ما يتجاوز الأربع أغنيات أو خمساً.

أن يضم الفيلم بين ممثليه وممثلاته، مغنين ومغنيات محترفين في مجال الغناء.

أن تكون ألحان الأغاني في الفيلم مؤلفة من قبل ملحنين محترفين.

يبدأ المؤلف ورقته البحثية بالحديث عن أثر السينما الغنائية في الموسيقى العربية، ويصنفها من أعظم وأعمق الآثار التي أحدثتها السينما في موسيقى الشعوب. ففي رأيه، تزامن ظهور السينما الغنائية العربية، مع كوكبة من أعظم موسيقيي العرب على الإطلاق، يذكر منهم: محمد القصبجي، زكريا أحمد، محمد عبد الوهاب، رياض السنباطي، ومجموعة مميزة من المغنين والمغنيات مثل: محمد عبد الوهاب، أم كلثوم، أسمهان، ليلى مراد، عبد الحليم حافظ وغيرهم وغيرهن.

من المسرح إلى السينما

ليبيّن المؤلف التطور الهائل الذي أحدثته السينما الغنائية في مسيرة الموسيقى العربية، يقارن بين الأغنية العربية التقليدية في القرن التاسع عشر، وبين الأغنية العربية التي ظهرت في المسرح الغنائي العربي ومن بعدها السينما الغنائية العربية. فقبل عصر المسرح الغنائي كانت الوصلة، هي الجزء الرئيسي من السهرة الغنائية التي تتركز عادة في مقام وحيد، تحاك عليه ومن حوله هذه الوصلة. وكانت أهم مكونات الوصلة: التقاسيم، فالموال، ثم الطقطوقة والقصيدة والموشح وأخيراً الدور. وكانت غاية الوصلة هو الإطراب والجمال الموسيقي وحده، من غير أي عنصر تعبيري أو تصويري أو تمثيلي في هذه الموسيقى.

فلما ظهر المسرح الغنائي، في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، تأثراً بتقاليد الأوبرا والأوبريت الإيطالية مع أحمد أبي خليل القباني، ثم سلامة حجازي، وسيد درويش، كان لا مفر من أن يدخل العنصر التعبيري في الأغنية العربية، لأن في المسرح الغنائي قصة، ولأن القصة تقتضي أن تعبر بالموسيقى عن أحداث الرواية التي تمثل أمام الجمهور.

ومن هذا الباب، دخلت في الموسيقى العربية أنواع وأشكال ضرورية للسياق التمثيلي، ولبُنية المسرحية الغنائية هي: المونولوج، المحاورة والأوبريت. ظهرت هذه الأنواع الثلاثة في المسرح الغنائي أولاً، ثم تطورت وانتشرت انتشاراً عظيماً في السينما الغنائية.

في عشرينيات القرن العشرين، دخل محمد عبد الوهاب مجال المسرح الغنائي، بمسرحيتين مع سيد درويش، وثالثة مع منيرة المهدية، لذلك كان هو من نقل الأنواع الثلاثة الجديدة، أي المونولوج والمحاورة والأوبريت إلى السينما الغنائية.

رغم أن «أنشودة الفؤاد»، زكريا أحمد، (1932) هو الفيلم الغنائي العربي الأول، لكنه ليس هو الفيلم الذي أدخل الأنواع الموسيقية الثلاثة الجديدة إلى الموسيقى العربية، بل كان الفيلم الثاني هو حامل هذه الأنواع الثلاثة وهو فيلم «الوردة البيضاء»، محمد عبد الوهاب،(1933)، وهو أول فيلم ظهرت فيه الأغنية السينمائية بسماتها الحديثة.

تطوير الأنواع والأشكال الموسيقية

المونولوج: هو أغنية وجدانية بالدرجة الأولى، وهي سردية، لا تكرر أياً من العناصر الموسيقية، كالمذهب مثلاً، ولذا فهي تصح تماماً للسرد القصصي بواسطة الموسيقى والغناء. والمونولوج مستوحى أصلاً من الآريا في الأوبرا الإيطالية، حين يقف بطل المسرحية ويتأمل في حاله ومصيره، ويروي لنفسه ما جرى، ويعبر عن مشاعره حيال ذلك. ومن هنا كان دخول المونولوج بقوة في المسرح الغنائي ومن بعده في السينما الغنائية، وكذلك المحاورة، التي هي عماد المسرح، والتي دخلت أيضاً إلى السينما الغنائية.

أول مونولوجات السينما الغنائية العربية، سبعة، في فيلم «الوردة البيضاء»، (1933)، وفي فيلم محمد عبد الوهاب الثاني «دموع الحب»، (1935) ظهر أول مونولوج جنائزي، «أيها الراقدون تحت التراب»، الذي يبكي فيه عبد الوهاب حبيبته المتوفاة. وفي فيلم «نشيد الأمل»، (1937) قدم محمد القصبجي مونولوجاً رائعاً غنته أم كلثوم، هو أغنية: «منيت شبابي». في هذا المونولوج تمثل أم كلثوم دور الفتاة الفقيرة المظلومة، وهي تحلم في سياق الأغنية بالحب الذي سينقلها من حالة البؤس إلى حالة السعادة. في الصورة يتحول المشهد من بيت فقير إلى قصر فاخر، وتتبدل ملابس أم كلثوم من ثياب رثة إلى ثياب فاخرة.

في فيلم «غرام وانتقام»،(1944) عاود رياض السنباطي تلحين مونولوج جنائزي مدهش غنته أسمهان لحبيبها المتوفى بعنوان: «أيها النائم». ثم أعاد السنباطي تلحين أغنية شبيهة بالغناء الجنائزي، لعبد الحليم حافظ، هي أغنية: «فاتوني ألتقي وعدي»، في فيلم «ليالي الحب»،(1965)، وهي أغنية سينمائية بامتياز لأنها تتضمن مشاهد موسيقية مختلفة. فبعد بدايتها المأساوية الموحية بالحزن بشدة، تنتقل إلى حلم بالسعادة، ثم يعاود الواقع الحزين حضوره.

المحاورة: المحاورة (ديالوغ أو تريالوغ)، أغنية يتناوب في أدوارها مغنيان أو أكثر، يتبادلون فيها الكلام، ضمن سياق قصة الفيلم أو المسرحية الغنائية. وقد يكون فيها سؤال وجواب. قبل ظهور المسرح الغنائي العربي لم يكن ثمة محاورة في الغناء العربي.

لم تكن بطلة فيلم «الوردة البيضاء» (1933) سميرة خلوصي، مغنية، لذا خلا الفيلم من محاورة مغناة. أما فيلم عبد الوهاب الثاني «دموع الحب» (1935) الذي قاسمته البطولة فيه نجاة علي، فتضمن محاورتين: «ما أحلى الحبيب»، و«صعبت عليك». كذلك تضمن الفيلم الثالث لمحمد عبد الوهاب «يحيا الحب»، (1937) محاورتين مع ليلى مراد هما: «طال انتظاري لوحدي»، و«يا دي النعيم». لكن المحاورة الغنائية السينمائية العربية لم تبلغ ذروتها العليا، إلا في فيلم عبد الوهاب الرابع: «يوم سعيد»، (1939) في محاورة يمكن تصنيفها أيضاً كأوبريت أو مسمعاً أوبرالياً، هي «قيس وليلى»، وهي محاورة بين قيس والمهدي والد ليلى وليلى. وفي سنة 1944، ظهرت محاورتان غنائيتان ممتازتان، إحداهما: «حكيم عيون»، لمحمد عبد الوهاب وراقية ابراهيم في فيلم «رصاصة في القلب»، ومحاورة: «قلي ولا تخبيش يا زين»، لزكريا أحمد في فيلم أم كلثوم «سلامة».

الأوبريت: حين صار الفيلم السينمائي فناً رائجاً، برز نوع موسيقي ثالث في مكوناته، وهو الاستعراض الغنائي، المسمى: الأوبريت، وهو فن يقتضي إنفاقاً كبيراً في الإعداد والتدريب، لذلك فإن ضخامة التكاليف الواجبة لتنفيذه أخّرت ظهوره حتى بدأت السينما الغنائية تحقق أرباحاً تجارية قادرة على تغطية نفقاته.

أول أوبريت في السينما الغنائية العربية هو أوبريت «قيس وليلى» من فيلم «يوم سعيد» (1939)، وقد استطاع فيه عبد الوهاب أن يجمع بين التوزيع الموسيقي الأوروبي الطابع مع الأجواء والعوالم الصحراوية التي تدور فيها أحداث الأوبريت. وكذلك لمحمد عبد الوهاب استعراض غنائي فكاهي مرح، في فيلم «عنبر» (1948)، غنت فيه ليلى مراد، هو استعراض «يلي يقدر على قلبي»، وفيه يتقدم من ليلى مراد طالبو الوصال، فيستعرض كل منهم مؤهلاته، وقد أعطى عبد الوهاب كلاً منهم لحناً يمثل شخصيته، بعبقرية واضحة، وفق فن استعارة الأسلوب المعروف بالغرب بعبارة stylization. ولم يتأخر فريد الأطرش كثيراً، قبل أن يتحول إلى شبه متخصص، بل المسهم الأكبر في الأوبريت السينمائي، فأنتج تسعة أوبريتات في أفلام منها: «انتصار الشباب»، (1941)، «عفريتة هانم»،(1949)، «لحن حبي»،(1954). وأبدع محمد فوزي في بعض أفلامه في استعراضات غنائية ممتازة منها اسكتش «أبطال الغرام» في فيلم «الآنسة ماما» (1949)، وأوبريت «جنينة الغرام» من فيلم «الحب في خطر» (1951). وقد تميز أبطال الغرام، بحبكة موسيقية ممتازة، واستخدم فيها محمد فوزي أسلوب استعارات السخرية Parody.

في خلاصة الكتاب يقدم فيكتور سحاب مجموعة من التوصيات الناتجة عن البحث الذي أنجزه عن السينما الغنائية العربية، منها:

1 - العودة إلى تعليم الموسيقى بناءً على مصادر التربية الموسيقية العربية الأصيلة.

2 - التوسع في تعلم الوسائل العلمية الموسيقية الغربية.

3 - اعتماد الموازنات الحكومية من أجل تعزيز التربية الموسيقية.

4 - تنشيط دور وسائل الإعلام في التربية الموسيقية الثقافية.

5 - إنشاء مكتبة رقمية في جامعة الدول العربية لحفظ تراثنا السينمائي والموسيقي العربي، لأغراض التأريخ والبحث والدراسة والنشر.

كما يضم الكتاب في قسمه الأخير، ثبتاً بالأفلام الغنائية العربية منذ العام 1932 وحتى 1960، كما يضم ثبتاً بالأفلام الغنائية لكل من: محمد عبد الوهاب، أم كلثوم، محمد فوزي، فريد الأطرش، ليلى مراد، صباح، عبد الحليم حافظ، وفيروز.