عمان - رويدا السعايدة

لم تكن التحديات والضغوطات بعيدة يوماً عن الشباب الأردني، منذ تأسيس الإمارة وحتى اليوم.

لكن، وذلك لا يخفى على ذي بصيرة، ارتفعت وتيرة هذه التحديات والضغوطات في الوقت الراهن، فما الذي جرى وتغيّر.

في السنوات العشر الأخيرة، أو اكثر قليلاً، أحداث أثّرت على الأردن، بدءاً من الأزمة المالية العالمية، مرورا بما سمي «الربيع العربي»، إلى دول حدودية مع المملكة تغرق في مستنقعات الحروب والإرهاب..

كل ذلك، ضرب خطط بلد كان همّه الأول وشغله الشاغل؛ النهوض بمواطنه، الذي اعتبرته القيادة أغلى ما يملك.

مؤثرات وتداخلات أبطأت غصباً كل هذه الخطط، دون أن ينكر أحد نجاح أبقاء البلد، وهذا الأهم، بعيداً عن أتوان حزام النار الذي يحيط بنا من كل صوب وحدب.

هنا، شعر الشباب بثقل الصعوبات والتحديات، ليركن جزء كبير منهم إلى النظرة التشاؤميّة وما يعتريها من سلبيّة.

صحيح أن الحكومات المتعاقبة اضعفت دور الشباب بقصد أو غير قصد؛ ولكن على الشباب أيضاً دور في إعادة بث روح التفاؤل فيما بينهم وبما ينعكس ايجابا على المجتمع بأكمله، وهو ما اعتبره خبراء وناشطون تحدثوا لـ الراي ضرورة وواجباً وطنياً.

وتقف البطالة والفقر وارتفاع ارقامهما على رأس التحديات التي يواجهها الشباب الأردني.

ويلفت سامح الناصر رئيس ديوان الخدمة المدنية في تصريح لـالراي إلى 389 ألفاً و888 طلب توظيف في الديوان، 81 بالمئة منهم جامعيون، فيما 76 بالمئة منهم إناث.

وتشير الارقام الرسمية الصادرة عن دائرة الاحصاءات العامة إلى أن معدل البطالة بلغ خلال الربع الاخير من العام 2018 في المملكة، 18.7بالمئة، بارتفاع مقداره 0.2 نقطة مئوية عن الربع الاخير من العام 2017.

فيما تعرّف دائرة الاحصاءات الفقر بأنه ظاهرة معقدة ذات أبعاد متعددة اقتصادية واجتماعية، ويختلف مفهوم الفقر باختلاف البلدان والثقافات والأزمنة، ولكن من المتفق عليه أن الفقر هو ببساطة عدم القدرة على توفير الحد الأدنى من مستوى المعيشة المطلوب والمرغوب فيه اجتماعياً، وهو حالة من الحرمان المادي التي تتجلى إحدى مظاهرها في انخفاض استهلاك الغذاء كماً ونوعاً، وتدني الحالة الصحية والمستوى التعليمي والوضع السكني والحرمان من امتلاك السلع المعمرة والأصول المادية الأخرى وفقدان الاحتياطي أو الضمان، لمواجهة الحالات الصعبة كالمرض والإعاقة والبطالة والكوارث والأزمات.

والفقر في مفهومه العام، هو عدم مقدرة الشخص على توفير الدخل اللازم لتلبية الحاجات الأساسية (الغذاء، المأوى، الملبس، التعليم، الصحة، والنقل)، التي تمكنه من أداء عمله بصورة مقبولة.

شمعة أمل

الناشط الشبابي المهندس أحمد عواد يؤكد أن الحديث عن الشباب الأردني والطموح والأمل يترجم من خلال المبدعين والمبادرين ممن يحققون النجاح والإبداع والابتكار في مختلف ميادينه رغم كل التحديات التي تواجههم.

ويؤمن عواد بأن الشباب الأردنيّ شباب واعٍ ومثقف وحريص على مصلحة وطنه والحفاظ على مقدراته ويتطلع دائماً إلى أن يرى الوطن في أبهى وأجمل صورة وفي مقدمة دول العالم في المجالات كافة.

وينوه بأن الشباب يسعى دوماً لأن يكون مساهماً في تحقيق التنمية الشاملة المستدامة وذلك تحقيقا لرؤى قيادتنا الهاشمية الحكيمة.

ويلفت الى أن جلالة الملك يؤكد دائماً أهمية دور الشباب والاستثمار في قدراتهم وإبداعاتهم ويوجه دائماً الحكومات وكافة الجهات من خلال الأوراق النقاشية أو كتب التكليف السامي إلى أن الاستثمار بالشباب وقدراتهم وتحفيز الريادة والابتكار هي الأساس لتحقيق النهضة الشاملة في جميع المجالات.

من رحم المعاناة

ويتفق الناشط الشبابي فيصل صويص مع رأي عواد، حول حجم التحديات الكبيرة التي تواجه الشباب وعلى المسؤولية الكبيرة التي تقع على عاتقهم لإضاءة الأمل وتحفيز الإبداع والعمل مع الجميع في القطاعين العام والخاص ومؤسّسات المجتمع المدنيّ المحلية والدولية لإيجاد حلول خلاقة وتحويل التحدي إلى فرص تضيء سماء الوطن طموحاً بحاضر ومستقبل مشرق.

ويشدد صويص على أن الشباب هم صناع الأمل والتفاؤل بالمجتمع الأردني ليس فقط لأنهم الاغلبية بل لأنهم ينظرون إلى الأمور بطريقة مختلفة وهم من سيحملون الراية للأجيال القادمة.

ويستطرد قائلا «التحديات كبيرة وعميقة ويعاني منها الشباب الأردني وتحديدا من الجانب الاقتصادي فنسب الفقر والبطاله بازدياد».

صويص يؤكد أنه «من رحم المعاناة يولد الأمل والتفاؤل»، وذلك من خلال مواجهة المشاكل والتحديات، دون التركيز في الحديث فقط على السلبيات وترك الايجابيات ما يعطي صورة مليئة بالتشاؤم والسلبية وبالتالي يؤثر بشكل أو بآخر على عزيمة الشباب.

ويطالب الجهات المعنية بضرورة تسليط الضوء على الفرص والانجازات للشباب واتخاذ الإجراءات اللازمة لتمكينهم سياسياً واقتصادياً واجتماعياً لانهم هم من يستطيعون السير في الوطن ومستقبله.

ولا يغفل صويص عن تأكيد أن الحكومات المتعاقبة أضعفت دور الشباب بقصد أو غير قصد؛ فالشباب في الوقت الراهن يعانون من صعوبات الحياه وضغوطاتها؛ لكن عليهم أن يخرجوا ويطرقوا الابواب ليعلوا صوتهم بالإنجاز وليصلوا الى ما يتمنون.

دافعية للعمل

من جهته يرى الاستشاري الاجتماعي والباحث في قضايا المواطنة الدكتور فيصل غرايبة أن رعاية الشباب تتطلب العمل لجعلهم طاقات إيجابية ولديهم دافعية للعمل وصناعة المستقبل ليس لهم فقط بل للمجتمع برمته.

ويبين أن الهدف لا يتأتى من خلال العبارات الإنشائية والتعابير الأدبية بل يتم من خلال العمل الدؤوب وبث الحماسة لدى الشباب والغيرة في نفوسهم على الوطن ومصلحته.

ويبين أن على الشباب التصميم للوصول لمستقبل أفضل لهم وللمجتمع أجمع لمواجهة التحديات من خلال التعويد والتدريب والممارسة والمحاولة التي يسبقها إعداد تربوي توجيهي من خلال الاسرة والمدرسة والمجتمع المحيط.

ويستطرد بالقول: انه إذا ما ثبت للشباب أن اعمالهم ونشاطاتهم أتت أكلها عملياً بصورة قاطعة تتولد لديهم القناعة أن قضية الحماسة والثقة بالنفس والطاقة الايجابية يمكن ان تتوافر من خلال العمل وبذل الجهد والإنتاج.

ويشير الى أنه في الآونة الأخيرة ظهر مصطلح الطاقة الايجابية وهو المفهوم الذي يحض على طرد السلبية ليكون الشباب عاملين مخلصين مثابرين همهم الوصول الى مستوى رفيع من العمل والإنتاج والانتقال بأنفسهم والمجتمع الى مستقبل أفضل عبر الطاقة الخلاقة التي لا تتوقف عند الحال كما هو بل تسعى لمستوى افضل منه ووضعية مريحة في قابل الايام.

الحياة تجارب

في الإطار، تقول أستاذة علم النفس الإكلينيكي في جامعة عمّان الأهلية، الدكتورة فداء أبو الخير، إن التفاؤل يتجلى في أوقات المحن والشدة وليس في الرخاء؛ كما يرتبط بالافكار الايجابية تجاه الذات والآخرين.

وتؤكد ضرورة أن يكون هناك توازن في نظرة الشاب للمجتمع وعدم الانحياز الى التفكير السلبي لما له من اثر على الصحة النفسية والجسدية.

ولا تنكر أبو الخير ان كل شخص قد مرّ في تجربة سلبية في مختلف مناحي الحياة وعلى الشباب الاستفادة من تلك التجارب في رسم مسيرة حياتهم بشكل أفضل.

وتدعو الشباب إلى رسم أحلامهم بما يناسب قدراتهم وامكانياتهم والابتعاد عن الوحدة والفراغ لما لهما من اثر في تعزيز السلبية.

ظروف قاهرة

الاستشاري النفسي والتربوي موسى مطارنة يرى أن التفاؤل والأمل هما جانبان نفسيان يولدان مع الانسان ولهما دور في تعزيز جانب الحب والانسانية وأن غدا افضل للسير في حياة خالية من المشاكل النفسية.

ويرى مطارنة أن الجانب التحفيزي للأمل هو مطلب أساسي يجب أن يتوافر في الآباء والامهات اولا ليكونوا قدوة لابنائهم في تخطي عقبات الحياة.

وهو لا ينكر دور الحكومة والجهات المعنية في العناية بالشباب في ظل ظروف قاهرة وتحديات اقتصادية يمر فيها المجتمع عبر تعزيز الجانب الابداعي لديهم واحتواء الطاقات الشبابية لصناعة مجتمع متطور.

ويشدد على أن التفاؤل ينمو مع المساندة الاسرية والاجتماعية لانارة الطريق للشباب وايجاد ثقافة التفاؤل والامل لديهم.

ويدعو الشباب أن يتسلحوا بالمهارات والخروج من القالب التقليدي في السير بحياتهم العملية وعليهم المثابرة والمجاهدة لتحصيل مكانة مرموقة لهم.

ويتفق غرايبة ومطارنة وابو الخير على أن التفاؤل يأتي كأهمية كبيرة يجب أن تبدأ من البيت والمدرسة ومن خلال وسائل الإعلام والتوجيه بهدف ايجاد هذه الحالة في نفوس أبناء الجيل الجديد؛ كما ان للاسرة والببيئة الاجتماعية المحيطة بالشباب من آباء وتربويين ومربين مسؤولية كبرى لصناعة الدافعية لديهم.