أبواب - ندى شحادة

يتحملون العناء في شبابهم لتربية أبنائهم أفضل تربية، ويحرمون أنفسهم من الراحة كي تقر أعينهم برؤية أولادهم في أفضل حال، وتمر الأيام والسنون ويكبرون لتبدأ معاناتهم مع من حرصوا على أن يكونوا أسعد الناس، فيظهر العقوق الصامت في صور كثيرة ليتسبب بجرح لا يندمل في نفسية الآباء والأمهات.

فها هو الستيني «أبو محمد» يعمل في دكانه الصغير حتى الرابعة مساءً، وبعد عودته يهم بشراء حاجيات البيت وولده محمد يجلس خلف شاشة هاتفه الخلوي أو جهاز الحاسوب، لا يأبه بوالده الذي يعمل دون كلل أو ملل لتأمين متطلبات عائلته، حتى أنه لا يتكلم معه سوى بعض كلمات لا تتناسب مع علاقة الآباء بأبنائهم.

أما الخمسينية «أم عادل» تتعرض للصراخ والتأفف من قبل ابنتها ذات العشرين ربيعا بشكل مستمر، حتى وصل بها الأمر إلى تهميش والدتها وعدم سماع نصائحها أو كلامها.

ما سبق، صور عديدة قد لا يتم تصنيفها ضمن عقوق الوالدين الإ أنها قد تكون كمقدمات صامتة وخفية تؤدي إلى عقوقهما في المستقبل.

يبين أستاذ الشريعة الإسلامية أنس الكسواني ذلك قائلا: «في الآونة الأخيرة ظهرت سلوكيات كثيرة للأبناء تجاه والديهم حيث تعد شكلا من أشكال العقوق الخفي الذي أخذ يفتك في أسرنا في الفترة الأخيرة بشكل واضح، فأصبح الأبناء لا يلقون بالا لآبائهم وأمهاتهم ولا ينصتون إليهم، بل وصل الأمر بصراخ الأبناء على آبائهم وأمهاتهم والتذمر من نصائحهم».

ويؤكد: «أن للتربية أثراً كبيراً في صلاح الأبناء، فالأولاد يولدون على الفطرة ومن ثم يأتي دور التربية في الحفاظ على هذه الفطرة، ولذلك يجب أن يربى الأبناء على مراعاة حقوق الوالدين، فلا ينادون آباءهم بأسمائهم المجردة، أو يجلسون قبلهم، أو يضجرون من نصائحهم أو يخالفون أوامرهم، وغيرها من الأمور».

ويتابع: «على الآباء دوما أن يربطوا احترام أبنائهم بحقوق الشرع لا بكثرة ما يقدمون لأبنائهم، فنرى أن بعض الأمهات يطلبن من أبنائهن احترام آبائهم لأنه هو الذي فعل كذا وكذا».

ويقول الكسواني: «علينا أن نتذكر دوما بأن الوالدين هما اللذان ضحيا وقدما الكثير لأبنائهما وجاهدا في تربيتهم، ولذلك فهما أحق الناس بالرعاية والإحسان و يجب احترامهما وتجنب أي كلمة يمكن أن تسبب الأذى لهما، كما يجب عدم التقاعس عن تقديم المساعدة لهما أو الجلوس معهما».

ويلفت إلى أنه: «يمكن الحد من مشكلة العقوق الصامت عن طريق التزام الأبناء في الصلاة وتربيتهم على استشعار مخافة الله، وبتذكيرهم بأن العقوق من الموبقات السبع ويعد من أعظم الجرائم التي تحول بين العبد ودخوله الجنة».

ويذكر الكسواني بأن: «آيات البر بالوالدين كثيرة، وخصص أغلبها للبر بهما عند كبر سنهما وذلك لما يحدث لديهما من وهن وضعف يؤثر على صحبتهما ونفسيتهما».

وتبين الباحثة التربوية والإجتماعية لمى الحرباوي: «بأن تطور التكنولوجيا الذي نشهده تأثيرا سلبيا على العلاقات الإجتماعية وخاصة على نطاق الأسرة بشكل خاص، حتى أن بعض الأبناء أصبحوا يعيّدون على آبائهم بالهاتف».

وتذكر بأن: «التكنولوجيا قللت من الترابط الأسري والمجتمعي بشكل كبير، فأصبح الأبناء يقضون جل وقتهم على الهواتف الذكية دون أن يلقوا بالا بآبائهم وأمهاتهم، وللأسف أصبحت الطفرة التكنولوجية هي الأساس في منازلنا، وزادت من الانطوائية والعزلة داخل الأسرة الواحدة وأثرت على طبيعة العلاقة بين الأبناء والآباء، فإدمان تلك الأجهزة ألغى وسائل التواصل الانساني الطبيعي في الأسر وأفقدها دفأها العاطفي وزاد من هشاشتها فأصبح الأبناء لا يكترثون بآبائهم ولا لأوامرهم».

وتشدد على أنه: «يجب أن يفرض الآباء على أبنائهم ضرورة إيجاد توازن في التعامل مع الوسائل التكنولوجية، وعلى الأبناء أن يدركوا بأن طبيعة الحياة الأسرية والامتثال لأوامر الأب والأم والتفاعل معهم ضرورة حتمية، كما عليهم أن يدركوا أيضا بأن ذلك العالم الإفتراضي يمكن أن يوقعهم فريسة للاكتئاب والعزلة عن محيطهم ويزيد من الجفاء ويغيّب لغة الحوار الأسري».

وتضيف: «لقد أصبحنا نرى بعض الأبناء لا يستجيبون لأوامر ونواهي الوالدين، لأن الجيل الجديد أصبح أسيرا للتكنولوجيا الحديثة وأضحى مؤشراً لعقوق الوالدين ولكن بطريقة أخرى كالجلوس طويلا أمام الأجهزة الذكية وتغير سلوكياتهم الناجمة عن ذلك».

وتؤكد الحرباوي: «ضرورة استعادة جسور العلاقات الأسرية إلى شكلها الماضي وفتح باب الحوار وعقد الجلسات اليومية بين الآباء والأبناء بعيدا عن الأجهزة الذكية».