لمياء نويرة بوكيل

«لم يزل مجلسي على تلّي الرملي يصغي إلى أناشيد أمسي، لم أزل طفلة، سوى أنّني قد زدت جهلاً بِكُنْه عمري ونفسي»

(نازك الملائكة)

(أبي الحبيب، أعتذر منك بشدة.. إنّي أشعر اليوم بوخز الضمير، إذ تذكّرت كم ضلّلتك ولم أصْدُقْك القول..

حين كنّا صغاراً، كنتَ تمنعنا من الولوج إلى مكتبك، وتوصد دوننا بابه بإحكام، لكنّك كنت تشرعه يوم العطلة الأسبوعية، وتوصينا مشيراً إلى تلك الخزانة العجيبة الملأى بالحكايات والمغامرات والأحلام، قائلاً بكل حبّ وحزم:

«كل الكتب والقصص متاحة لكم، فقط أوصيكم بأن تعيدوا كل كتاب بعد مطالعته إلى مكانه وبفائق الترتيب، وعندما أعود آخر النهار وأفرغ من كلّ مشاغلي، اعرضوا عليّ حصيلة يومكم، وعدّدوا لي ما قرأتم».

سامحني يا أبي الحبيب، لأنّني ضلّلتك وأوهمتك بأني كنت على غرار إخوتي ألتهم الكتب التهاماً. في الواقع أيها الغالي، لقد كنت أعيد في كلّ مرة قراءة الكتاب نفسه بشغف شديد... قصة «أمّ الضفائر».. معشوقتي الجميلة المتصدّرة على الغصن الشاهق للشجرة الوارفة متشابكة الأغصان، تلك الجميلة المعلّقة كنجمة مضيئة، تطلق بذهب جدائلها الطويلة جداً للريح، وتلامس أديم الأرض..

كنتُ يا أبي، أقرأ القصة مراراً وأعيدها تكراراً من دون ملل، ومع ذلك فقد كنت لا أكاد أذكر شيئاً من أحداثها. كنت فقط أتعجب من صور الطفلة البعيدة، وأطيل التفرُّس في ضفائرها الطويلة الخشنة المتدلّية، وأمد يدي إلى طرفيها، وقبل أن أتسلّقها يا أبي، أجدها قد تسلّلت إلى قبلي، وتسلّقت أحلامي... كنت أصرخ مزهوّة وأتحسس رأسي، فأجدني قد اكتسبتُ جدائل من حرير ذهبية الخيوط، تمتدّ كأجنحة، وتأخذني عالياً، وتسبح بي بين الغيوم..

سامحني يا أبي الحبيب، لقد كنتُ أغادر البيت من دون إذنك.. لقد كانت أحلامي الصغيرة أوسع مدى وأرحب مكاناً. كنت لا أكتفي مثل بطلة القصة بالقبوع فوق غصن الشجرة.. كنت أطلق لجديلتيّ الجميلتين العنان، فتحلّقان بي أحياناً، وترتفعان أحياناً أخرى، وأهشّ بهما برفق على رؤوس الطيور الطيّبة، وأصادق النسور وأسابقها، فنعرّج على النجوم المضيئة في عزّ النهار، نلقي عليها سلاماً ونضحك.. نضحك كثيراً ملء قلوبنا وأفواهنا.. ولكن، لتطمئنّ يا أبي الطيّب، لقد أثمرت تربيتك فيّ: لقد كنتُ أدلي بضفائري العجيبة من الأعالي، لأرجم عن السماء شياطينها المتجسّسة، وأكنس عن الأرض لتخصب وتملأ جوفها وجوانبها عطراً وزهوراً وثمراً طيّباً.. ولمّا كان ضوء الشمس يخبو يا أبي، ويطلّ عليّ القمر المبهر البهيّ، أفهم أن الليل قد أدركني، فأسرع بالهبوط، حتى يحطّ بي ذلك النسر الطيّب على غصن الشجرة. ساعتَها أهمُّ بالاستواء في جلستي لتسوية خصلات سفري وتجوالي البريء، ألمس رأسي وأتحسّسه، فلا أجد غير شَعر قصير، قصير جدّاً يا أبي..

سامحني أيها الحبيب لأنّني كنت جبانة، ولم أصارحك يوماً بالحقيقة، تماماً كما كنتُ كذلك أمام أمّي، ولم أواجهها يوماً بحجم نقمتي، ولم أصرخ مرّة في وجهها، ولم أركل الأرض بقدمَيّ الظريفتين مثلما يفعل الصغار في سنّي، حنقاً أو دلالاً أو تطاولاً. إنّني لم أكن أفعل شيئاً من ذلك، بالرغم من أنّها كانت تقتلني في كل مرة تحتال فيها عليّ، وتلعب بمقصّها الغاشم في شَعري، متظاهرةً بالغفلة قائلة:

«يوووه، راغ الشقيّ وفلت من زمامي... لا بأس سأحفّفه من هنا.. ومن هنا»..

ثم تتمادى حتى تقول جملتها المقيتة تلك:

«ما أجملك الآن يا صغيرتي... ثم إنّ الشعر القصير أسلم، فالأمراض والعدوى تترصّد الرؤوس في الفصول».

كانت أمّي تتركني مقصوصة الجناحين يا أبي.. أرتعد، عارية من شعري، عارية من فرحتي، عارية من أحلامي التي تملؤني.. ولم تكن أبداً تدرك حجم ألمي، وقدر موتي وخيبتي...

يا أبي الحبيب، بينما كنتَ أنت تُكسبني لمّا تشرع أبوابَ تلك الخزانة جناحين أطير بهما طيران الملائكة إلى جناتٍ عذبة ومداد شاسع، كانت أمي في كل مرة تُعمل فيهما تينك الشوكتين الحادتين، توصد في وجهي كل المعابر إلى الأحلام.. لكن لا تبتئس يا أبي العزيز الحنون، ليس في قلبي تحامُل عليها لأنّني في ما بعد عرفت كيف أمسك بزمام أموري..

يومَ رقّ قلبي للحبّ، وهفا لانتظار الأمير، عرفتُ أنّ تلك الطفلة التي فيّ قد كبرتْ وما عادت ترضى بالخنوع، فتشبّثتُ بأحلامي، وشددتُ عودي، وملكتُ زمام أمري... لقد صرت أشدّ تعلّقاً بشَعري، أصون جدائلي أكثر، أحفظها، أربّيها، أضفرها وأطيلها، أسرّحها، وأمهّدها طريقاً يسلكها إليَّ أميري، الطريق الوحيدة إلى قلبي، لنطير معاً بأحلامنا الوردية إلى سماوات الشغف والأماني الطيبة، تلك السماوات التي تعرفني منذ سنين بطيورها ونجومها وغيماتها ونسورها).

***

وقفتْ فجأة وهي تطوي الرسالة وتدسّها في حقيبة يدها بعد أن تلتها عليه، وقبل أن تغادر المكان واجهته قائلةً:

«كذا كنت أفعل، كلّما ضايقني أمرٌ وخنقني، أبثّ حيرتي ووجعي في رسالة.. أخطّها بحبر دمعي وأخبّئها عندي».

وأضافت وهي تشير إلى صدرها: «يا أميري وحبيبي، ها قد فتحتُ لك باباً من صندوق سرّي، وعرفتَ لماذا كنت أعرض وأشيح بوجهي كلما أخبرتَني أنّك تحبّني بشَعر قصير، وتلحّ عليّ بأن أقصّه، وأجعله بتسريحة أكثر مواكبة للموضة والعصر... وبالرغم من كلّ ما سمعتَ منّي، سأفعل من أجلك ما تريد».

ابتسم وأنامله تتسلّل في شَعرها قائلاً: «حبيبتي لا تفعلي، لن أحرم هذه الطفلة فيكِ من الطيران مرّة أخرى».

• كاتبة تونسية