عواد علي

يبدو عرض «سأموت في المنفى»، الذي قدّمه الفنان غنام غنام في افتتاح مهرجان عشيات طقوس المسرحي الثاني عشر بعمّان قبل أيام، أقرب إلى عروض المونودراما، لكنه ليس مونودراما بمعنى دراما الشخصية الواحدة، وذلك لوجود شخصيات وأصوات عديدة فيها يؤديها ممثل واحد، لذا فهو، بحسب ما أرى، عرض الممثل الواحد (One Man Show).

يضطلع غنام غنام في هذا العرض بخمس وظائف: فهو الكاتب والراوي والشخصية (أو البطل) والممثل والمخرج، وكل ما يسرده ويؤديه إنما من منظوره أو وجهة نظره، عالماً بكل شيء عن الشخصيات التي تتخلل الأحداث، مثل كاتب السيرة الذاتية، ولذلك يمكن أن نصطلح على هذه التجربة بـ «السيرة الدرامية» على غرار ما يُعرف بـ «السيرة الروائية»، وهي سيرة تطهُّرية يمارس فيها المكاشفة مع الذات ومع الآخر. وعلى الرغم من اعتراف غنام بأن النص من السجلّ الشخصي، فإنه يعتبره نموذجاً لحكايات فلسطينية كثيرة.

يتضمن نص المسرحية أربعة أنواع من المظاهر السردية: السرد الاستهلالي، والسرد الاستترجاعي، والسرد المناجاتي (بما فيه البوح والاعتراف)، والسرد الاستباقي.

تبدأ المسرحية بسرد استهلالي يخاطب فيه البطل الجمهور، وهو سرد عرفته الدراما القديمة تحت اسم «البرولوج» الذي كان يشكّل مشهد البداية، ويأتي في صيغة خطاب مسرحي يوضح للجمهور بعض المسائل، ويشير أحياناً إلى محتوى العمل المسرحي. ووظفه بريخت لكسر الجدار الوهمي وتأكيد اللعبة المسرحية. يظهر البطل في المكان، ويلقي تحيته المسرحية على الحضور الذين يجلسون على شكل حلقة: «الله يمسّيكم بالخير ويمسّي الخير فيكم، لأنه الإنسان بيحلى بالأيام والأيام بتحلى بالإنسان، وأحلى الناس هم البني آدمين، وأحلى البني آدمين هم الناس، ومساء الخير عَ البني آدمين».

وفي مشهد ما قبل النهاية، يواجهنا غنام بسرد استباقي يَندُرُ استخدامه في المسرح، يقول فيه: «سأموت في المنفى، ويحمل نبأَ موتي إعلانا نعيٍ.. واحد من نقابة الفنانين بحكم العضوية، والآخر من عائلتي لتحديد مكان العزاء، وسيضع الأصدقاء على الفيس بوك عبارات الوداع على رأس صفحاتهم، يتبادلون بعض مقاطع الفيديو من مسرحياتي... وسيمشي في الجنازة ولدي، وسيتعذر الأمر على بنتيّ المقيمتين في فلسطين، بينما ستأتي صغرى البنات قادمةً من منفى غربيّ بارد، لكنها ستصل بعد مراسيم الدفن». ولعل هذا المقطع الذي اجتزأناه من النص يتناغم تماماً مع عنوان المسرحية بصيغته الاستباقية التراجيدية «سأموت قي المنفى».

زاوج الفنان غنام غنام في أدائه بين الأسلوب التقديمي (أسلوب الراوي أو الحكواتي) الذي يتجنّب تقمُّص الشخصية أو التماهي فيها، معززاً إياه بالتواصل مع المتلقّين، وكسر ما يسمى «الجدار الرابع» (الوهمي) بينه وبينهم لإشراكهم في الفعل المسرحي، والأسلوب التمثيلي (الاندماجي/ التقمصي) متنقلاً بين الأسلوبين بمهارة الممثل اليقض، الحساس، المليء بالحيوية، المسترخي، المسيطر على جسده وحركاته وإيماءاته وصوته، من غير اتكاء على سينوغرافيا، سوى كرسي واحد وظّفه علامةً مسرحيةً متحولةً للإيحاء بمدلولات عديدة. ومن هنا فإن العرض يصلح أن يُقدَّم في أيّ فضاء لأنه يقوم على عنصرين جوهريين من عناصر المسرح: الممثل والفضاء الخالي كما يقول بيتر بروك.

لقد نجح غنام إلى حد بعيد في شدِّنا إلى العرض وجعلنا نتفاعل معه ونتعاطف مع الشخصية (شخصيته) التي واجهت مجموعة من المحن في الداخل والشتات، وإيقاظنا وتحريضنا على مواصلة مقاومة الاحتلال الصهيوني لوطنه، إذ إن كل إنسان في العالم فلسطينيّ حتى تتحرر فلسطين.

«سأموت في المنفى» عرض مسرحي مهم يثير سؤالاً كبيراً عن الهوية والشتات وتقلبات المصير.

• كاتب عراقي مقيم في الأردن