وليد سليمان

في هذه المناسبة العطرة «رأس السنة الهجرية الجديدة» نستذكر معاً للشاعر «رضا الجنيدي» هذا النشيد الديني المؤثر الذي يُلخص قصة هجرة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة الى يثرب المدينة المنورة:

قريشٌ تمادتْ بظلمِ النبيِّ

فقامتْ إليه تُريدُ القتالْ

ومن كلّ قومٍ رجالٌ وسيفٌ

ونارُ العنادِ تزيدُ اشتعالْ

ولكنَّ ربِّي عزيزٌ حكيمٌ

رؤوفٌ رحيمٌ أنامَ الرجالْ

فلمّا أفاقوا أقرُّوا جميعاً

بأنَّ مُناهم بعيدُ المنالْ

ولكنْ تمادوا بحقدٍ غبيٍّ

فقاموا برفعِ لواءِ الضلالْ

وآذوا كثيراً مُحبِّي النبيِّ

فكانتْ دماهُمْ لديهمْ حلالْ

وجاءَ قضاءُ الإلهِ إلينا

ونحو المدينةِ شُدَّ الرحالْ

مضوا عن ديارٍ لكمْ عمَّروها

وكلّ المتاعِ وكلّ العيالْ

ولبُّوا لداعي الإله نداءً

نداءَ التآخي فنعم الوصالْ

وهلَّ النبيُّ كبدرٍ منيرٍ

أضاءَ البلادَ وربَّى الرجالْ

أقامَ الصلاةَ وآتى الزكاةَ

فهيَّا أرحنا بها يا بلالْ

بنى دولةَ الحقّ سرّ الحياةِ

أقامت بلاداً قروناً طوالْ

فكانتْ دليلاً لكلّ العلومِ

وصرحاً كبيراً يفوقُ الخيالْ

وكانتْ لكلّ الدروبِ سراجاً

ففيها الحياءُ وفيها الجمالْ

وصرنا نُعَزُّ بدينِ الإله

ونحنُ لنا بالرسول امتثالْ

قبل التقويم الهجري!!

كانت القبائل العربية في الجاهلية قبل الاسلام تؤرخ وتستعمل عدة تقاويم بفترات متباينة مبتدئة بالسنين بما يحصل معها من أحداث جسام!! مثل بناء سيدنا ابراهيم وابنه اسماعيل عليهما السلام للكعبة.. وقبائل عربية اخرى أرخت اعتماداً على حدث انهيار سد مأرب في اليمن.. أو حرب الفجار.. وآخرون أرخوا اعتماداً على موت رئيس قبيلتهم او تسلم شيخ او رئيس قبيلة جديدة لمقاليد الحكم.

ومن اشهر تلك التقاويم العربية ما قبل الاسلام والتي ارخ بها أهل مكة وتبعتهم بعد ذلك قبائل اخرى هو تقويم «عام الفيل» الذي اعتمد التقويم القمري ورؤية الهلال، لكن دون ذكر السنوات بالأعداد والارقام!.

وقد بقي تقويم الفيل سارياً يؤرخ به العرب قبل الاسلام وحتى زمن الاسلام قليلا.. الى ان اعتمد المسلمون التقويم الهجري الجديد والمستعمل حتى هذه الايام.

كيف اختير التقويم الإسلامي!

فبعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم في سنة «11» هجرية واستلام الخلفاء الراشدين زمام أمور المسلمين فقد بدأت الفتوحات الاسلامية واتسع مداها... وعندئذ التبس الأمر على المسلمين في الاشارة الى سنة ما!!.

و نظراً لكثرة الحوادث الاسلامية المهمة واختلاف مواقع حدوثها، وكثرة أموال الجزية التي كانت تدفع للمسلمين، ونظراً لأنهم كانوا يؤرخون بالتقويم الميلادي لبعض الحوادث التي تطرأ في الفتوحات لذا بدأ المسلمون في التفكير لحل هذا الالتباس.

ففي سنة «17» هجرية جمع الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجوه الصحابة للبحث في أمور التقويم الاسلامي بحيث تكون بدايته من حدث اسلامي عظيم الشأن.

وبالتالي فمنهم من اقترح ان يبدأ التقويم منذ يوم مولد الرسول صلى الله عليه وسلم، وآخرون اقترحوا منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن علي بن ابي طالب كرم الله وجهه اقترح بجعل التقويم الاسلامي و(بأثر رجعي) ان يكون منذ هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة الى المدينة المنورة.

وقد اتفق بالفعل الخليفة عمر والصحابة على رأي علي بن ابي طالب لما لهذا الحدث من معانٍ سامية وانتصار للاسلام، ومن هنا سمي التقويم الاسلامي بالتقويم الهجري.

الشهور في التقويم الهجري

السنة الهجرية تتألف من 12 شهرا قمرياً أي «354» يوماً شمسياً وسطياً، بينما في السنوات الكبيسة تتألف من «355» يوماً.

فالتقويم الهجري هو تقويم قمري خالص طوال العام، ولا علاقة للشهور بفصول السنة الاربعة! أي ان شهر رمضان مثلاً ربما يأتي في فترة ما في فصل الصيف، وفي فترة ما أخرى ربما في فصل الشتاء، وذلك بعكس التقويم الغربي الميلادي.

والشهور المستخدمة في التقويم الهجري هي نفسها التي كانت سائدة لدى العرب في الجاهلية، لكن المسلمين جعلوا غُرة الأشهر هو شهر محرم من كل سنة، لأنه أول الأشهر التي حُرم فيها القتال.

ثم ان الشهر الهجري يبدأ برؤية هلال القمر وينتهي برؤيته مرة اخرى.

فالتقويم الهجري القمري أو التقويم الإسلامي هو تقويم قمري يعتمد على دورة القمر لتحديد الأشهر، ويستخدمه المسلمون خصوصاً في تحديد المناسبات الدينية.

الأشهر في التقويم الهجري

1 - محرّم: (مُحَرَّم الحَرَام) وهو أول شهور السنة الهجرية ومن الأشهر الحرم: سمى المحرّم لأن العرب قبل الإسلام كان يحرّمون القتال فيه.

2 - صفر: سمي صفراً لأن ديار العرب كانت تصفر أي تخلو من أهلها للحرب، وقيل لأن العرب كان يغزون فيه القبائل فيتركون من لقوا صفر المتاع.

3 - ربيع الأول: سمي بذلك لأن تسميته جاءت في الربيع فلزمه ذلك الاسم.

4 - ربيع الآخر: (أو ربيع الثاني) سمي بذلك لأنه تبع الشّهر المسمّى بربيع الأول.

5 - جمادى الأولى: كانت تسمى قبل الإسلام باسم جمادى خمسة، وسميت جمادى لوقوعها في الشتاء وقت التسمية حيث جمد الماء وهي مؤنثة النطق.

6 - جمادى الآخرة: (أو جمادى الثانية) سمي بذلكَ لأنّه تبع الشّهر المسمّى بجمادى الأولى.

7 - رجب: وهو من الأشهر الحرم، سُمي رجباً لترجيبهم الرّماح من الأسِنة لأنها تُنزع منها فلا يقاتلون، وقيل: رجب أي توقف عن القتال. ويقال رجب الشيءَ أي هابه وعظمه.

8 - شعبان: لأنه شعب بين رجب ورمضان، وقيل: يتفرق الناس فيه ويتشعبون طلبا للماء. وقيل لأن العرب كانت تتشعب فيه (أي تتفرق)؛ للحرب والإغارات بعد قعودهم في شهررجب.

9 - رمضان: وهو شهر الصّوم عند المسلمين. سُمّي بذلك لرموض الحر وشدة وقع الشمس فيه وقت تسميته، حيث كانت الفترة التي سُمي فيها شديدة الحر، ويقال: رمضت الحجارة، إذا سخنت بتأثير الشمس.

10 - شوال: وفيه عيد الفطر، لشولان النوق فيه بأذنابها إذا حملت «أي نقصت وجف لبنها»، فيقال تشوَّلت الإبل: إذا نقص وجفّ لبنها.

11 - ذو القعدة: وهو من الأشهر الحرم: سمي ذا القعدة لقعودهم في رحالهم عن الغزو والترحال على اعتباره من الأشهر الحُرُم.

12 - ذو الحجة: وفيه موسم الحج وعيد الأضحى وهو من الأشهر الحرم. سمي بذلك لأن العرب قبل الإسلام يذهبون للحج في هذا الشهر.

التحويل بين التقويمين الهجري والميلادي

ورد بالقرآن في سورة الكهف: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً﴾ وفي تفسيرها: عند أهل الكتاب أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة شمسية وهنا ذكر ثلاثمئة قمرية والتفاوت بين الشمسية والقمرية في كل مئة سنة ثلاث سنين فيكون في ثلاثمئة تسع سنين، فلذلك ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾.

عموما يوجد فرق حسابي قدره ثلاث سنوات كل مئة عام بين التقويمين ولم يكن العرب أهل علم بالحساب ولم يكونوا يعرفون كيف يحسبون السنين الميلادية والهجرية، أي باختلاف سني الشمس والقمر؛ لأنه يتفاوت في كل ثلاث وثلاثين وثلث السنة، سنة فيكون في ثلاثمئة تسع سنين، ولذلك ذُكر الفرق في القرآن «وازدادوا تسعاً» ليبين لهم الفرق بين التقويم المستخدم في عهد أهل الكهف وهو تقويم شمسي، والتقويم القمري المستخدم عند العرب، فأخبرهم الله بذلك توضيحاً.