تناولت دراسة متخصصة بالعناية بمرضى السكري بدات منذ عام 2009، تتبع الباحثون حالة مرضى يعانون الداء السكري من النمط الثاني وعوامل أخرى تجعلهم عرضة للأمراض القلبية الوعائية. فلاحظوا رابطاً بين ارتفاع معدل السكر في الدم واضطرابات التفكير والذاكرة.

لسنوات من سوء التحكم في الداء السكري تأثيرات سلبية في القلب، الأوعية الدموية، الكليتين، والعينين. ولكن من الممكن لأي خلل طفيف في معدل السكر في الدم أن يؤذي أيضاً مقدراتك التفكيرية وذاكرتك.

ولكن هل لارتفاع معدل السكر في الدم تأثير على قوة الدماغ في حالة مَن يعانون مرض القلب، حتى لو كانوا لا يُصنفون فعلياً من مرضى داء السكري؟ هذا هو السؤال الذي سعت الدكتورة أليسون غولدفاسن، بروفسورة مساعدة متخصصة في الطب في مركز جوسلين للداء السكري التابع لجامعة هارفارد، الإجابة عنه في بحثها الأخير. فقد أجرت هي وزملاؤها مجموعة من الفحوص التي تقيم الوظائف الفكرية على رجال يعانون حالة مستقرة من مرض الشريان التاجي وعوامل الخطر القلبية الوعائية الأخرى. كانوا كلهم قادرين على القيام بوظائفهم الفكرية بشكل مستقل، ولم يعانوا أي إشارة إلى إصابتهم بحالة متقدمة من الخرف.

تحققت الدراسة من أدائهم في مجموعة من الاختبارات المعرفية المرتبطة بمعدلات السكر في الدم بالاستناد إلى اختبار الهيموغلوبين الغليكوزيلاتي (HbA1c). واللافت أن معدلات الهيموغلوبين الغليكوزيلاتي في حالتهم وصلت إلى %7.5، وهو الحد الأعلى لسكر الدم المضبوط جيداً في حالة مريض السكري، إلا أنه يظل أعلى من المعدل الطبيعي في حالة مَن لا يعاني هذا المرض.

السكّر في الدم ووظائف الدماغ

توضح الدكتورة غولدفاين، التي نُشر تقريرها في عدد يناير 2015 من مجلة الطب الأميركية: «توصلنا إلى رابط بين معدلات الهيموغلوبين الغليكوزيلاتي المرتفعة وعدد من المقاييس المختلفة لتقييم الوظائف المعرفية، حتى في حالة مَن يعانون ارتفاعاً طفيفاً في معدل السكر». وعند التأمل في هذه النتائج على ضوء الاكتشافات المماثلة السابقة، نستخلص أن التفكير ووظائف الذاكرة تتراجع تدريجاً مع ارتفاع معدلات السكر في الدم في حالة مَن يعانون أمراضاً قلبية وعائية، وفق الدكتورة غولدفاين. وتستمر هذه الظاهرة من معدلات السكر الطبيعية إلى بلوغ الهيموغلوبين الغليكوزيلاتي %8.0 أو أعلى.

قد توضح آليات محتملة كثيرة الرابط بين معدل السكر في الدم ووظائف الدماغ، حسبما تشير الدكتورة غولدفاين. ومن الأسباب المشتبه بها الخرف الوعائي. فبمرور الوقت، يلحق الداء السكري الضرر بالشرايين الصغيرة في الدماغ، ما يؤدي إلى سكتات دماغية صغيرة وموت أنسجة الدماغ. ويسفر عن هذا كله خسارة تدريجية في الوظائف الفكرية. علاوة على ذلك، يبدو أن معدلات السكر المرتفعة في الدم ومقاومة الإنسولين تحدث خللاً في مسارات التواصل داخل الدماغ. كذلك يُعتبر الالتهاب الناتج عن الداء السكري مذنباً آخر، وخصوصاً مع ظهور لويحات الأميلويد في الدماغ التي تترافق مع مرض الألزهايمر.

خطر المعدلات المتدنية

قد يكون لحالات انخفاض السكر في الدم، التي تؤدي إلى نوبات أو فقدان وعي، تأثير دائم في التفكير والذاكرة. وتمثل هذه مشكلة كبيرة بالنسبة إلى المسنين الذين يستعملون الإنسولين أو بعض أدوية الداء السكري الفموية التي تُدعى سولفونيلوريات والتي قد تخفض معدلات السكر في الدم بسرعة كبيرة. لا تتمتع أدمغة المسنين بقدرة عالية على تشكيل أو تعديل مسارات خلايا الدماغ. نتيجة لذلك، قد يواجهون صعوبة أكبر في التعافي من المشاكل التي ترافق انخفاض معدل السكر في الدم، وفق الدكتورة غولدفاين. وبسبب هذا الخطر، تنصح التوصيات الطبية الراهنة مَن تخطوا الخامسة والستين من العمر بألا يحاولوا التحكم في معدل السكر في دمهم بصرامة بالغة بغية بلوغ المعدلات شبة الطبيعية، وذلك خوفاً من أن تفوق مخاطر هذه المحاولات الصارمة لضبط السكر في الدم فوائدها.

يشير الهيموغلوبين الغليكوزيلاتي إلى مدى تركز الجلوكوز (السكر) في مجرى دمك خلال الشهرين إلى الثلاثة أشهر الماضية. في حالة مَن يعانون الداء السكري، ترتبط معدلات الهيموغلوبين الغليكوزيلاتي الأكثر ارتفاعاً بخطر أكبر يجعل المريض أكثر عرضة لمضاعفات الداء السكري.

يصنف الأطباء معدلات الهيموغلوبين الغليكوزيلاتي كما يلي:

طبيعية: أقل من %5.7.

ما قبل الداء السكري: بين %5.7 و%6.4.

الداء السكري: %6.5 أو أعلى.

التقدم في السن والداء السكري

في الماضي، كان الأطباء يصبون كل اهتمامهم خلال معالجة مرضى الداء السكري على المضاعفات التي قد تنجم، مثل قصور الكلى، مرض القلب، وبتر الأطراف. لكن الموت المبكر نتيجة هذه وغيرها من المشاكل بات يُرجأ بفضل إستراتيجيات علاج أكثر فاعلية. نتيجة لذلك، نشأت مخاوف جديدة، مثل الإعاقة الفكرية.

ما زال سؤال دون جواب: هل باتت هذه المشاكل أكثر بروزاً لأن مرضى السكري صاروا يعيشون فترة أطول ليواجهوا ما ندعوه أمراض الشيخوخة؟ تجيب الدكتورة غولدفاين أن الداء السكري، بحد ذاته، يسرّع عملية الشيخوخة. لذلك يعاني مرضى الداء السكري التراجع الفكري بحدة أكبر وفي سن أبكر. وقد تساعد الأبحاث المستقبلية في تحديد الآليات الكامنة وتسهم في التوصل إلى علاجات جديدة، وفق الدكتورة غولدفاين.