بعيداً عن «التغزّل الأبوي البريء» بالمذيعة الراقية رهف صوالحة، والذي شغل الأردنيين أمس، فإنّ مقابلة الدكتور عبدالله النسور في برنامج «نوستالجيا» على قناة «عمّان» تستأهل المشاهدة، باعتبارها تُسجّل الوجه الآخر لسياسي وإداري ناجح قضى عمره متنقّلاً من منصب إلى آخر صعوداً حتى رئاسة الوزراء.

أبو زهير كُلّف بتشكيل حكومة مؤقتة بأربعة أشهر، ولكنّه مكث في الدوار الرابع أربع سنوات مُسجّلاً رقماً قياسياً، وكما قال فقد كانت سنوات صعبة، حيث الربيع العربي الذي ملأ المنطقة بالنار وأجواءنا بدخانه المؤذي، ولكنّ طبيعة شخصيته ساعدته على امتصاص أية غضبة عليه لسبب قرارات شعر معها جيب المواطن بالأذى، ويمكن القول إنّه أحد أهمّ مديري الأزمات المحلية في تاريخنا المعاصر.

لم تربطني به في يوم علاقة ودّ شخصية، لظروف معيّنة، وبالعكس فقد بالغتُ في الكتابة ضدّه عبر السنوات الطويلة، ولهذا فقد استغربت حين وجدت نفسي عضواً في لجنة ملكية مهمّة برئاسته، وتعمّد في الاجتماع الأوّل أن يؤكد على أنّ اختيار الأسماء لم يكن منه، وحين أعلنتُ علناً عن تجميد عضويتي فيها لسبب قرار حكومي يناقض توجّهاتنا، أصرّ على وجودي فعدتُ بعد أسابيع في سيارة الحبيب طاهر المصري، وكُلّفتُ بصياغة مُقدّمة نتاج عملنا المرفوع إلى جلالة الملك.

على مدار سنة كنّا نجتمع في مكتبه الرئاسي مرّة في الأسبوع على الأقلّ، فعرفت عن قرب سبب تفوّقه وفوزه الدائم في صراع البقاء، فكما اختصرها الدكتور صالح ارشيدات: «عبد الله النسور حافظ درسه!»، وفي تقديري أنّه قرأ وفهم كلّ التشريعات الأردنية، ولا يحضر اجتماعاً لا يُحضّر له تفاصيله، وقلّ ما يعلن عن غضبه، ويملك ميزة الإعتذار عن خطأ، ولأنّ تخصصه هو الرياضيات فهو يحسبها جيداً، وفي مطلق الأحوال فهو صاحب قرار.

وأكثر من ذلك، فقد تعرض للكثير من الانتقادات الشعبية، وشهدت صفحات التواصل الاجتماعي يومياً سخريات وتهكمات ونكاتاً ورسوماً كاريكاتورية وصوراً مختلقة وكلّها تتناوله شخصياً وتنتقد قراراته، ولم يبدُ الرجل مكترثاً، بل كان يقرأها، ويضحك.

عبدالله النسور أبلغنا مع تشكيل حكومته الثانية، بعد الانتخابات، انه سيكمل ولايته الكاملة، حتى الانتخابات المقبلة، ولم يصدقه أحد، باعتبار ان متوسط عمر الحكومة الاردنية اربعة عشر شهراً، وقد تجاوز كل التوقعات، ولهذا فمشاهدة «نوستالجيا» مهمّة لأنّ فيها الوجه الآخر الحقيقي لأبي زهير، وللحديث بقية!

basem.sakijha@gmail.com