أبواب- غدير سالم

يعتبر الخوف من الفشل أمراً طبيعياً يتعرض له كثير من البشر، وذلك عند الذهاب لمقابلة من أجل عمل جديد، أو اختبار مهم أو أي عمل يؤثر في الحياة ويترتب عليه تغيرات كبيرة في حياة الشخص، وبغض النظر عن مصدر الخوف إلا أن هذا الشعور لا يمنع صاحبه من الإقدام على أي عمل، لكن هذا ليس ما يحدث مع بعض الأشخاص الذين يعلقون في دورة لا تنتهي من الخوف من الفشل، لينضمّوا إلى قائمة من يعانون فوبيا الفشل.

ويعرّف استشاري العلاج النفسي الدكتور عبد الله الرعود فوبيا الفشل بأنها :« نوع من الخوف غير الطبيعي والمستمر من الفشل، وغالباً ما يؤدي إلى العزلة و حياة في حدود ضيقة، وهو مدمر للطموح خاصة بتأثيره على رغبة الشخص في محاولة أداء بعض الأنشطة، فالأشخاص المصابون برهاب الإخفاق أو فوبيا الفشل يؤمنون أن نسبة فشلهم عالية ويفضلون عدم المجازفة».

ويرى الرعود أن أسباب هذا النوع من الفوبيا يعود إلى عوامل عديدة منها الوراثية وأخرى تحدث في كيمياء الدماغ، وكذلك ما يعيشه المصاب من خبرات وتجارب حياتية سلبية (التعلم السلبي)، وتكون البداية نتيجة أساليب التربية وتصرفات الوالدين والأحداث والمواقف التي تنشأ نتيجة الفشل البسيط الذي يمكن أن يتعرض له الطفل أو المراهق، وهذه التنشئة والظروف البيئية لها دور كبير في الإصابة بحالة من الخوف غير العقلاني من الفشل، وتلازم الطفل أو المراهق في المراحل العمرية المتقدمة».

ويضيف :«عندما يواجه الإنسان فشلاً ذريعاً ينتج لديه أعراض انفعالية ترتبط بالفشل وهو غير مستعد للتعامل مع المشاعر التي تنتج عنها، وبالتالي يصاب بخوف من الفشل على المدى البعيد». ويقول:«تشير الدراسات إلى أن بعض المصابين بهذا النوع من الخوف المرضي يكون لديهم استعداد وراثي للقلق، وهذا يزيد من شدة وتكرار الخوف و يضاعف من حجم المشكلة».

وينوه الرعود إلى أنه :«بسبب بعض أخطاء التربية التي تربط بين درجة الحب من الآباء وتحقيق الأداء الجيد، فإن الطفل يعيش تحت ضغط مستمر وخوف مستمر من الفشل، والذي يترتب عليه حرمانه من حب والديه». ويلفت إلى أن:«هناك عوامل أخرى تزيد من ظهور الخوف توجد في المجتمعات التي تتسم بالمنافسة الكبيرة حيث يزداد فيها هذا الخوف المرضي، بحيث يربط المصابون بهذا الاضطراب بين احتمال الفشل وزيادة المنافسة، وهو ما يجعلهم يحجمون عن أي موضوع تنافسي مع الآخرين».

ويبين الرعود أنه :«يبلغ معدل الإصابة باضطراب «الأتيكيفوبيا» عالمياً 25 في المئة من عدد سكان العالم، ويختلف من حيث شدته من بلد إلى آخر، وحسب عدد من الدراسات فإن 20 في المئة من البشر يمكن أن يؤجلوا أموراً مهمة في حياتهم، بسبب حالة الخوف المرضي من الإخفاق».

ويلفت إلى أن:«الإنسان عندما يتعرض لحالة من مواقف الفشل، ترتفع لديه نسبة بعض الهرمونات مثل الإدرينالين، والدوبامين، وهذان الهرمونان مهمان للغاية في تنظيم ضغط الدم والنبض، ويؤدي ارتفاع هذين الهرمونين إلى أعراض تشبه الذبحة الصدرية، ولذلك يعزو بعض الباحثين أعراضاً من التي تصيب مريض فوبيا الفشل إلى زيادة نسبة هذه الهرمونات التي يمكن أن تؤثر في صحة الشخص على المدى البعيد».

ويقول:«تتضرر أنسجة القلب، والجهاز المناعي، مما يتطلب اتخاذ هذه الحالة على أنها مرض حقيقي، ويجب علاجها والتخلص من أعراضها التي تنعكس على حالة الشخص العامة، وتسبب له أضراراً مرضية جسدية حقيقية فيما بعد».

ويبين الرعود أن :«هناك عدداً من أعراض فوبيا الفشل تعد الأكثر انتشاراً، ويمكن أن تظهر على المصاب عدد من الأعراض بشكل نفسي وجسدي وإدراكي، وفي الوقت ذاته يشعر المصاب بالخوف المرضي من الإحباط، وبالتردد الكبير وضعف الثقة بالنفس أثناء القيام بأي نشاط جديد أو مشروع صعب».

ويضيف :«تعد المماطلة والتردد والإنسحاب والقلق الدائم من أبرز العوامل التي تؤدي إلى الإيذاء الذاتي وتطور الإضطراب، وتصل في بعض الأحيان إلى أن يتوقع الفشل أثناء السعي لتحقيق أي هدف في الحياة،كما أن السعي إلى تحقيق الكمال والدقة يدفعه إلى الاكتفاء بالأعمال التي يستطيع إنجازها بشكل ناجح، ولا يحاول القيام بأي أعمال جديدة».

وفيما يخص الأعراض الفسيولوجية لرهاب الإخفاق يقول الرعود :«هناك أعراض مثل اضطرابات في المعدة وغثيان وإسهال، واضطراب وسرعة في التنفس وعدم انتظام ضربات القلب، كما يصاب الإنسان بإحمرار في الوجه وإفراز زائد للعرق وجفاف الفم، ويعاني من الصداع دون سبب واضح، بالإضافة إلى التوتر والآم بالعضلات».

ويضيف:«يمكن أن يصاب بشد عضلي وارتعاش وارتباك، وشعور عام بالفزع وحالة عامة من الإعياء، تظهر عليه هذه الأعراض عندما يواجه المريض إمكانية الفشل او حتى عند المحاولة بالبدء بمشروع، وإذا طلب منه تنفيذ مهمة يعتقد أن نسبة نجاحها لا يمكن أن تكون 100 في المئة، وفي هذه الحالة يمكن أن يعاني من حالة انهيار تام».

ويرى الرعود أن :«هناك آثارا للخوف من الفشل فهو يؤدي إلى اعتزال الشخص المصاب به الآخرين، ويشمل هذا اعتزال المناسبات الاجتماعية والعمل والدراسة ومعظم اللقاءات الجماعية، وبسبب هذه العزلة التي يفرضها على نفسه فإنه يتعرض للإصابة بالاكتئاب، كأحد الآثار الجانبية لحالة الخوف التي تلازمه، ويتحول كثيرون من المصابين برهاب الإخفاق إلى الانسحاب لذلك يلجأ الى تعاطي المخدرات والكحول، كأسلوب من الهروب بحجة أن المخدرات قد تساعده على التكيف والقدرة على مواجهة الآخرين والتعامل معهم».

ويلفت إلى أنه :«يمكن أن يقدم بعض المصابين بهذا الاضطراب على الإنتحار، الذي يمثل لهم الطريق الوحيد للتخلص من هذا الاضطراب بسبب معاناتهم من الأعراض والمضاعفات المختلفة».

ويقول الرعود إن:«العلاج الدوائي والنفسي السلوكي الإدراكي مهم جداً في التعامل مع فوبيا الفشل، ويمكن أن يساعد المصاب مستشار يثق فيه على أن يتعرف على أعراض الخوف، ويطور أساليب مواجهة جديدة للتعامل مع المواقف العصيبة، ويتم علاج المرضى وتطوير أساليب علاجية نفسية أكثر صحية لمعتقداتهم الشخصية وطبيعة المشاعر والإنفعالات عن الفشل، حتى يكونوا قادرين على إدارة القلق والتحكم به بطريقة فعالة، ويمكن أن يحتاج المصاب في بعض الحالات لعلاج القلق والخوف مثل العلاج الدوائي والبرمجة اللغوية العصبية».

ويلفت إلى أن:«العلاج النفسي السلوكي الإدراكي يساعد في التغلب على هذا النوع من الخوف المرضي، ومن هذه الطرق التعامل مع الأعراض الجسدية التي تنتج عن الخوف وكذلك الإنفعالات باستخدام «تكنيكات» مثل تقليل الحساسية التدريجي وأساليب الاسترخاء المتعددة وتتضمن كذلك أساليب المواجهة التدريجية للمواقف والظروف التي يمكن أن يخشاها المريض، وكذلك العلاج بالتعرض حيث يتعرض المريض للحالات التي يشعر فيها بالخوف حتى يتلاشى بصورة تدريجية».

ويشير الرعود إلى أنه :«يمكن التغلب على فوبيا الإخفاق أيضاً بأن يقوم المصاب بتقسيم المهام الكبيرة إلى أخرى أصغر وذلك حتى يتمكن المريض من التحكم فيها، وعموماً فإن فهم وتقدير تجربة الفشل أمر حيوي للمصاب، وهو يجعله قادراً على التغلب على خوفه من الفشل».

ويقول خبير علم الاجتماع الدكتور مجد الدين خمش إن:«الفشل فكرة مؤلمة والإنسان بطبعه يحاول أن يتجنب مصادر الألم، وأن يقبل على الأمور التي تدخل السعادة الى نفسه وتشعره بالتفوق والتميز والسعادة لذلك النجاح مطلوب والفشل غير مطلوب لأنه مؤلم».

ويرى خمش أن :«هناك مسؤولية على الفرد بأن يقنع نفسه ويدربها على أساليب النجاح، وقد يحتاج إلى أخذ دورات في التنمية البشرية فهي تقوي مفهوم الذات،وتساعد الإنسان على النجاح،وتحقيق أهدافه».

ويضيف :«يقع على المجتمع والنظام الاقتصادي مسؤولية مساعدة الأفراد للتخلص من فوبيا الفشل، من خلال العدالة في تكافؤ الفرص بحيث يكون أعداد الناجحين دائماً كبيرة، وأن يكون هناك فرص أمام الفرد لتحقيق النجاح».

ويشير إلى أنه:«من خلال القوانين والأنظمة يتم تكافؤ الفرص فعندما تتقدم مجموعة من الأفراد لوظيفة يجب أن يكون هناك عدالة في تكافؤ الفرص أمام الجميع، لذلك فالواسطة والمحسوبية لها سلبيات ومضار على أفراد المجتمع لأنها تهدد تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية».