قد يكون من الصعب تعريف الذوق لانّ فيه جوانب خفيّة لا يدركها إلاّ من كان على قَدْرٍ من النباهة والفطنة والذكاء ودقّة الملاحظة والإيثار مع طيب النفس وحُسْنِ الخلق.

والسلوك الذي يشفُّ عن سلامة الذوق هو سلوك اختياري وطوعي، وهو على نوعين: ما يمتنع فيه المرء عن القيام بعمل هو من حقّه، لكنّه بامتناعه عن القيام به يصرف أذىً أو ضرراً محتملاً قد يقع على غيره، أو بامتناعه عنه يحقّق فائدة لغيره من الناس أكبر من الفائدة التي يجنيها هو نتيجة قيامه بذلك العمل. ومن الأمثلة على ذلك أن يمتنع الشخص عن إجراء مكالمة هاتفية – مثلاً–بصوت مرتفع بعد انتصاف الليل مخافة أن يزعج جيرانه الذين يستيقظون في العادة مبكّراً للذهاب إلى أعمالهم أو إلى مدارس أبنائهم، أو أن يمتنع شخصٌ عن تشغيل آلة حفرٍ أو مجفّف شعر في منزله في ساعة مبكرة من يوم العطلة الأسبوعية أو الرسميّة، أو أن يمتنع شخص عن وضع حاوية نفايات منزله قريباً من نافذة جيرانه، أو غير ذلك كثير من الأمثلة، فبعض من لا يمتنعون عن هذه الأنواع من السلوك لا يدركون أثرها على غيرهم، لأنّهم لا تعنيهم غير أنفسهم ومصالحهم ولا يبالون بمصالح غيرهم. ولئن كان السلوك الذي يشفّ عن سلامة الذوق اختياريّاً، إلاّ أن بعض الدول المتقدّمة جعلت كثيراً منه إلزاميّاً وأدرجته ضمن قوانينها، فمنعت الأعمال الإنشائية في أوقات محدّدة، ومنعت الاحتفالات في الأحياء السكنية في ساعات محدّدة من النهار والليل، ومنعت اصطفاف السيّارات أمام المنازل الخاصّة ضمن مسافات محدّدة، ومنعت أصوات الموسيقى والغناء قرب التجمعات السكنية.

وأمّا النوع الثاني من السلوك الذي يشفّ عن الذوق السليم، فهو خلاف النوع الأوّل، فإن كان النوع الأوّل يقوم على امتناع الشخص عن عملٍ يراه حقّاً له، فإنّ النوع الثاني يتمثل في قيام الشخص–طوعياً–بعمل يحقّق فيه مصلحة للآخرين ودون أن يطلب منه، كإماطة الأذى عن الطريق، ومساعدة عجوز في عبور الشارع، وإغلاق حنفية ماءٍ مهدور للجيران، وتنبيه شخص إلى ضررٍ قد يلحقه، وهذا النوع يمثل درجة رفيعة من الذوق السليم، أمّا فقيرو الذوق فلا يبالون بما يصادفونه من مظاهر ومخاطر وأمور تستحق الانتباه ودفع الضرر.

إنّ الالتزام بقواعد الذوق وأصوله كفيلٌ بأن ينشر المحبة والتعاون والاحترام المتبادل والثقة بين الناس ويؤدي إلى تقدّم المجتمعات وسلامتها وانتظامها ونهضتها وتجاوز أزماتها. ولذا فإنني أدعو إلى إيلاء أهميّة كبيرة لتنمية الذوق في حياتنا من خلال التربية والتعليم في المدرسة والجامعة والمنزل، ومن خلال الإعلاء من النماذج الأخلاقية، لأنّ الذوق السليم في نهاية المطاف هو قرين الحضارة وأساس مهم من أسس نجاح المجتمعات المتحضّرة.

salahjarrar@hotmail.com