أضحت الثقافة العربية موطناً للتوجهات المتباينة، وتخلط بين أزمنة ثقافية وممارسات فكرية لا تزيدها إلا غموضاً، مما جعل الشباب العربي يفتقر لهوية ثقافية مطابقة، فالغموض الذي يسود أوضاعهم السوسيوثقافية بتنوع مكوناتها وعدم تجانس عناصرها، ينعكس سلباً على ممارساتهم الثقافية، مما أبرز ملامح ثقافية للشباب العربي كاللاتجانس الفكري واليأس الثقافي، فيبدو الشاب متخبط المفاهيم والأفكار، تتحكم بممارسته ثنائيات المضامين والأهداف تتراوح بين الخرافية والعلمانية، وبين الأصالة والمعاصرة، وبين الانغلاق والانفتاح، والجهل بالواقع الثقافي والمحدودية المعرفية، يتردد بين التماثل والاختلاف، يحاول تخطي واقعه وبنفس الوقت يحاول التشبث بالماضي، يتردد بين التفاؤل والتشاؤم ويبقى مشوباً بالحذر والإحباط، يشعر أحياناً بالأمل وأحياناً باليأس، ينزع إلى التغيير أحياناً وإلى الاستسلام أحياناً أخرى.أما التراث فذو اتجاهين أحدهما يقدس الموروث ويطالب بتطبيق قناعاته، وثانيهما يقلل من أهمية التراث ويعمل على إلغائه، ليتمكن المجتمع من التقدم، هذا مما يحتاج لتوضيح، وخاصة ما يتعلق بالقيم الإلهية والتشريعية التي أنزلها سبحانه وتعالى وسنها رسوله الكريم، وشكلت إيماناً راسخاً لأبناء الثقافة العربية الإسلامية، أما ما دون ذلك فإن من حق الأجيال أن تخضعه للنقد والتمحيص حتى تقر ما يثبته البحث العلمي ويسنده الدليل.

وبما أن الإسلام دين يستمد خصائصه الحيوية وجذوره الفكرية من الإيمان بالله ورسله واليوم الآخر في عالم الغيب عقيدة وفي عالم الشهود حياة، فلا بد للخطاب الإسلامي من أن يجمع ذلك كلّه لنعيش الإسلام بطريقة متوازنة في عناصره ومتحركة في أبعاده،فهناك أمور في العقيدة والشريعة لا بد للمسلم أن يثبت عليها، وهناك أمور متحركة يمكن للإنسان أن يحركها في حياته أو يتحرك من خلالها، وهذا هو الخط الفاصل بين الثابت والمتحرك والمتحول في واقع الإنسان في حركة الحياة.

فلا بد من أن يكون للجيل الجديد خياراته، وهو ينهض بمسؤوليته تجاه خالقه ومجتمعه وضميره، ولا مبرر لان يقلد الأقوام الذين سبقوه في الزمن، فقد جاء قوله سبحانه وتعالى في سورة البقرة:134:(تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون).فأن إيماننا بالغيب لا يعني ابتعادنا عن الواقع من حولنا، بل يوحي للانسان أنه لا يتحرك في فراغ، ولا يسقط في أجواء القلق والحيرة والفراغ، لأنه يعيش الإحساس بلطف الله ورحمته ورعايته، دون أن يتخلى عن إرادته واختياره ومسؤوليته العملية في بناء ذاته. وفي كلمة للإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قوله: «لا تخلِّقوا أولادكم بأخلاقكم فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم». وهذا يعني أن لكل زمان أوضاعه التي تشكل له أخلاقاً جديدة بكل ما تعنيه كلمة الأخلاق المتصلة بالسلوك الفكري والعلمي وبالمنهج الحركي في ساحة اهتمامات الإنسان الذي يبحث عن الجديد في الواقع وفي المعرفة.