عمان- إبراهيم السواعير



مندوباً عن وزير الثقافة رعى أمين عام الوزارة الأديب والكاتب المسرحي هزاع البراري في المركز الثقافي الملكي أمس حفل انطلاق مهرجان عشيات طقوس المسرحيّة، الذي كرّم في دورته الثانية عشرة كلاً من الفنان سامي عبد الحميد من العراق والكاتب الأديب جبريل الشيخ.

وأشاد البراري بـ"طقوس"؛ كونها فرقة مغايرة ومغامرة منذ البداية، من حيث الفكرة والشكل والمضمون، لا تبحث عن التميّز من أجل الاختلاف وإنّما لاستكمال اللوحة الفسيفسائيّة في المناطق المخبوءة، فتضيء على أشياء هي بيننا ومن تفاصيلنا وربما لا نلتفت إليها، فلذلك هي مهمّة، حيث كلمة المبدعين هي الميدان الحقيقي على الخشبة التي منها يخرج النور والتنوير.

وأكّد البراري، في الحفل الذي قدّمته الإعلاميّة رشا عصفور واشتمل على فيلم لمنجزات المهرجان، أنّ وزارة الثقافة دائماً تقف إلى جانب العمل الجاد والفعل الثقافي الذي يسهم في تقديم ما هو جديد ويضيف قيمة جماليّة وفعلاً احترافيّاً في المشهد، مُرحّباً بالضيوف في عمان عاصمة الثقافة والإبداع.

وفي كلمته، قدّم مدير المهرجان المخرج المسرحي الدكتور فراس الريموني رؤية الفرقة بمقطوعة أدبيّة جاء فيها: "يجمع المسرح الطقسي أشلاء الأرواح المتناثرة في جسد الخشبة من قرع طبول الجهل، فيرممها بإيقاعات وترانيم المتصوّف الزاهد ليحوّلها إلى نور بلا زيت أو زجاجة؛ فهي روح الطقسيّ تحلّق في مدارات لا ينال منها المتربصون بهدم الفعل والحب والرقص والتهجّد. خسرت تلك الأجساد المحنّطة الرهان على هزيمة فرسان "طقوس"؛ فهم يحلّقون بحكاياتهم وأساطيرهم وتجلّياتهم وفوانيسهم ومشاعلهم في فضاء الجمال".

وتحدّث الريموني، في الحفل الذي تمّ فيه استذكار الفنان الراحل ياسر المصري، عن أهميّة اختلاف "طقوس" في هذه الدورة، عبر مهرجان له لونه ونكهته المميزينِ، متحدثاً عن إدخال موضوع مهم هو مسرح الحكواتي والفرجة الشعبيّة الذي تصاحبه ندوة فكريّة تضيف للحركة المسرحيّة الأردنية والعربية ما هو مأمول.

وعبّر الريموني عن تقديره وشكره لكلّ الجهود الداعمة للمهرجان، مشيداً بأعضاء اللجنة الاستشاريّة العليا، وجهود وزارة الثقافة الداعم الحقيقي لـ"طقوس"، ونقابة الفنانين ممثلةً بنقيبها وأعضاء المجلس والهيئة العامة. وقال الريموني إنّ الفرقة هي متجددة دائماً بأفكارها، وتحاول أن تضيء في الزوايا المظلمة جوانب ربّما لا يهتم بها المسرح الأردني أو العربي، وقال إنّ عنوان الدورة الحالية عن الحكواتي والفرجة الشعبيّة لم يمنع التنوّع في العروض المسرحيّة، التي تشارك من مجتمعات متعددة، باعتبار الفن الشعبي العربي يتشكّل من أنثربولوجيا المجتمعات التي هي بدورها متنوّعة وتتكامل في مهرجان طقوس.

بدوره، ارتجل رئيس اللجنة الاستشاريّة العليا المخرج محمد يوسف العبادي، كلمةً رحّب فيها بالضيوف في أردنّ الأمّة وبيت عبدالله الثاني الرحب وفي العاصمة عمان التي ترفل بثوب الثقافة والفن وتتدثر بالعروبة متجمّلةً بالتسامح ومتسلحةً بتراب الأمّة. ورأى العبادي أنّ مواسم الفرح وهي تتوالى لتستمر الحياة، تعلن عرساً جديداً من أعراس الأردنيين عبر الحدود إلى العالم الرحب، عنوانه أنّ المسرحيّ هو الإنسان الأهم الذي إذا تحرّك تحرّكت معه الدنيا، وهو ما يمثّله ألق الحركة المسرحيّة اليوم.

وعاد العبادي إلى تبادل فكرة "طقوس" عام ألفين وثمانية، واجتماع زملاء على فكرة مهرجان يتّخذ من "مسلّة ميشع" عنواناً له، كونه إرثاً أردنيّاً عظيماً، ناقلاً مساحة الألم والأمل والمعاناة والحلم في مشوار التأسيس، في غرفة ضيّقة بجبل اللويبدة ومضاءة بالأحلام، شهدت ميلاد الفكرة بأنفاس فنانين مسكونين بحب المسرح، ذكر منهم عبدالكريم الجراح ود.فراس الريموني وعدنان مشاقبة ود.علي الشوابكة وآخرين، كان هاجسهم تلاقي الثقافات والإبداع، فكان أن تمخّض العصف الذهني عن مهرجان عشيات طقوس المسرحيّة الذي يحتفل بدورته الثانية عشرة اليوم، وغدا مهرجاناً مؤسسياً يمتلك رؤيته الخاصة مجموعة من الشباب الأوائل الذين أصبحوا مداميك في نشر ثقافة المسرح وقيادة المشروع الثقافي الأردني في وزارة الثقافة ووزارة التربية والتعليم وكلّ المؤسسات المعنيّة بالثقافة والفنون. وفي السياق الوطني لشعار المهرجان، دعا العبادي إلى أن تحضر مدينة القدس العاصمة الأبدية لفلسطين في أعمال المسرحيين العرب، دعماً لصمودها العربيّ، خصوصاً في ظلّ معاناتها التي تعيش.

وألقى نقيب الفنانين الأردنيين حسين الخطيب كلمةً حيّا فيها كلّ الجهود النيّرة التي آلت على نفسها في ميدان المسرح توصيل رسالتها، مؤكّداً أنّ فرقة طقوس المسرحيّة تُعدّ علامةً من علامات التميّز على الصعيد المحليّ والعربيّ، إذ أرادت أن تذهب بجمهورها إلى مناطق جديدة في الإبداع من أجل التنوير.

وأكّد الخطيب أنّ نقابة الفنانين الأردنيين ستبقى تحيط بالإطار المادي والمعنوي، بحسب إمكاناتها، كلّ الفرق المبدعة، ليبقى المسرح مشعلاً من نور، يضاء دائماً بحبّات العرق والتعب وجهود المسرحيين الأردنيين والعرب والأجانب.

وقال الخطيب "لقد آثرت فرقة طقوس المسرحيّة المضيّ نحو ما هو أرحب بعد أن قررت مغادرة السكون إلى وهج الفضاءات الأخّاذ في عالم المسرح المتسلّح بالإبداع والفكر الخلاق، رغم تجاذبات الواقع، حتى غدا جهدها مهرجاناً أردنيّاً وعربيّاً ودوليّاً؛ وإننا نتطلّع بأمل لدوام الإبداع والتألّق لهذه الفرقة وطقوسها التي تسعى لتكون منّا وتحاكي واقعنا".

إلى ذلك، كرّم المهرجان المخرج والأكاديمي العراقي الدكتور سامي عبدالحميد، وهو من مواليد عام 1928، وحاصل على دبلوم الأكاديمية الملكية لفنون الدراما بلندن، وليسانس كليّة الحقوق العراقيّة وماجستير العلوم المسرحيّة في جامعة أريغون بأميركا، ويحمل الدكتوراة في الفنون المسرحيّة من جامعة بغداد، ويعدّ أستاذاً متمرّساً في كليّة الفنون الجميلة بجامعة بغداد، وهو أستاذ زائر بجامعة اليرموك أشرف على رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراة بما يزيد عن أربعين رسالة وأطروحة، كما ترجم عدداً من الكتب المتخصصة في الفن المسرحي، وأهمها العناصر الأساسيّة لإخراج المسرحيّة لألكساندر دين، والإخراج في مسرح ما بعد الحداثة، وتربية الصوت وفن الإلقاء لبيتر بروك، المكان الخالي، ومدخل إلى فن التمثيل وأساليب فن التمثيل. قدّم أدواراً مهمّةً في المسرح، منها: الملك لير، كريون، شهريار، نديمك هذا المساء، فيرشينن، الخال فانيا. ومن أهم مسرحياته التي أخرجها "القرد الكثيف الشعر"، جلجامش، وغيرها من المسرحيات المهمّة. حصل على وسام الثقافة من رئيس جمهوريّة تونس، وكرّم مرتين في أيّام قرطاج المسرحيّة، وفي مهرجان القاهرة الدولي، كما تتلمذ على يده عدد من أساتذة الفن المسرحي في الأردن.

كما كُرّم الكاتب المسرحي جبريل الشيخ، وهو من أهمّ كتاب المسرح في الأردن، درس الطب البشري بجامعة كالورفا بالتشيك عام ستة وسبعين من القرن الماضي، ودرس بكليّة بير زيت الآداب عام سبعين، وهو عضو رابطة الكتاب الأردنيين، ومن أبرز أعماله مسرحيّة "تغريبة زريف الطول"، من إخراج الراحل هاني صوبر، و"شجرة الحكمة" عام سبعة وثمانين، و"جبل السحاب" عام ثمانية وثمانين، و"قحطان والبعير"، وانسجام، والبغل، والمهرة والربابة التي ترجمت إلى الإنجليزية وأنتجها مركز كينيدي للفنون بواشنطن، وله ما يقارب أربعين عملاً مسرحيّاً.

وألقيت قصيدة في المهرجان كتبها جبريل الشيخ، أشاد فيها بمعنى "طقوس" كفكرة وفرقة لها دورها في التنوير أينعت فنّاً جميلاً وراقياً، ومن أجواء القصيدة:

أيا ليت الطقوس تدوم دوماً

وتحيي في الموات لنا عظاما

وما نفع الحياة بلا طقوسٍ

تذوب بشوق أنفسنا غراما

هي الإنسان من صفةٍ ونوعٍ

ومن عبقٍ تبوح به الخزامى

ومن قيصوم باديةٍ وشيحٍ

طقوس الوجد في بلد النشامى

تنير مشاعل العشّاق حيناً

وحيناً تمنح الدنيا مقاما

فيا أردنّ إنّك في المعالي

وإنّك مالئ الدنيا ابتساما".

وفي الجانب الغنائي، قدّمت فرقة حنون عدداً من الأهازيج الوطنيّة الراقصة، حيث طوّف فرسانها بألحان ريفية وبدوية ومختارات تراثيّة حازت إعجاب الحضور والضيوف العرب المشاركين، ليختتم الحفل بمشاركة للفنان الشاب مصعب الخطيب الذي قدّم عدداً من أغانيه الوطنية المميزة التي تفاعل معها الجمهور ورقصوا على نغماتها في أرجاء المسرح.