عمان - جوان الكردي

انقلبت حياة ضياء شهاب (19 عاماً) رأساً على عقب وهو في الصف الرابع الابتدائي؛ إذ تحول من طفل إلى شخص مسؤول عن أسرة هو أكبر أفرادها.

جاء هذا التحول عندما بدأ الخلاف بين والديه، وكان نتيجته الطلاق، ليخرج والده من البيت وحياتهم دون أن يسأل عن أحد خلفه..

أربعة إخوة، منهم أختان، والوالدة، بات لزاماً على ضياء أن يصبح المعيل لهم؛ إذ تبدلت الأدوار من طفل يلعب كرة القدم في الحارة إلى شخص مسؤول عن جميع أمور البيت وأهله.

صار ضياء يفكر كيف يحصل على المال لينفق على البيت؛ أو على الأقل يساعد والدته في تأمين مصاريف البيت.. فكر في أول مشروع وكان المشروع صغيراً، وناتج الربح قليلاً، لكن «كنت أرى الربح «قد الدنيا» عندما أعطي أمي 5 أو 10 دنانير».

كان يصنع طائرات ورقية ويبيعها للأولاد وللعائلات. وعند انتهاء موسم الطائرات الورقية، طلعت في رأسه فكرة مشروع آخر. وما ساعده في هذا المشروع أنه كانت لديهم غرفة مستقلة عن البيت..

«فتحت ورشة لتصليح الدراجات الهوائية.. كان الدخل المادي فيها أفضل من صنع الطائرات الورقية».

انتهى موسم الدراجات الهوائية.. ومن حسن حظه أنه تزامن مع بداية أيام العيد..

خطرت له فكرة جديدة.. ونزل إلى منطقة وسط البلد بعمان واشترى ألعابا بالجملة ليبيعها في العيد للأولاد. وكان أكثر مشروع مربح خلال 3 أيام أو أربعة ايام العيد.

مرت سنون على هذا الوضع، كبر ضياء وكبر إخوته وزادت المصاريف.. والأسعار ارتفعت.

عندها لم يعد بيع الألعاب كافياً، وأصبح يبحث عن عمل، وساعدته بنيته الجسدية القوية والكبيرة.. إذ كان الناس يقدّرون خمس سنوات زيادة على عمره. ولم يجد صعوبة في إقناع أصحاب العمل في توظيفه.. «كنت أكذب عليهم بالنسبة إلى العمر».

اشتغل ضياء عاملاً في مواسم الحصاد (الحصيدة) والأعمال الزراعية، واشتغل أيضا في تحميل وتنزيل الخشب. وكان العمل شاقاً جداً ومنهكاً.. ووفق تعبير ضياء «لمّا كنت أذهب الى النوم أنام من غير (هزّ) لكن ما كان يريحيني أنّ هنالك دخلاً يغطي احتياجات البيت».

رحل ضياء وعائلته من مأدبا إلى عمان وهو في الصف العاشر، وبالرغم من مشقة العمل والتعب؛ كان حريصا على دراسته فكان يدرس في الليل.

في هذه الفترة عمل ضياء في مخبز.. وكان ما يقلقه هو التوفيق بين العمل والتعليم..

«اذا كان دوام المدرسة صباحيا.. كنت أداوم في المخبز مساء.. وإذا كان مسائيا أداوم في المخبز صباحاً».

كان العمل في المخبز 11 ساعة، ليس لديه الوقت الكافي للنوم والدراسة أو حتى ليرتاح.. لكن «الحمد لله كانت ميسرة من رب العالمين.. صاحب المخبز كان طيباً بتعامله معي.. يطلب مني أن أرتاح ساعة زمن، وكنت أستغل هذه الساعة بالدراسة.. (إذا كان بي حيل)».

وجاء وقت التصنيف في الصف العاشر إلى الفروع الأكاديمية (علمي أدبي) أو صناعي.

اختار ضياء التدريب المهني في كلية وادي السير.. وهنا بدأت القصة تنجح معه وبدأ يرسم خططاً زمنية وصار أكثر وعيا ويعرف كيف يحقق الهدف الذي يريده، وسجل في «هيئة شباب كلنا الأردن» وكانت هذه الخطوة التي أدت إلى نقلة جذرية اجتماعيا.

في هذه الفترة اشترك ضياء في دورات واكتشف أنه يمتلك مهارات وأصبح يُنمي هذه المهارات.. ويعود الفضل بتحفيزه وتشجيعه إلى منسق الهيئة.

يقول ضياء: «قال لي المنسق إن لديّ حس القائد وحس الشعور بالمسؤولية.. سجلت في دورة تدريب مدربين.. كنت أتجاهل هذا الموضوع لأني لم أكن أمتلك الوقت الكافي.. فوقتي أقضيه من الكلية إلى الشغل.. لكن هذه المرة كنت اشتغل في قهوة براتب أفضل وإن كان الوقت أطول».

وتخرج ضياء من الكلية بدبلوم تدريبي كهرباء عامة. وترك عمله السابق وصار يبحث عن عمل يتواءم مع شهادته..

لكن.. «للأسف لم أجد عملاً، لأنّ خبرتي كانت صِفراً ولأنني خريج جديد ولم يقبل أحد في سوق العمل أن يعلمني.. فقررت أن أكون (معلم) وأصبح أنا رب العمل..

جاءته أول ورشة ولم يكن يعرف كيف يبدأ.. فصار يتردد على الكلية ويسأل المهندسين ماذا يعمل وكيف يشتغل..

"طبعا أخذت الورشة بسعر التراب.. ولم يكن ببالي أن أربح.. ولا أريد أن أخسر في نفس الوقت وتركيزي كان على التعلم.. سلّمت الورشة والحمدلله».

بعدها صار يتنقل من ورشة إلى أخرى.. وشغّل معه عمالاً ليساعدوه.. وصار معروفا في السوق باسم «المهندس ضياء» مع أنه لم يدرس الهندسة.. «ولما كنت أقول للناس أنني درست في كلية يذهب تفكيرهم إلى أنني خريج دبلوم شامل.. ما يضطرني لشرح الفرق بين دبلوم التدريبي والشامل.. غير أنهم كانوا يصرون على مناداتي بالمهندس».

عمل ضياء لم يكن يومياً، لكن الدخل كان جيدا وفي الأوقات التي ليس فيها عمل كان يقضي ضياء وقته في «هيئة شباب كلنا الأردن» وعلم أن هنالك تطوعاً، وفهم معناه، وأصبح التطوع يجري في دمه، وكان يشترك في كل عمل تطوعي بالاضافة الى اشتراكه في الدورات التي تعقدها الهيئة.

يقول ضياء: «اخذت دورة تدريب مدربين وترشح اسمي لمشروع «شبابنا قوة» وهنا كانت المفاجأة للمشروع.. مظهري الخارجي يوحي بأن عمري 25-26 سنة لكن في الحقيقة عمري 18 سنة والمشروع يقبل الحد الأدنى للميسرين (المدربين) 19 سنة.

فاستعان ضياء بمظهره الخارجي مع الخبرة التي اكتسبها في حياته.. «وبعد أن أنهيت التدريب مع المشروع اكتشفوا أن عمري 18 فقط، وكنت في الأشهر الاخيرة لدخولي الـ19 سنة ومشيت الأمور وكان التوفيق من رب العالمين وأنا بالمشروع أنقل المعرفة في منطقتي بكل محبة وسرور».

وذات يوم.. جرى مع ضياء موقف جعله يتخذ قراراً مفصلياً وحاسماً لمستقبل حياته..

يقول: «كنت يوما في ورشة (شغلي) أتناقش أنا ومهندس على مخطط الكهرباء للبناية، وهو يعرف أنني فنّيٌّ.. واقترحت إجراء تعديلات على المخطط لأن هنالك أخطاء كثيرة..».

في هذه اللحظة صعقه المهندس بالقول: «مش ضايل عليّ غيرك انت تدريب مهني يعلمني.. واحد فاشل في المدرسة راح على التدريب المهني عشان يأخذ صنعة، مش مثلي أنا صار لي 5 سنين أنحت حتى أحصل على الهندسة.. جاي إنت تعلمني.

ذهل ضياء من الموقف.. وأصر عندها على أن يرجع للدراسة ويحصل على شهادة الهندسة، «الناس كلها تناديني يا مهندس.. فلماذا لا أحققها وتصبح حقيقة ذهبت إلى التربية والتعليم وتقدمت للتوجيهي دراسة خاصة كنت أريد أن أدرس على أساس أنني صناعي لكن للأسف القانون (إما علمي أو أدبي) فاخترت العلمي حتى أتمكن من دراسة الهندسة خصوصا أنني كنت درست المواد الصناعية.. فقدمت المواد المشتركة».

غير أن حادثة أليمة صعقته لدرجة أنها أفقدته الأمل في الحياة؛ وهي رحيل شخص غالٍ وعزيز وهو الذي كان يحفزه ويشجعه وكان مثله الأعلى.. وهو جده.. الذي تُوفي قبل الامتحانات بشهرين وكانت آخر كلماته «إن شاء الله يا جدي بتصير مهندس قد الدنيا» ومات وهو بحضنه.

اعتراه عندها حزن شديد وشعر حينها أنه فقد كل شيء جميل.. «تركت الدراسة وتركت الشغل وابتعدت عن الناس وأحسست أن حياتي انتهت.. وكان شهر آذار الماضي شهر الحزن. عبارة عن شريط وفيات: جدي وعمي وابن عمي».

غير أنه بمساعدة والدته وجدته وأخواله وخالاته رجع إلى الحياة.. وكانوا نعم السند له وصارت معنوياته تتحسن يوماً فيوماً.. «عدت إلى الدراسة لأحقق حلمي الذي وعدت به نفسي ووعدت به جدي أن أحققه وقدمت المواد المشتركة ونجحت فيها».

حاليا ضياء يدرس المواد العلمية ويأمل العام القادم أن ينجح بها ويلتحق في الجامعة هندسة تخصص الكهرباء.

يقول ضياء: «هناك أناس كثيرون عانوا أكثر مني ولاقوا في حياتهم مصاعب أشد ولم يتوقفوا عند مطبٍّ معيّن أو يعيقهم عائق وظلوا مستمرين حتى حققوا أحلامهم».