أبواب -د. عامر العورتاني

أخصائي علم الاجتماع

ما بين أحاديث الجدات عن أساليب تربيتهن لأولادهن وما بين جدال الأهل حول أساليب التربية الحديثة في تنشئة الأطفال وإعدادهم بالصورة المُثلى لمواجهة الحياة، يوجد اختلاف كبير في وجهات النظر، ففي الوقت الذي يؤيد فيه أمهات وآباء الرأي القائل بضرورة توفير كل ما تتطلبه حياة أطفالهم من وسائل مادية لجعلها أكثر يسراً وراحة إيماناً منهم بأنه كلما جاهدنا أكثر في توفير هذه الإحتياجات كلما كانت نتائج التربية في أعلى توقعاتنا، فإن هناك رأيا آخر يلفت انتباهنا إلى أن أبرز قصص النجاح التي عرفتها الإنسانية ولدت في أحضان طفولة قاسية.

توماس أديسون طرد من المدرسة بسبب قناعة معلميه بأنه تلميذ لا رجاء منه، كما أن أينشتاين لم يكن عبقرياً منذ صغره فقد بدأ بالتكلم عندما بلغ الرابعة، ولم يعرف القراءة إلا في سن السابعة، بل إن أساتذته وصفوه بالمعاق ذهنياً ليحصل في النهاية على جائزة نوبل، والأمثلة على ذلك كثيرة وفي شتى المجالات العلمية، والرياضية والفنية والإجتماعية.

المسألة لم تتعلق يوما ً بمدى توفر سبل الراحة أو ظروف التعليم المثالية، والحقيقة أن ما حققه أولئك الذين عانوا في طفولتهم من الضغوط كالفقر وظروف التربية والتنشئة غير الملائمة إنما يعود إلى ما يسمى بالمرونة، إذ يُبدي بعض الأطفال استجابة تتمثل في شكل سلوك إيجابي لمواجهة القضايا الإجتماعية والإنفعالية والأكاديمية، في حين أن البعض الآخر منهم ينهار أمام خلل في نظام الأسرة أو حادثة صادمة أو ظروف كالفقر الشديد، فيكون الفشل هو النهاية الحتمية وذلك لإفتقادهم صفة المرونة.

والمرونة هي القدرة على التكيف مع المحن التي تقابل الطفل فتعينه على التعامل مع تلك المحن بقوة وذكاء، والواقع أن جميع الأطفال يمتلكون الإستعداد النظري للمرونة حيث ينمو هذا الإستعداد في حال توفرت فرص المشاركة الإجتماعية الداعمة ذات المغزى، مما يزيد من الروابط الإجتماعية ويضع حدوداً واضحة ومتسقة في العلاقات مع أفراد الأسرة والأصدقاء مما يعطي مجالاً أكثر اتساعاً لتعلم مهارات الحياة والتي من أهمها القدرة على حل المشكلات.

كما أن إرتفاع توقعات الوسط المحيط بنجاح الطفل وتوفير الرعاية والحب له يرفع من قدرته على ممارسة المرونة إتجاه ما يواجهه من ظروف صعبة وقاسية، والطفل لا يستطيع بناء الثقة بنفسه من خلال القيام بالمهمات السهلة، وإنما من خلال تقبل القيام بمهام غير إعتيادية بالنسبة له لما يغلب عليها من طابع التحدي.

كما أن تخصيص الأهل الوقت الكافي للإستماع إلى أولادهم لا سيما الحديث عن مشاعرهم يساعد في بناء جسور الأمان النفسي الذي يعزز بناء ثقة الطفل بنفسه، ويتيح له فرصة إدراك أن ما يحدث في الحياة ليس مجرد أحداث عشوائية وإنما هي نتاج قرارات وإختيارات الأفراد مما يساعده على فهم ذاته بصورة أكثر إيجابية.

ولا بد أن ندرك أن المرونة تعني القدرة على حل المشكلات التي تعترض الطفل في مسيرة حياته، والإبداع في الإلتفاف على ما يواجهه من صعوبات مستخدماً مهاراته التي تنمو معه لتزيد من قدرته على تخطي الصعاب، والواقع أن المرونة تقف في مرتبة أعلى من المواجهة فالثانية تعني مجرد الصمود أمام المحن وليس تجاوزها عبر الإستراتيجيات الإيجابية.

والمرونة سمة نمائية في شخصية الطفل تنمو معه وتتعاظم بمرور الوقت حيث يتصف الأطفال الذين يتمتعون بالمرونة بالبحث عن المواقف الجديدة، وعدم الخوف، والإعتماد على النفس، وقد يتجه البعض منهم وبحسب ما توفره بيئته المحيطة إلى الميول الإبداعية والهوايات والأنشطة اللا منهجية والتميز الدراسي، وذلك رغبة في التخلص من الظروف القاسية، كما أن هؤلاء الأطفال يميلون إلى أن يكونوا إجتماعيين ومؤكدين لذواتهم، ويُظهرون إتصالاً جيداً بمن حولهم ولديهم مهارات متميزة في حل المشكلات.

أحد العوامل المهمة المؤثرة مرونة مرحلة الطفولة المبكرة هو الحالة المزاجية وهي غالباً تُعد عاملاً موروثاً، وهو أمر يساهم في إحساس الطفل بالتفاؤل مما يجعل ميله نحو التكيف أكثر قوة لينمو معه هذا الميل بمرور الوقت فترتفع كفاءته الذاتية في قدرته على التأثير في الظروف المحيطة، في حين أن الطفل ذو المزاج السيئ يكون أقل قدرة على التكيف مع المتغيرات وأكثر شعوراً بالتوتر والعجز عن التعبير عن مشاعره.

وينعكس ما سبق كله في شخصية إنسانية غير متوافقة ومفهوم ذات غير ثابت، لذا فإن هؤلاء الأطفال يحتاجون إلى تعلم كيفية تعديل المزاج والتعبير عن إحتياجاتهم بطرق مقبولة، وهنا يأتي دور العلاقة الوثيقة مع الأسرة وتلبية إحتياجات الطفل النمائية وإتاحة الفرصة أمامه لتحمل المسؤولية واتخاذ القرار.

إن الأطفال الذين نمت سمة المرونة في داخلهم يصبحون أكثر استقراراً من الناحية العاطفية، وأكثر وعياً بذواتهم مما يحسن قدرتهم على تقييم الضغوط ويجعلهم أكثر ضبطاً لأنفسهم، بل ويمتلكون مفهوما ذاتياً أكثر إيجابية، ونضجاً إجتماعياً متنامياً وإحساساً بالمسؤولية.

نحن اليوم نعيش في عالم مليئ بالتحديات والمتغيرات المتسارعة والتي يكاد بعضها يكون كارثياً من خلال حجم الأثر الذي يتركه في ظروف البشر وجوانب حياتهم المختلفة.

نحن بحاجة إلى تعليم أطفالنا المرونة حتى يتمكنوا من الفوز في معركة الحياة القاسية، وذلك من خلال حث الطفل على الإنتماء إلى مجتمعه وتقديم يد المساعدة للآخرين، وتحفيز روح المبادرة لديه طفلا أو مراهقاً، وتعويده الصبر والتأني.

كما أن مؤسساتنا التربوية مطالبة اليوم بزيادة الإهتمام بتنمية جميع جوانب شخصية الطفل ومنذ المراحل التعليمية المبكرة وبشكل متوازن، بتفعيل مهارات التفكير لديه، ومساعدته على إكتشاف ما لديه من طاقات وقدرات عقلية، ولعل مقولة أينشتاين » الخيال أكثرأهمية من المعرفة » تحمل في طياتها رسالة تربوية في غاية الأهمية، فالخيال ما هو إلا الفرصة الأولى التي ُتلهم الأطفال إيجاد حلول أفضل، وقد يكون القليل من الخيال في المواد التعليمية ذا أثر عميق في نفوس أطفالنا على المدى البعيد.