كتب المحرر السياسي:

فيما يُخيّم الحزن على الجزائريين, بعد سقوط خمسة قتلى وعشرات الجرحى في الحفل الغنائي الذي أحياه مغني الراب الجزائري عبدالرؤوف الدراجي المعروف بـ«سول كنج», وبخاصة ان الفوضى التي سادت الحفل بعد تدافُع الجمهور, تزامنت مع إتمام ستة اشهر على الحِراك الجزائري السِلمي غير المسبوق في حضارِيته وتصميمه (إنطلق الحِراك في 22 شباط الماضي)، نقول: ما تزال الأزمة الجزائرية تُراوح مكانها رغم ما أنجزه الحِراك الذي انطلق قبل نصف عام رافضاً (في البداية) ترشُّح الرئيس (المُستقيل لاحقاً) عبدالعزيز بوتفليقة لعهدة خامسة, كان كثيراً ولافتاً وبخاصة بعد تحوّل الحِراك إلى ما يشبه الإنتفاضة الشعبية العارمة التي تجاوزت مسألة ترشّح بوتفليقة, الى ما هو أبعد كثيراً في مطالبها بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية وصولاً إلى مُحاكمة الفاسدين وأعضاء «العصابة» كمُصطلح بات مُتداولاً قبل وبعد تنحي بوتفليقة, والخطوات المتلاحقة التي تم اتّخاذها لملاحَقة العصابة, واولئك الذين استفادوا من هذه البطانة الفاسدة مقابل رشاوى وتبادل مصالح بين رجال الأعمال وسياسيين وحزبيين ومُكدّسي ثروات, ما كان لهم ان يحوزها حتى لو عملوا طوال اعمارهم ليل نهار, وبخاصة بعد استقالة (2) من الباءات الثلاثة الذين يَصِفهم «الحِراك» برموز نظام بوتفليقة, ولم يتبقَ سوى رئيس الدولة المُؤقت عبدالقادر بن صالح, الذي يرفض الاستقالة حتى إنهاء المُهمة التي اناطها به الدستور, فيما لم يتوقّف جمهور المُنتفضين عن المطالبة بإقالة رئيس الوزراء نور الدين بدوي, المُتهم بأنه وعندما كان وزيراً للداخلية دأب على تزوير الانتخابات, سواء كانت رئاسية أم برلمانية أم مَحلِية/بلدية. تبدو الأزمة الجزائريّة بعد ستة أشهر, وكأنها أمام مفترق طرق حقيقي. إذ لا يُعقل أن تتواصل فصولاً هكذا, دون ان تُفلح النُخب السياسية والحزبية والنقابية ومنظمات المجتمع المدني في اجتراح صيغة توافقية, بين «شَرطَيْن» لا يريد «أصحابهما» التراجُع عنهما, الأول الذي يتبنّاه الحِراكيون، ويُواصلون الضغط لتحقيقه دون أن يُبدوا أي مرونة, وهو: إقالة رموز نظام بوتقليقة وبدء مرحلة إنتقالية، فيما الشرط الثاني هو الذي يقف خلفه الرئيس المؤقت, مدعوماً من الرجل القوي المُمّسك بزمام الأمور (حتى الآن) وهو قائد الجيش الفريق قايد صالح, الذي يقول: إن الطريق لتجاوز المأزق الراهن هو الاتفاق على موعد الانتخابات الرئاسية. كنقطة انطلاق لإعادة تنظيم المشهد الجزائري، وإلاّ فإن البلاد ذاهبة إلى الفوضى والمجهول, وهو الذي نجح الجزائريون في تجنّبه حتى الآن, على خلاف ما حصل في بلدان عربية مثل ليبيا واليمن وسوريا. لا يجب التقليل هنا أيضاً من إنطلاق عمل «هيئة الوساطة والحوار» التي يقف على رأسها رئيس مجلس النواب الجزائري الأسبق كريم يونس, التي وإن كانت أسماء بعض أعضائها قد أثارت خلافات واعتراضات واحتجاجات, إلاّ أنه قدرتها على تقديم المشتركات والجوامِع الوطنية والدفع الى الخلف بالخلافات, ستُسهم ضمن أمور أخرى في بث أجواء من الثقة بين الأطراف المختلفة, بعد ان لم يعد ثمّة شكوك بأنّ البلاد قد باتت تواجِه أزمات مُتدحرجة وبخاصة على الصعيد الاقتصادي والتنموي والمالي, إذ نفدت احتياطيات العملة الأجنبية وارتفعت نِسب البطالة والفقر وتراجُع الخدمات والمرافق العامة.

فضلاً عن أن ما يجري من ملاحقة لرموز النظام السابق المُتهمين بالفساد وإساءة استخدام السُلطة, سواء كانوا من الأجهزة الأمنيّة والعسكريّة، كما حدث مع جنرالات مشهورين مثل الجنرال توفيق (محمد مدين) واللواء عثمان طرطاق، إضافة إلى وزراء من «الدرجة الأولى» كانوا يتمتعون بثقة العِصابة وخصوصاً سعيد بوتفليقة، تشي كلها أن الرئيس المُؤقت «بن صالح» غير معني بمواصلة مَوقعه (حتى لو أراد كون الدستور يحول دون ذلك) ناهيك عن الفريق قايد صالح, الذي تقول أوساط جزائرية عديدة أنه لا يطمح إلى أي دور سياسي في المرحلة المقبلة, ولا حتى الإسهام بإيصال مُرشح عنه (أو عن المؤسّسة العسكريّة صاحبة اليد الطُولى في البلاد). أمّا تمسّكه بخيار إنجاز الاستحقاق الرئاسي, فنابع من أن رئيس الدولة الجديد, هو وحده القادر على الإمساك بالأمور وعدم السماح بالإنزلاق إلى الفوضى, كونه مُنتخَباً ديمقراطيّاً, وثمّة مؤشرات على أن المؤسّسة العسكريّة لن تسمَح لأحد بتزوير الانتخابات والعبث بها ,كون تجربة العشرية السوداء ما تزال ماثِلة, ناهيك عن تراجع دور العِصابة وتراجُع احتمالات قيام أحزاب وحركات الإسلام السياسي, بمعاودة مُغامراتها الإرهابية السابقة, التي كلّفت الجزائر الكثير ولمّا تزل البلاد تعيش أجواءها المُؤَلِمَة والكارِثيّة.