عمان- إبراهيم السواعير

هل يمكن للغراب أن يكون جميلاً، أو أن نشعر من منظورٍ فلسفي بمدى مرارته وفداحة مظلوميّته وإحساسه المرير بفأل الشؤم الذي لحق به، وجعل الناس يتطيّرون منه، كلما سمعوه ينعب أو ينذر بخراب جديد أو يؤكّد أن لا أمل كما فعل مع الشاعر أدجار ألان بو الذي طرّز باسمه قصيدةً ما تزال فاحمةً بالألم،.. سؤالٌ طرحته (الرأي) على الدكتور فراس الريموني مخرج "غراب أبيض"، المسرحية التي اختتم بها أمس مهرجان المسرح الأردني الخامس عشر للطفل، وغايرت الفكرة الفلسفية المتصوّرة، بأن أظهرت جمال الحَمَام وزيتونه وهديله، وفضحت قبح نقيضه الذي مثّل قوى الشرّ، التي تسعى للتفرقة بين المحبين وهدم السلام القائم، فتوظّف غراباً ينتحل صفة حمامة، فيسرق القمح وينشر الفرقة ويذهب بالمقدّرات، حتى تكتشف الحمائم لونه الزائف وصوته المقيت، فتتم تصفيته من جماعته التي أوكلت له هذه المهمّة من قبل.

الإجابة كانت في ندوة العرض التقييميّة التي أدارها الزميل الناقد رسمي محاسنة وقدّم ورقةً فيها الفنان الناقد حابس حسين، إذ أبان الريموني عن رغبته بأن ينتصف للغراب الذي فُرض عليه فأله السيئ؛ فيمسح شيئاً من حزن عن هذا الطائر، كاشفاً عن حبّه له لأسباب ميثولوجيّة وقراءات عميقةً حوله، لكنّه لا يستطيع أن يفلسف الأمور؛ فيقلب نصّ يوسف حسن ناجي الذي توخّى به التفرقة بين الخيّرين والأشرار والإعلاء من قيمة السلام ونبذ الدخيل، ولذلك فقد تعامل الريموني وفق رؤيته الفنيّة دون أن يعبث بالثيمة التي تمنى أن يلعبها باحترافٍ لو كان المسرح للكبار.

العرض الذي حاز إعجاب الحضور وثناء النقّاد كحوار مثقّف وشروط إخراجيّة مستوفاة، رأى فيه الريموني، الذي قدّم خمساً وعشرين عملاً للمحترفين ولأوّل مرّة يشارك طيلة ثلاثين عاماً في مسرح الطفل، أنّه لا يمكن أن يكون سبباً في توهان الطفل الذي قد لا يحتمل أن نفلسف العمل أو(نمثلجه: ميثولوجيا)، فلم نذهب بعيداً، كما قال، بل استثمرنا القيمة الجماليّة، خوفاً من قلب الأبيض أسود أو الأسود أبيض، لكنّه مع ذلك كان حذراً جداً من الوقوع في مصيدة (الوعظ)؛ إذ وفّر له عنصر الإمتاع والفرح وإغناء ذهن الطفل بما لا يكون سبباً في التشويش عليه، ففتح له طاقات محسوبة ينظر من خلالها إلى كثير مما يحدث، معتبراً الطفل مسؤوليّة كبيرة علينا أن نقوم بها على مستوى المؤسسات والمبدعين، لافتاً إلى التناحر والتخلّف والسلبية الموجودة، وهو ما يستلزم أن نرسم ابتسامته ونضعه بصورة ما يجري فنعيد بناءه لتتأكّد لديه قيمة السلام مقارنة بآثار الحرب، فكان رقص الحمام وغناؤه وجماله وتصالحه مع ذاته وحركته المطمئنّة التي لا يهددها غير العنف والإرهاب والدمار الذي تخلّفه الغربان بما يحمله لونها المرعب من بشاعة.

الناقد حابس حسين نبّه أنّه في تقديمه لمسرح الكبار والشباب والأطفال دائماً ما يهتمّ بجذور العمل المسرحي في فكرته التاريخيّة أو الميثولوجيّة، مثلما يهتمّ بالدوافع السيكولوجيّة للممثلين أو العارضين بما يشتملون عليه من إبداع. فقد اكتملت عناصر مسرحيّة (غراب أبيض) بشكلٍ قلّ أن كان مثيله في تاريخ المسرح الأردني للأطفال- والقول لحابس حسين- في دوراته الخمسة عشر جميعها؛ إذ تميّزت المسرحيّة بقدرتها على مخاطبة جميع المراحل العمريّة من أطفال صغار ما دون السادسة إلى أطفال مرحلة ما بين السادسة والثانية عشرة، ثمّ الثانية عشرة حسب تصنيف اليونسكو – الهيئة العالمية للمسرح للفئات العمريّة للأطفال والفتيان.

ورأى حابس حسين أنّ "غراب أبيض" مسرحيّة تقدّم فرجةً متميّزة أخّاذة بصريّة وعقليّة للطفل في جميع مراحله التي سبقت، بل ووجدانيّاً، فقد أحسنتْ في تجسيد المكان الذي تتمّ فيه أحداث العرض، أي المنظريّة والبيئة التي يعيش فيها الحمام، الغابة الجميلة المزدانة بالأزهار والأشجار والأعشاش وغصن الزيتون الذي يمثّل السلام والحبّ والوئام أمام بيئة الغراب، حيث العراء والخراب وانعدام ما يشير إلى الأمل والحب والسلام والجمال.

النص

رأى حابس حسين أنّ النص يتجلّى بلغته العربية الفصحى للكاتب والأديب، ابن الكاتب والأديب، يوسف حسن ناجي، في مسرحيّة(غراب أبيض) ليقدّم مملكتين متضادتين هما مملكة الحمام رمز السلام والمحبة والتعاون والخير، التي تقابل مملكة الغربان حيث الشرّ والدمار والحرب والكراهيّة والأنانيّة، ومثلما يغلب على لغة مملكة الحمام المفردات الداعية للمحبة والسلام مجسّدةً بـالـ(ميلوديّات) الفرحة والتشكيلات الراقصة أحياناً، أمام لغة الشّر ذات المفردات التي تعجّ بالكراهيّة والشرّ والحقد والحسد والخضّ على التفرقة والفساد والنهب والسرقة وتشتيت الشعب الموجودة في مملكة الغربان. وقد تجسّدت الحكمة والموعظة في النصّ بسلاسة وليونة غير مفتعلة، بلغة شاعرية تقترب في شكلها كثيراً من القصيدة النثرية، وفي هذا الجانب قال حابس حسين: صدقاً، لقد قرأت النصّ عدداً من المرات وفي كلّ مرّة كنت أقترب من اللغة الشعريّة الجميلة في داخلي، مع أنّه ليس نصّاً شعرياً، أي أنّ الكلام لا يخضع للتفعيلة العربية التي نعرفها"، فقد عمل الكاتب في هذه اللغة على مفهوم أصيل في طبيعة الكائنات الحيّة جميعها، فـ(كلّ كائنٍ محكومٌ بطبيعته التي جُبل عليها)، حيث الخير كامنٌ في النفس الإنسانيّة والشر كامنٌ أيضاً فيها، وهو ما ينطبق تماماً على الحيوانات التي هي أدنى سلّم المخلوقات فيما الملائكة أرقى هذا السلم، فكان بينهما الإنسان الذي جعله الله ممتلكاً لصفاتهما معاً، ذاكراً قصة أمر الله الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام ولعن إبليس، بينما يظلّ الإنسان ممتلكاً لإرادته في الشر والخير، فانقسمت تلك الصفتان فيه إلى شقين متضادّين في المسرحيّة، وهو ما يحسب للكاتب الذي قدّم مادةً وموضوعاً ثرياً بالحِكَم والأفكار والمتعة والموعظة والمثل العليا التي يجب على الإنسان أن يقتدي بها ليعيش بسلام ومحبة وأمان ويتقي مواطن الشّر وقوى الفساد في الأرض.

الإخراج

أكّد حابس حسين ما وجده المخرج الدكتور فراس الريموني في النصّ من فائدة، فكان اختياره حسناً، إذ وجد مادّةً ثريّةً لأن يطلق فيها خياله وإبداعه في تحويل الأفكار والمعاني والصراعات المتضمّنة في النص بواسطة ميزة الدراماتورجيا التي يجب أن تتوفر في المخرج المبدع وذلك في تحويل اللغة المقروءة على الورق إلى منظرية مسموعة ومشاهدة، إلى سينوغرافيا.

وشرح حابس حسين أنّ الريموني صوّر الحَمام في ركن من الغابة، حيث الأشجار والأثمار والأزهار والأعشاش وتناغم الحوارات المدعومة بمشاهد جميلة، قبل اختيار ملكة جمال الحمام ومشاهد إيقاعيّة أخرى قامت على تصميمها مصممة الرقص والأزياء، مثلما نجح في إدارته للممثلين والممثلات، الذين أقنعونا بجدواهم ونظامهم الكبير في الأداء والصوت والحركة، لدرجة أنهم يوشكون أن يقتربوا بمجملهم إلى أعلى من الحدّ الأدنى للمثل المحترف، كما أكّد حسين في تمييزه بين الهاوي والممتلك لموهبة حقيقية من الممثلين. ورأى أنّ هؤلاء الأطفال الممثلين الذين يقف أكثرهم على المسرح لأول مرّة، نجحوا في أن يتولوا مهام التمثيل والرقص والغناء، فقد أبدع المخرج الريموني في توليف مقومات العرض من تمثيل ورقص وغناء وديكور وإضاءة وأزياء ومكياج ودقة خالية من الارتباك والفوضى التي قد يتصف بها الأطفال في أغلب الأحيان في عروضهم المسرحية، في حين أننا نجد أنّ الممثلين والممثلات في (غراب أبيض) قد عقدوا الألسنة والأنفاس لتأثير الدهشة والإمتاع والإشادة التي تجلّت وتخللت العرض، وكل ذلك ليس غريباً على الدكتور الريموني الذي خبر الإخراج والتعامل مع نفسيات الممثلين أطفالاً كانوا أم كباراً، إذ ظلّ هاجسه الأول والأخير هو رسالة المسرح التي لم تكن لديه في يوم من الأيام شراء وعي الإنسان وخياله وقيم الخير والجمال لديه، ليصار إلى تكوين مجتمع محب ومتعاون ينعم بالسلام والعيش الكريم، وهو ما يجعل أيّ فنان يتمنى أن يكون ممثلاً في أعماله، خصوصاً في مسرح الطفل.

التمثيل

وأكّد الفنان حابس حسين، في حديثه عن نجاح عنصر التمثيل في المسرحية، أنّ الصالة والمسرح قد طفحتا بطاقة مشعّة في كلٍّ من أداء ورقص وغناء العارضين(الممثلين) جميعهم، وبدون استثناء، إذ كان للمخرج الدور الكبير في اختيار هذه الطاقات والمواهب الرائعة والحقيقية، فلا يخفى ما للتدريب والمران والبروفات الذكيّة للحركات المتقنة سواء في الرقصات أو بنقل المشاهد من مكان لآخر مع الموسيقى وإدارة العرض عامة، من أثر على تمكين الممثلات والممثلين من أداء أدوارهم وإتقانها دون استثناء، فقد كانوا، وعلى صغر سنّهم، كما قال حابس حسين، وقلة تجربتهم في التمثيل، ناجحين ومبدعين أيّما إبداع، وهو ما يؤكّد أنّهم جميعاً أدّوا عملاً يتطلب نجاحاً جماعيّاً تتظافر فيه كلّ عناصره مرّةً واحدة، مهما كانت مساحات أدوارهم متباينة، فبحسب فقهاء المسرح وخبرائه لا يوجد هناك دورٌ صغير أو دور كبير، وإنّما يوجد ممثلٌ كبير وممثل صغير. فسواء مثّل هؤلاء الأطفال أدوار الخير أم مثّلوا أدوار الشرّ فقد تجشّموا عناء التمثيل والرقص والغناء وحفظ الحوار والتلوين في الطبقات الصوتية والانتقال في حالاتهم الانفعاليّة من حالة إلى حالة في الشخصيّة الواحدة، داعياً إلى أن يتابعوا اهتمامهم بالمسرح بحسب ميولهم في الإخراج أو كتابة النصّ أو الموسيقى المسرحيّة أو الأزياء والديكور والإضاءة وإدارة المسرح.

التأليف والتوزيع الموسيقي

أشاد الفنان حابس حسين بالفنان مراد دمرجيان وأعماله الرائعة في التأليف الموسيقي، وما أمتع به الجمهور في مسرحية "غراب أبيض"، إذ أثرى الذائقة بكلّ جديد من إبداعه، فهو متجدد ومولّد للإبداع في كلّ أعماله، مقدّماً شهادةً إبداعيّةً حوله ملحّناً وموسيقيّاً وموزّعاً، إذ كان في كلّ عمل مسرحي يشارك فيه يقدّم الممتع والمحترف الذي يدلّ على قامة عملاقة تقف في مصاف العمالقة العالميين على مستوى جودة ما يقدّم ويؤلّف ويوزّع في نتاجه الموسيقي، ودلل حابس حسين بأعمال معيّنة لدمرجيان قال إنّها تضاهي أعمالاً مهمّة ذكر عدداً منها لموسيقيين عالميين.

وقال إنّ دمرجيان قدّم في المسرحيّة روعته وسلاسة أنغامه وألحانه الموسيقيّة المميزة التي جعلتنا نحسّ بالفرح والرغبة في القفز والرقص مع فتيات الحمائم، بينما نتريّث كثيراً لتأثير الموسيقى الكبير والاحترافي ونحن ننقبض ونشعر بالرهبة أمام لوحات القطب الآخر وهو الغربان أو مملكة الشّر.

الرقص والأزياء

ورأى الفنان حابس حسين أنّ الرقصات والتشكيلات الجسديّة والأزياء التي صممتها الفنانة اني قرة ليان في المسرحيّة تنمّ عن ذوق وخبرة عاليتين في تصميم تشكيلات الممثلين والممثلات في قطبيهما الحمائم والغربان، كما تنمّ عن معرفة واسعة تتناسب تماماً مع فحوى الموقف الذي يسيطر على الحالة الدراميّة المتغيّرة أثناء العرض.

وقال إنّ الأزياء كانت موفّقة جداً في التعبير عن الحمائم التي اتخذت اللون الأبيض، وخاصةً الأردان ونمنماتها التي تعبّر عن جناح الحمامة والريش الذي يمكّن الطير من الطيران، مثلما كانت هذه النمنمات في الغربان، حيث المنقار ونمنمات ريش الغراب، فكان الاشتغال ذكياً لدرجة أننا نحسّ وكأننا أمام حمائم وغربان لها أجنحة.

الإضاءة

وأشاد حابس حسين بالإضاءة التي كانت من العناصر المتّسقة تماماً مع العناصر الأخرى للمسرحيّة، تماماً كالأزياء والموسيقى والكيوغرافي والإخراج والنص، فقد كانت الألوان الزاهية والمفرحة هي ألوان أجواء الحمائم بحواراتهنّ ورقصاتهنّ وحياة البهجة والفرح، مثلما أخذ اللون الأحمر لون أجواء الغربان الذي يعبّر عن الدمويّة وحب الحرب وكلّ ما هو سلبي في اللوحات التعبيرية المؤدّاة.

أجواء النص

وقرأ الفنان حابس حسين بصوته مقتطفات من حوارات الحمائم والغربان، لافتاً إلى أهميّتها في فكرتها وصياغتها الأدبيّة، وتأثر بعضٍ منها بالموروث الديني، ودلالتها الراهنة، من مثل: (ما سرّ هذا الدّمار في العالم ما دمنا نحمل أغصان الزيتون؟!)، (علينا أن نتلوّن حتى ننجح في المهمّة.. نريد أن نعيش حتى لو مات الجميع!)، (..ولا تنسَ أنّ مصير من يفشل هو الموت، سننقر جسده حتى الموت ومن ثمّ ندفنه في الأرض، هذا ما علّمناه الإنسان!)، (المحبّة!.. المحبّة!.. إنّهم يحبّون بعضهم، إنّهم متعاونون، يعيشون بسلام!!)، (سنجعل من المحبّة العداوة ومن التعاون الأنانيّة ومن السلام الحرب!)، (من يسرق من السهل عليه أن يكون فاسداً!)، (انظر إلى حالنا أيّها القائد: طعامنا مسروق، يتّهم بعضنا بعضاً، كلٌّ يعمل وحده، وفوق ذلك هناك من دمّر شعارنا!..)، (نحن متعاونون، وليس من عاداتنا أن يذهب كلّ واحدٍ منا بنفسه للبحث عن الطعام!..لا فرق بيننا أبداً باللون، كلّنا واحدٌ، وعلى اختلاف ألواننا!)، (إنّ الشرّ لا يدوم!.. لقد ظهر الحقّ، لن يستطيع تدمير مجموعتنا ولا سرقة ما في غابتنا؛ إننا متحدون وأقوياء نطلب السلام لكي ندافع عن حقوقنا!).

وكان مثّل في مسرحية"غراب أبيض": الاكياز اصادوريان، زينب حسيني، تالار سركسيان، سلين قصابيان، جارينة ديمرجيان، ناتيل سركيسيان، فارس شامي، فارس مشو، هيلدا قصابيان، خاتشيك ملجيان، ناي نصراوي.