د.أسماء سالم

تحكي رواية «ولادة بلا رحم» للكاتبة العراقيّة زهراء طالب حسن عن الطّفولة البائسة، وغياب العدالة والإنسانيّة، من خلال شخصيّةٍ فنّيّة، أحسنت بلسانها السّرد الذّاتيّ، فتداعت أفكارها وأحاسيسها وهمومها تجاه قضيّةٍ اجتماعيّة مهمّة وملموسة، هي الطّفولة المحرومة وحقوقها المهضومة وما تعانيه حياتها من عوزٍ وتشرّد وانتهاك، مستوحيةً قصّةً واقعيّة، هي قصّة الشّابّ العراقيّ هشام الذّهبيّ، دون أيّ صلةٍ بسيرة حياته، سوى استيعاب تفانيه في احتواء الأطفال الأيتام والمشرّدين واللقطاء، انطلاقاً من وازعٍ إنسانيٍّ نبيلٍ ونزيه.

وتشتمل الرواية الصادرة عن «الآن ناشرون وموزّعون» على عشرين قسماً، وظّفت فيها الكاتبة الحوار لاسيّما المونولوج، وتدفّق تيّار الوعي، والسّرد النّفسيّ الممزوج بسرد موضوعيّ ينحت ملامح النّفسيّة القلقة إزاء هذه الإشكاليّة؛ إذ يسترجع البطل «علاء» سيرة حياته ونضاله من أجل فئةٍ بائسةٍ ومسلوبة، ساعياً إلى إسعادها، وانتشالها من مستنقع الحياة الآثم والغامض.

وتكاد تكون شخصيّة «علاء» مثاليّةً تطمح إلى عالم مثاليّ، وتبوح بقصّتها ومعاناتها وتطلّعاتها، على الرّغم من طبيعة الأحداث المحفّزة، محدّثةً باطنها: «كان شعوراً غريباً؛ إذ تحوّلت ذكراي من فرحة انتشلتها من رحم الماضي إلى غصّة مخنوقةٍ، وليدة الحاضر!»؛ وكأنّها تخوض في لجّة العزلة والانطوائيّة، بلا هدفٍ أو غاية، مستعرضةً طفولتها وبؤسها وحرمانها، وإيمانها بقيمة تماسك الأسرة ودورها في الاستقرارين النّفسيّ والاجتماعيّ، موحيةً في سياق ذلك بثقافة البيئة لاسيّما حينما تحدّثت عن شظف الحياة وتحمّل الأمّ المسؤوليّة، وراصد?ً الحياة الاجتماعيّة وأثر التّفكّك الأسريّ على انهيار لبنات المجتمع وانتشار ظاهرة الأطفال الذين لفظهم «ولفظتهم الحياة من جنبات الإنسانيّة»، والمستغَلّين على مختلف المستويات.

وتلقي شخصية «علاء» الضّوء على تدهور دور الأيتام وما فيها من اضطهاد، وما يترتّب عليه من تشرّدٍ وضياع، وممارسات بيعٍ على الطّرقات، واستجداءٍ، وسرقات، واعتداءٍ نفسيّ وجسديّ، وانحراف، وإدمان، وشلليّة، واغتصاب، بأحداثٍ فنّيّةٍ مألوفة وصور منعكسة عمّا في واقعنا المعيش، لم تكن لتترك مجالاً للبطل في التّفكير بغير الإصلاح والإنقاذ وبعث الجانب الإنسانيّ، بدءاً من أولى تجاربه في احتواء «وائل»، حتّى اتّساع رقعة العمل الجماعيّ المشترك، وتزايد عدد الأطفال المهمّشين المنتشلين، والموعودين بحياة جديدة، أكثر عدلاً واستقرارا? وأماناً وإحساساً بالقيمة، يقول: «كانت تلك بداية مرحلة جديدة في حياتنا، أو ربّما ولادة جديدة، لم تكن الأخيرة حتماً، فقد تلتها ولادات أخرى لأطفال طفت أرواحهم إلى الحياة في بيتنا الآمن».

ولعلّ لتداعي الأفكار وتوالد التّساؤلات دوراً في تحفيز تواصل الأحداث وتعميق الرّؤية والتّكرار، يقول البطل: «أيمكن أن ينتعش الخائن في بيئة أمينة؟ هل مشكلة الإنسانيّة تتلخّص في الإنسان نفسه أم في زمانه الذي طالما حمل ما لا طاقة له بحمله؟»، هنا نسمع صوتاً غير مقيّد بزمان ومكان بعينهما؛ صوتاً يؤمن بإحساسٍ إنسانيّ شموليّ وموقفٍ واسع، وينحاز إلى إنصاف القضيّة وإيجاد الحلول النّاجعة؛ هو صوت الكاتبة، المقتحم بلغته الواعية والهادفة لغة حوار الأطفال، في بناء متقن ومحكم، ذي أسلوب سلس وسهل ممتنع، ولغةٍ عالميّةٍ تخاطب ا?قارئ سرداً وحواراً بالفصيحة لا الدّارجة/ المحكيّة؛ لغةٍ يتساوى فيها الجميع، فلا تخصّ قوماً أو بيئةً أو قطراً، انطلاقاً من الرّؤية؛ لغةٍ منسابةٍ وقريبة ولها طابعها، فلا هي تراثيّةٌ بعيدةٌ ولا هي عميقةٌ مستغلقة ولا سطحيّةٌ ولا أيديولوجيّة.

وتطرح الرّواية فكرة حقّ الحياة والمساواة، بجماليّة تعبير، واجتماعيّة وظيفة، داعيةً إلى الوعي والإصلاح بتكاتف الجهود في انتشال الأطفال واستغلال الطّاقات وتعزيز المواهب وخلق الإبداع، تحت شعار «الألم يصنع العظماء»؛ فـ «علاء» عانى من الفقر والبؤس، والحرمان من الأبوّة صغيراً وكبيراً، وكان من المحتمل أن يصبح مثل هؤلاء؛ لذا فاضت مشاعره وتوجّع لحال الطفولة المهدرة في مجتمعات مفكّكة، وبيئاتٍ متردّية، ذات أمراض اجتماعيّة مستشرية كانتهاك حقّ الحياة بتجارة الأعضاء، والاعتداء الجنسيّ، وكذلك الوساطة والخداع؛ وعليه كان ب?ثابة المنقذ أو المخلّص الذي يشغله هاجس استقطاب الأطفال والتّخطيط لمستقبلهم، يقول: «لكنّ كوابيسي كانت مختلفة! أؤمن أنّ الأحلام المزعجة، ما هي إلا مرايا لما نفكّر به. بات ذلك الحلم متربّصاً بي، لا ينكفئ يخترق عالم أحلامي، ينغّص نومي بعدما يعبث بخصوصيّته»، على الرّغم من أنّهم كانوا بالنسبة له مصدر سعادةٍ واستقرار، بينما كان لهم مصدر نجاةٍ وأمان، في علاقة اطّراديّة بين مانحٍ وممنوح.

والواضح أنّ الرّواية تدين المجتمع، وتلفت إلى خطورة واقع التّشرّد، وتسلّط الضّوء على الجانب الإنسانيّ، ملخّصةً معاناة أبناء الشّوارع، وملامح مآسيهم، وتوسّع رقعتهم وإهمال شؤونهم، برسم متميّز للشّخصيّات وتصويرٍ عميقٍ لأفكارها وبخروجٍ على نمطيّة الكتابة الرّوائيّة بالمناجاة النّفسيّة، استجابةً للواقع والحياة عامّة، من خلال بطلٍ مرهفٍ وواع، يصرّ على بثّ الحياة فيهم، مركّزاً على الجانب الصّحّيّ، والسّلوكيّ، والأخلاقيّ، والإبداعيّ، ومؤكّداً ضرورة التّعاون في الانتشال؛ لا سيّما أنّ الظّاهرة قد اتّسعت، وتفاقمت آثار?ا الاجتماعيّة والنّفسيّة، تزامناً مع الحروب وموت كثيرٍ من الآباء والأمّهات، وتراجع الأمن وغياب الأمان والسّلام والاستقرار على المستوى الأسريّ، والمحليّ، والدّوليّ.

لذا تستغرق هذه الرّواية في التّحوّلات النّفسيّة والسّلوكيّة للشّخصيّات لاسيّما الأطفال، وفي اتّساع دائرة العطف عند «علاء» وجماعته؛ إذ تحوّل العمل الفرديّ إلى جماعيّ؛ احتواءً ودعماً مادّيّاً ومعنويّاً، كما تحوّل الأطفال من التّهميش والسّلبيّة، إلى الإيمان بالقيمة والإيجابيّة، مصوّرةً قلق صوت الذّات الفاعلة والطّامحة إلى التّغيير، كاشفةً عن معاناة الطفولة وخيباتها في العالم والوجود، وثنائيّة الحياة والتّأقلم مع الحياة الجديدة، وملتفتةً إلى عمالتها في واقع اجتماعيّ مرهق وقبيح ومشوّه، دعوةً إلى منحها حقّ الحيا? الكريمة والإنصاف والتّواصل والإبداع، ما يلفت النّظر إلى جحيم الحياة خارج المراكز والانخراط في جوٍّ من الحيطة والحذر والخوف والتّشتّت والاستعداد العدوانيّ المكتسب.

وقد شمل العنوان «ولادة بلا رحم» كلّ إنسان، وكلّ ابنٍ ضالّ، وكلّ يتيمٍ مضطهدٍ مشرّد، وُلد من جديد بعد أن لفظته الحياة دونما رحم، بالإنسانيّة والتّعاطف والإرادة والفعل الجادّ؛ وتثير هذه العتبة تساؤلاتٍ حول ماهيّة الولادة وكيفيّتها ومصيرها والتحوّلات الطارئة والجدّة في مغايرة المألوف، فماذا بعد؟ كما تثير البعد الإنسانيّ وتدعو إلى التّضافر والتآلف والمساهمة الفاعلة، إضافةً إلى تساؤلات قد تبدو بسيطةً؛ لكنّها مهمّة: أثمّة ولادةٌ بلا رحم؟ وهل ثمّة حياةٌ جديدة دونما جذور أو دونما موت أو حياة سابقة؟ وما قيمة هذه ال?لادة؟

إنّ أطروحة هذه الرّواية تؤكّدها الأحداث والمواقف المنسجمة والشّخصيّات؛ فـ «علاء» يسجّل هواجسه تجاه الوجود والحياة والطّفولة والمصير، لذا كان وضع المشرّد محفّز قلقٍ عنده، بما يعكس صورةً محسوسةً عن واقعٍ معيش؛ وإن كانت تجربته إنسانيّةً نبيلةً وقيّمة؛ إلّا أنّها تخطّ صيغةً لهموم الكاتب الضّمنيّ وتطلّعاته الإيجابيّة؛ فـ «جان فالجان» في «البؤساء» لفيكتور هيجو وهب النّور للآخرين، وتعب كثيراً من أجل إسعادهم، وتحقيق التّغيير، وكذا «علاء» بطل الرّواية؛ إذ يلتقيان في نشدان العدالة، وتصوير إحساس الذّات تجاه مجتمعٍ يل?ظ البؤساء والأبرياء، تأكيداً للقيم الإنسانيّة المغيّبة وتعبيراً عن الظّلم والقهر، يقول «جان فالجان»: «الشّيء الرّهيب هو أن لا نعيش»، وشتّان ما بين الإنسانيّة والحياة، وهذا ما يخشاه «علاء» على هؤلاء، لذا عاش عذاب الضّمير وحسّ المسؤوليّة الواعي.

والرّواية بقدر ما هي واقعيّةٌ تلتفت إلى البيئة والأزقّة والحاويات، وتنهل من قصّةٍ واقعيّةٍ استيعاباً وخلقاً وتخييلاً؛ واجتماعيّةٌ تعالج قضيّةً مهمّة تتناول ثيمة التّهميش وغياب العدالة، محتجّةً وتائقةً إلى وضعٍ مغاير وحياةٍ فضلى؛ هي أيضاً روايةٌ نفسيّةٌ، تدور في أعماق الذّات (علاء، الأنموذج الإنسانيّ المثاليّ)، وتصوّر أحاسيس الأبوّة والأمومة والعطف والحبّ والتّقدير والصّبر.

وهي كذلك غنائيّةٌ ذاتيّةٌ مونولوجيّةٌ ذات صوتٍ واحدٍ موجّهٍ وذات قيمةٍ أدبيّة؛ محور الحديث فيها إنسانيٌّ عاطفيّ، يدور حول هموم البطل الإنسانيّة ونصرته للضّعفاء من الأطفال المحرومين، وشعوره بخطورة أوضاعهم، ويرسم صورةً لتحوّله إلى النّضال الفاعل المتنامي والإيجابيّ؛ إذ يبني حياته على قيمٍ مفتقدة، وعلى أساسٍ إنسانيّ نبيلٍ وشريف؛ فـ «علاء» كما ترى المؤلفة رمزٌ للإنسان السّليم في مجتمع يجب أن يكون سليماً ومثاليّاً؛ فهو ذاتٌ وطائفةٌ وفئةٌ وإنسانٌ وأوسع من ذلك بكثير؛ هو إرادةٌ وعملٌ جماعيّ ومجتمعٌ وشعبٌ وعراقٌ وس?اه شرقاً وغرباً...؛ سرّ بطولته في ذاته وفعله وتصميمه ودأبه ورسم شخصيّته في عملٍ فنّيٍّ جيّد يصوّر محكّ الصّراع بين الشّرّ والخير.