حنان بيروتي



لم أكن أتوقع الموت بطريقة طبيعية؛ فالحربُ الأهليةُ التي يتسكع الموتُ فيها يومياً جعلتني أطمح لموت فريد، فلم يقوَ الجوع المزمن الذي يفتك بأمعائي ويجعل جسدي يذيب الشحوم لاجئاً لمخزونه منذ أيام السلم والنعمة التي لم أكن أعي قيمتها حتى عشتُ الأيام العجاف للحرب البطيئة اليومية التي تشتعل في خاصرة الوطن اليمنى ثم تنتقل لليسرى قبل أن تضرب في القلب الذي ظلّ يقاوم وينبض رغم تعدد الطعنات، وحين توشك أن تهدأ تشتعل في الأطراف.. باتت أعداد القتلى حصيلة يومية لا تلفت نظر أحد؛ فالكلُّ يلتفت لكيفية تمضية يومه دون موت من ج?ع مزمن أو من نقص المواد التموينية الأساسية مع الحلم بدجاجة تتوسط المائدة العامرة بالخبز المتيبس الملمومة فتافيتُه من وجباتٍ سابقة كأنّها غرامات ذهب.. لا.. هي أغلى من الذهب في زمن الحرب اللعينة هذه.. ومع تمنّي عدم انقطاع الكهرباء في عزّ الظهيرة وتوافر ماء نظيف للشرب، لا يجلب لك المرض المصحوب بقلة الأدوية وندرة توافر العلاج، ناهيك عن خوف التعرض للخطف أو القنص.. لا.. هذه مبالغة.. فهذه الأمور المقلقة لا تأتي دفعةً واحدةً.. فعندما تكون جائعاً يشبه ذلك أن تكون مضطراً لقضاء حاجة وتبحث عن مكان يفي بالغرض، الجوع وا?حاجة يشلُّان القدرة على التفكير في أمور ثانوية كالقنص مثلاً!

ماذا يعني أن تخترق رأسك رصاصة؟ لحظة ألم واحدة وربما اثنتان وينتهي بك الأمر ميتاً. ياااه.. الموتى لا يتألمون ولا يحلمون.. وتَصوَّر.. لا يخافون ولا يجوعون ولا يضطرون لقضاء حاجة ولا يقلقون، فمرحى بالقنص إذن!

لكن الخوف غريزيّ من الموت، وتجنُّب الخطر من الطبع المتأصِّل لدى الإنسان المتحّضر.. تباً للتحضر الذي جلب لنا البراميل الحارقة والقنابل الفسفورية والذكية والصواريخ الموجهة وتلك الهياكل الحديدية اللعينة التي تزاحم طيور السماء وتتبرّز علينا الموت.. ألم تجد مكاناً اخر تقضي فيه حاجتها اللعينة؟ متخمة الحرب بالاحتمالات.. احتمالات الحياة وكثرة تطلبات العيش لمواصلته وسط احتمالية الموت المتكررة وطرقه اللا محدودة.

كلّ ما يشغلني ألّا يكون موتي بطريقة اعتيادية.. أريد موتاً مختلفاً وسريعاً.. لم أفكر في الهرب من البلد.. فخطورة التسلل للمجهول تشابه رعب البقاء، خاصة أني -ولله الحمد- لم أتزوج بعد وأُبتلى بأولاد.. الأولاد في زمن الحرب بلاء، لأنّهم قطعة منك لا تستطيع التحكم في تحركاتها أو معرفة ما تفكر فيه ولا يمكنك أن تخبئها تحت جلدك.. حتى مجرد التفكير فيهم يجرّ الصداع؛ لماذا يكثر الناس من التكاثر؟ هل يؤمّنون للموت وجبته المفضّلة من الصغار؟ الحرب حالة من القتل المتبادل بين جهتين.. أما في الحرب الأهلية أو حرب العصابات التي ?عيشها، ثمة حالة من الاقتتال الأعمى.. نحن مشروع قتلى أو مقتولون لا قاتلون.. هناك من تورّط في القتل للقتل.. الخطف شكلٌ للقتل.. والسرقة والاغتصاب والترويع والنهب كلّها صور مبتكرة للموت حتى يصبح اعتيادياً ومتوقعاً، والفقد يطرق أبواب البيوت، وربما يكرر الطرق كأنّه يشمُّ رائحة القلوب الخائفة أو كأنه يفضّل بيوتاً على أخرى.. لا يخاف أن تتكرر الفجيعة في العائلة نفسها، ولا يهمه تكرار مجيئه كأنه يتسلى ويتقن التنسيق بين الشوارع والأماكن كأنّه على موعد معها؛ والموت لا ينسى موعده.

كلّ أفكاري عن الموت تبخّرت في لحظة.. أرشدتني غريزتي للهرب بسرعة، وقلبي يقرع بعنف وشفتاي جافتان من الخوف لحظةَ رأيتُ الرجل الذي يحمل أكياس خضار وربطة خبز وهو يسقطُ وتتدحرج حباتُ الليمون مختلطة بدمه.. هناك أُخرى هربت وتدحرجت بعيداً عن مرمى البصر.. تراجعتُ وأنا منحنٍ والتصقتُ بالجدار في الجهة المقابلة.. لم أستطع مساعدته، فهو على مرمى رصاص القناص.. سمعت أنينه ضعيفاً خابياً.. تعرقت وأنا أرتجف.. كدت أذهب إليه لولا الخوف الذي يمسك بي ويشلُّ حركتي.. حاولتُ أن أستجمع ما حدث.. الرصاصة التي أصابته عبرت قربي، ربما لو ?رك القناصُ يده قليلاً لأصابتني أنا.. ولتبادلنا الأدوار.. لماذا استهدفه هو ولم يستهدف رأسي؟ هو القدر أو الحظ.. ربما مكتوب لي أن أواصل العيش في الجحيم .

حلقي جاف، أحسُّ بتعرق ودوخة، تذكرتُ أني لم آكل شيئاً منذ الصباح.. ربما انخفض مستوى السكّر في دمي.. ما جدوى أن أفكر في شكل الموت.. هل ثمة من يختار موته أو حتى حياته؟

ربما ذهبتُ في إغفاءة قصيرة وأنا جالس أمدُّ ساقي وذراعي بلا حول محتمياً بالجدار ورأسي مستند إليه. لا أستطيع المكوث دون حراك أكثر.. تيبست أطرافي، أنفضُ يدي من يد الخوف المتشبثة بي وأنهض بصعوبة.. سأعود للبيت، ربما أجد شيئاً أتناوله.. لم يكن ثمة أثر للرجل غير آثار دمائه على تراب الطريق.. ربما نزف كثيراً وأنا أختبئ مثل طفل مذعور.. ربما مات وهو ينتظر أن أساعده.. هل كانت تلك الحادثة حقيقية أم من رسم خيالي؟ أقنعتُ نفسي بأني تخيّلت كلّ هذا، وأنّ انخفاض السكّر في دمي سبّب لي الهلوسات.. حمدتُ الله على حبة الحلوى التي?عثرت عليها في جيبي.. سرت بخطى بطيئة وأنا أقنع نفسي بأنّ الرجل الذي كان يحمل الأكياس لعائلته راجعاً من السوق هو الآن في بيته آمن.. لا يتذكرني ولا يعرفني.. كدتُ أواصل القصة الوردية لولا رؤيتي لتلك الليمونة المتدحرجة عند عجل السيارة المتوقفة كأنّها شاهد يحدّق بي ويواصل سرد ما حدث!