الراحل حسني فريز -رحمه الله- قامة وطنية تمتع بحسّ عروبي وانساني لازماه على امتداد حياته. في كتابه «رفاق العمر» الذي تحدث فيه عن بعض رفاقه امثال الراحلين: سليمان النابلسي ويعقوب عويس ورشيد زيد الكيلاني وآخرين أشاد بالقيم الانسانية التي امتلكوها والتي انعكست على سلوكهم في الحياة.

اشتمل الكتاب ايضاً على بعض ذكريات مُرّة عاشها هذا الراحل. يقول -رحمه الله- تحت عنوان «من حواشي الذاكرة»: «لقد نذرتُ ان اعلّم سنة في الجزائر بعد نيل استقلالها الظافر دون أجر. ففي سنة 1963 جاءت لجنة لاختيار معلمين، وكان بيني وبين القائم بالاعمال الجزائري في عمان مودة قال لي: لم لا ترى اللجنة وتتحدث اليها عن رغبتك. وكان ان دخلت الى اللجنة، والمفاجأة بعد ان استمع احدهم الى رغبتي قال لي: انت كبير السن» (الكتاب ص 169)

وفي موضع آخر من الكتاب يحدثنا حسني فريز عن «جلوب باشا» حين كتب سيرة الرسول الأعظم. يقول بالحرف: «قبل اكثر من شهرين بعث الي سماحة الشيخ ابراهيم القطان كتاب: «محمد وزمانه» لأقرأه بسرعة بوصفي متفرغاً. الكتاب من تأليف «جلوب». يعلق حسني فريز على الكتاب قائلاً: «رأيت انه (اي جلوب) يلوي الحقائق فهو اذا ذكر «الوحي» او كلاماً منسوباً للرسول قال: «يزعم» محمد انه أوحي اليه وان القرآن كلام الله». (المرجع السابق ص 136)

ويمضي في مزاعمه الى حد القول: «إن القرآن جُمع بعد وفاة الرسول بعشرين سنة، وليس ذلك صحيحاً، فالثابت انه جُمع بعد حرب الرِّدّة حيث استشهد عدد كبير من حُفاظ القرآن، وكان جمعه في زمن ابي بكر، وقد حفظت النسخة في بيته. اذ تم ذلك في عهده او عهد عمر ومن ثم انتقلت النسخة الى ابنته حفصة. وعندما جمعه عثمان اخذ النسخة من حفصة». (ص 138)

في كتابه ايضاً انتقاد للنهج التقليدي الذي تتبعه مدارسنا. يقول هذا المعلم والمربي: «إن مدارسنا -واقصد كل المدارس العربية- رَبّت «قوة الذاكرة» ولم تُربّ «القدرة على التفكير». (ص 149)

الراحل حسني فريز كان وطنياً عروبياً بامتياز. منفتح التفكير يتطلع الى عالم يسوده السلام ونعمة العدالة». حزّ في نفسه -كما يشير في كتابه- ان يرى «متعلمين» تجاوزوا الاربعين من العمر، وهم مع الاسف «غير مثقفين». وبسخرية لاذعة يصفهم بأنهم من جماعة «يَصْطفلوا»، بمعنى انهم أداروا ظهورهم للدنيا وللوطن ولم يَعُد يعنيهم سوى مصالحهم.

رحم الله حسني فريز، حُبه لوطنه الاردن وسائر البلدان العربية لا يعادله حب. وفياً كان للقيم التي آمن بها.

لم يُساوم عليها لأن المساومة على القيم تعني «الانتحار».